قصتان من علم النفس!

توفيق أبو شومر - فلسطين قصصتُ على طالبات مدرسةٍ إعدادية طريقةَ صيامِنا عندما كنتُ في سنهنَّ، قلتُ: حلَّ شهر رمضان في أواخر خمسينيات القرن الماضي، في شهر إبريل، كان الجو قائظا على غير المعتاد، كنتُ أسيرُ ساعة لأصل المدرسةَ، اعتدتُ أن أسأل حاملي الساعات عن الوقت عدة مرات، مع العلم أن حاملي الساعات من المارين كانوا قِلَّة، لأن الساعات كانت غالية الثمن، ولم أكن أعرف سرَّ توقيت طبلة المسحراتي المضبوط وهو يطرق شباكنا الحديدي، مناديا أن استيقظوا، فهو نفسه لا يملك ساعةً، بل كان يوقظنا وفق حاسته الفطرية وتخمينه الصحيح!  كنتُ أشعرُ بالنشاط أستمدُّ طاقتي في المشي من وجبة السحور الشعبية البسيطة، وهي ليست وجبةً كاملة، بل هي كوبٌ صغير من منقوع قمر الدين، ومن بعض الملاعق الصغيرة من الدبس، وأكمل ملء فراغ معدتي بالخبز. وما إن أصل ساحة المدرسة حتى أشعر بالجوع والعطش، فأتوجه إلى حنفيات المدرسة الثلاثة الوحيدة في ساحة المدرسة أبلل شعري، وأغسل وجهي، حتى أخفف إحساسي بالعطش، حنفيات المياه الثلاثة هي الأكثر ازدحاما، لأننا كنا نتسابق بعد كل حصة نبلل ثيابنا بالماء، كثيرون كانوا يبتلعون جرعاتٍ من الماء، فنسمعهم يقسمون بأنهم لم يفعلوا ذلك، يفتحون أفواههم وكأن المياه ما زالت داخلها ليثبتوا براءتهم من الاتهام!  كانت رحلة العودة هي الأكثر قسوة، لأننا كنا نعود على مهلٍ، ولا نسأل حاملي الساعات عن الأوقات، كنتُ أمارسُ طقس التسكع بين الحقول المزروعة بنبات البرسيم في طريق عودتي اعتدتُ قطفَ نبات (السريس) أو الهندباء العاشقة لنبات البرسيم، كان أوراق الهندباء الخضراء رشوتي لوالدي ليكفَّ مؤقتا عن نقده القاسي لي، كان والدي يقضم السريس مع الطعام بشراهة! كان معتادا أن يوجه لي نقده الدائم، ليس لإهمالي في دراستي، ولكنه كان يعترض على أصدقائي، وعلى تأخري في العودة، واتساخ ملابسي، أو ثقبها من الأسيجة، على الرغم من أن كلَّ ملابسي معادٌ تفصيلُها من ملابس البالات المستعملة التي توزعها وكالة الأونروا على اللاجئين، وليست من القماش الجديد!  كنتُ عندما اًصل بيتنا المجاور لشاطئ البحر، أنزع ملابسي، وأرتدي لباسا داخليا مفصلا بإبرة والدتي من بقايا أكياس دقيق القمح البيضاء، أحمل سلة بوصٍ مُخرمةٍ أُكوِّمُ فيها زلفَ البحر المهشم على الشاطئ، (الزفزف) كان هذا الخليط الجيري البحري بديلا عن حصمة البناء، أجمعُ كومة منها تُباع لصانعي قوالب الإسمنت، كنتُ أمضي ساعاتٍ في جمع كومة صغيرة، يشتريها البناؤون بقرشٍ واحد، يكفي لشراء بعض حبيبات (الدروبس) وهي حلوى مكورة فيها طعم الورد والنعنع! أو قطعة صغيرة من النمورة.  كان لأختَيَّ الصغيرتين واجبٌ يوميٌ آخر، ملءُ جرار المياه الفخارية الثلاثة وزير المياه، وهي كل ما نملكه من الماء، كانتا تحملان الجرة فوق الرأس من مضخة المياه الوحيدة البعيدة، فما أن تفرغا من هذه المهمة حتى تنطلقا لجمع (الزفتة) وهي فتات وبقايا قطع القطران السوداء المجمدة على شاطئ البحر الرملي، وهي بقايا من محركات ديزل السفن البحرية، هذه القطرات كانت تستخدم في إشعال النار في بيتنا لتسخين مياه غسيل الملابس، والاغتسال!  عندما نشعر باقتراب المغرب كنا نجتمع بالقرب من باب المسجد الوحيد، ننتظر بشغف صعود إمام المسجد على الدرج الصغير المجاور لبوابة المسجد ليؤذن معتمدا على صوته، لعدم وجود مكبرات صوت، كان الإمامُ معتادا أن ينظر في ساعته المربوطة بسلسال طويل في جيبه العلوي كلَّ دقيقة، وعندما يضع يديه على أذنيه، كنا نصرخ بفرح ونحن نجري: أفطروا يا صائمين، حتى يسمعنا مَن لا يصلهم صوتُ آذانِ إمام المسجد.  صحون موائد إفطارنا مصفوفةٌ على الأرض، في الأواني الفخارية، يتوسط المائدة صحن السلطة الكبير، تُقسَّم وجبة الطبيخ الوحيدة في ثلاث (زبديات) فخارية لتتمكن الأيدي من الوصول إليها، بالإضافة إلى الخبز اليدوي، وفي نهاية الطعام نشرب الشاي المحلى، وقد تنتهي الوجبة بشريحة أو أكثر من البطيخ إن وُجد!  هكذا كان شهرُ رمضان لا يختلف عن بقية الشهور، كنا نعمل بالضبط كما كنا نعمل في الأشهر الأخرى، ولم نفكر في أن نحول فريضة الاقتصاد في هذا الشهر إلى شهر بَطرٍ وإسراف، أو نهرب بالنوم في النهار هروبا من الإحساس بالجوع! توفيق أبو شومر - فلسطين من المنفرات الأوسع انتشارا في مواقع التواصل أن يلتصق كثيرون من طالبي المنافع والمكاسب بما ينشره قادةُ الأحزاب السياسيون، يعظمونهم، ويُجرعونهم معلباتٍ من الغرور والانتشاء، معتبرين أقوالهم حِكما خالدة لا تجري إلا على ألسنة الفلاسفة والبُلغاء، وما إن تنتهي منافعهم وييأسوا حتى تصبح أقوالُ هؤلاء الزعماء أبرزَ تفاهات العصر، لا تصلح إلا لسلات المهملات!  ومن المكروهات واسعة الانتشار أن يتخصص سياسيون وزعماء بارزون ممن فقدوا قدرتهم على التأثير الفكري والثقافي، وخشوا زوال هالاتهم السياسية والاجتماعية إنْ صمتوا، لذا فإنهم يحصرون أنشطتهم كلها في فن تصوير وجوههم مقبلين ومدبرين، متكئين وواقفين، مُكرّمِينَ ومُكرَّمين، مهنئين ومُعزين عدة مرات في اليوم الواحد، وهم يلبسون أطقم سهرات النوادي الليلية، أو يتدرعون بأثواب شيوخ القبائل والعشائر، ولا يقدمون مع صورهم أي طبق ثقافي أو توعوي!  ولعلَّ أكثر المنفرات شهرة تلك الصور الملتقطة في أماكن العبادات الدينية، لكي يثبت صاحب الصورة لجيرانه وأقاربه ومعارفه إخلاصه وعمق إيمانه، بحضوره الجسدي في أماكن العبادة، وهو يعتقد أن توثيق إيمان الجوارح الظاهري بهاتف الألفية الرقمية أولى من الإيمان المكنون في القلب!  من المكروهات أيضا خاطفو وناسجو الأدعية والمقتبسات والحِكم، وإلصاقها بأسمائهم، واعتبارها دليلا لا يقبل الشك على الورع وعمق الإيمان، والأسوأ أنهم ينتحلون القدرة الإلهية، يُنذرون مخالفيهم بالتخليد في جهنم وبئس المصير، وهم يَعِدون ناشري أدعيتهم بجنة الرضوان في الدار الآخرة!  ومن أكثر المنفرات شهرة تيجان لوحات التكريم الإلكترونية البرَّاقة الممنوحة بالمجان من جهاتٍ لها مسميات فخيمة، وهي في الغالب مكاتب دعاية وإعلان، يتولى إدارتها فردٌ واحد يملك جهاز كمبيوتر، وكفاءة في تصميم تلك الشهادات!  ومن الصور الأكثر نفورا تلك التي تُصور وجبات الطعام، والمشروبات والمأكولات التي تستحلب شهوات الفقراء والمعدمين، كل تلك الصور تجلب البغضَ والكره لصاحب الصور، حتى وإن حظيت بمجاملات المعارف والأقارب!  هناك منفِّرات أخرى عند بعض المنسوبين للشعر والرواية والكتابة، ممن ظنوا أنهم صاروا رموزا مشهورين بعد أن نشروا أوراقا مطبوعة خالية من بروتينات الثقافة والدسم العقلي، أوراقا مملوءة بكلسترول الكلمات المتقاطعة، وأحاجي المعاني المستغلقة، والتهويمات السريالية، هؤلاء انتشوا بكتبهم التي طبعها ناشرون مصابون بفقد حاسة الشم والذوق الفنية والأدبية من تجار الأغلفة البرَّاقة!  هؤلاء (الأدباء) لم يقنعوا بنشوة صورهم المطبوعة على أغلفة الكتب، بل صاروا يطالبون شعوب العالم باغتنام آخر فرصة لاقتناء دُرر إبداعاتهم، ينصحونهم أن بكدوا بحثا في الأرض عن كتابهم المنشور، قبل أن تنفد آخر نسخة من السوق، وتضيع عليهم فرصة العمر، وكأن كتبهم المنشورة هي المنقذ الوحيد من ضلال الجهالة، وهي الطريق الأصوب لدخول عالم الثقافة والوعي!  أخيرا فإن أخطر المنفرات الانتقامية تظهر فيمن ظنوا واهمين أنهم يملكون القرار في إدارة صفحاتهم الرقمية، فاستخدموا التهديدات بأسلحة الرقميات الفتَّاكة لكل من يخالفهم في الرأي، مثل التهديد بفرض عقوبة المنع (بلوك) على المخالفين في الرأي، ثم فرض عقوبة الطرد من جنة نعيم الصفحة بإلغاء صداقتهم، وأخيرا فإنهم ينصبون لهم المشنقة لتنفيذ عقوبة الإعدام الفورية، وذلك بإرسال شكوى لإمبراطور الفيس بوك تفيد أنَّ تعليقات هؤلاء المخالفين تنتهك المعايير القانونية، لكي تُنفَّذ في صاحب البوست المكروه عقوبة إغلاق صفحته الرقمية، وهي الإعدام بسلاح الإسكات الرقمي!  للأسف فإن إشعال الفتن والحروب والمدح، والفخر الزائف، وتوليد الأحقاد، والنقد التشويهي، والاتهام والتخوين بلا قوانين، هي أشهر بضائع سوق الألفية الرقمية، أما الغائب الرئيس في هذه السوق هو التوجيه والإرشاد، والتثقيف والتوعية، واستحداث مصانع تحويل الطاقات البشرية إلى إبداعات عقلية! توفيق أبو شومر - فلسطين من المنفرات الأوسع انتشارا في مواقع التواصل أن يلتصق كثيرون من طالبي المنافع والمكاسب بما ينشره قادةُ الأحزاب السياسيون، يعظمونهم، ويُجرعونهم معلباتٍ من الغرور والانتشاء، معتبرين أقوالهم حِكما خالدة لا تجري إلا على ألسنة الفلاسفة والبُلغاء، وما إن تنتهي منافعهم وييأسوا حتى تصبح أقوالُ هؤلاء الزعماء أبرزَ تفاهات العصر، لا تصلح إلا لسلات المهملات!  ومن المكروهات واسعة الانتشار أن يتخصص سياسيون وزعماء بارزون ممن فقدوا قدرتهم على التأثير الفكري والثقافي، وخشوا زوال هالاتهم السياسية والاجتماعية إنْ صمتوا، لذا فإنهم يحصرون أنشطتهم كلها في فن تصوير وجوههم مقبلين ومدبرين، متكئين وواقفين، مُكرّمِينَ ومُكرَّمين، مهنئين ومُعزين عدة مرات في اليوم الواحد، وهم يلبسون أطقم سهرات النوادي الليلية، أو يتدرعون بأثواب شيوخ القبائل والعشائر، ولا يقدمون مع صورهم أي طبق ثقافي أو توعوي!  ولعلَّ أكثر المنفرات شهرة تلك الصور الملتقطة في أماكن العبادات الدينية، لكي يثبت صاحب الصورة لجيرانه وأقاربه ومعارفه إخلاصه وعمق إيمانه، بحضوره الجسدي في أماكن العبادة، وهو يعتقد أن توثيق إيمان الجوارح الظاهري بهاتف الألفية الرقمية أولى من الإيمان المكنون في القلب!  من المكروهات أيضا خاطفو وناسجو الأدعية والمقتبسات والحِكم، وإلصاقها بأسمائهم، واعتبارها دليلا لا يقبل الشك على الورع وعمق الإيمان، والأسوأ أنهم ينتحلون القدرة الإلهية، يُنذرون مخالفيهم بالتخليد في جهنم وبئس المصير، وهم يَعِدون ناشري أدعيتهم بجنة الرضوان في الدار الآخرة!  ومن أكثر المنفرات شهرة تيجان لوحات التكريم الإلكترونية البرَّاقة الممنوحة بالمجان من جهاتٍ لها مسميات فخيمة، وهي في الغالب مكاتب دعاية وإعلان، يتولى إدارتها فردٌ واحد يملك جهاز كمبيوتر، وكفاءة في تصميم تلك الشهادات!  ومن الصور الأكثر نفورا تلك التي تُصور وجبات الطعام، والمشروبات والمأكولات التي تستحلب شهوات الفقراء والمعدمين، كل تلك الصور تجلب البغضَ والكره لصاحب الصور، حتى وإن حظيت بمجاملات المعارف والأقارب!  هناك منفِّرات أخرى عند بعض المنسوبين للشعر والرواية والكتابة، ممن ظنوا أنهم صاروا رموزا مشهورين بعد أن نشروا أوراقا مطبوعة خالية من بروتينات الثقافة والدسم العقلي، أوراقا مملوءة بكلسترول الكلمات المتقاطعة، وأحاجي المعاني المستغلقة، والتهويمات السريالية، هؤلاء انتشوا بكتبهم التي طبعها ناشرون مصابون بفقد حاسة الشم والذوق الفنية والأدبية من تجار الأغلفة البرَّاقة!  هؤلاء (الأدباء) لم يقنعوا بنشوة صورهم المطبوعة على أغلفة الكتب، بل صاروا يطالبون شعوب العالم باغتنام آخر فرصة لاقتناء دُرر إبداعاتهم، ينصحونهم أن بكدوا بحثا في الأرض عن كتابهم المنشور، قبل أن تنفد آخر نسخة من السوق، وتضيع عليهم فرصة العمر، وكأن كتبهم المنشورة هي المنقذ الوحيد من ضلال الجهالة، وهي الطريق الأصوب لدخول عالم الثقافة والوعي!  أخيرا فإن أخطر المنفرات الانتقامية تظهر فيمن ظنوا واهمين أنهم يملكون القرار في إدارة صفحاتهم الرقمية، فاستخدموا التهديدات بأسلحة الرقميات الفتَّاكة لكل من يخالفهم في الرأي، مثل التهديد بفرض عقوبة المنع (بلوك) على المخالفين في الرأي، ثم فرض عقوبة الطرد من جنة نعيم الصفحة بإلغاء صداقتهم، وأخيرا فإنهم ينصبون لهم المشنقة لتنفيذ عقوبة الإعدام الفورية، وذلك بإرسال شكوى لإمبراطور الفيس بوك تفيد أنَّ تعليقات هؤلاء المخالفين تنتهك المعايير القانونية، لكي تُنفَّذ في صاحب البوست المكروه عقوبة إغلاق صفحته الرقمية، وهي الإعدام بسلاح الإسكات الرقمي!  للأسف فإن إشعال الفتن والحروب والمدح، والفخر الزائف، وتوليد الأحقاد، والنقد التشويهي، والاتهام والتخوين بلا قوانين، هي أشهر بضائع سوق الألفية الرقمية، أما الغائب الرئيس في هذه السوق هو التوجيه والإرشاد، والتثقيف والتوعية، واستحداث مصانع تحويل الطاقات البشرية إلى إبداعات عقلية!   لا أحد يمكنه أن يُصدق ما يحدث عند أهلنا المناضلين الصامدين في أرضهم منذ عالم 1948! لا أحد يُصدق أنهم اليوم يعيشون تحت رحمة عصابات الإجرام المنظمة، وهي تعمل في وضح النهار، أمام عدسات الكاميرات، تقتل وتبتز لهدفٍ واحد هو تحويل حياة أهلنا الصامدين في أرضهم إلى جحيم، وترحيلهم ترحيلا زاحفا! لا أحد يُصدق أن إسرائيل ذات الذراع الاستخباري فائق القدرة لا تستطيع تفكيك هذه العصابات! هذه الجرائم ليس كما يُشاع جرائم فردية، ينفذها مجرمون من أهلنا الصامدين، أو هي ثاراتٍ عائلية وقبلية كما يسميها المحتلون الغاصبون، بل هي خطة استخبارية احتلالية محكمة، فاعلوها يحظون بالرعاية والحماية، لأنهم ينفذون مخططا تهجيريا يختلف عن مخططات التهجير التي برع فيها المحتلون، ففي غزة يتم التهجير بالحرب والحصار والتدمير، وفي الضفة بالمداهمات والقتل المنظم كل يوم، وفي القدس بالضرائب والحواجز! من يتابع نشرات الأخبار في وسائل الإعلام الإسرائيلية يستغرب لأن معظم وسائل الإعلام تبدأ كل صباح في خبرها الأول بحادثة قتل لأهلنا الأبرياء، هم يّذكروننا أيضا في الخبر نفسه بآخر إحصاءات عدد القتلى، وهذه تقنية إعلامية استخبارية مهمة جدا لإثارة الفتنة المجتمعية والنفسية، تجعل أهلنا يعيشون على أعصابهم حتى يختاروا الرحيل! نشرتْ معظم صحف إسرائيل خبرا عن حادثة قتل أحد الشبان البدو في مغتصبة أوفاكيم يوم 10-6-2023م وجعلته هو الضحية رقم مئة لحوادث الإجرام والقتل بين أهلنا الصامدين في أرضهم منذ خمسة شهور، كنتُ أظن أن قاتليه هم عصابة إجرام منسوبة للفلسطينيين على خلفية الثأر والانتقام! غير أنني بحثتُ عن سبب القتل المنشور في الصحف، فوجدت أن المقتول حاول سرقة معدات من أحد المستودعات، مما دفع الحراس غير الفلسطينيين أن يقتلوه، فهو لم يُقتل على يد عصابات الإجرام في القرى الفلسطينية، ولكنهم أدخلوه ضمن الإحصائية لإثارة الفتنة والشقاق! وفي وسائل الإعلام نفسها تختفي حوادث القتل في المجتمع الإسرائيلي ليس بسبب عدم حدوثها، بل لأن إخفاءها ضروري للمقارنة بين المجتمعين! لقد بلغ العجزُ ذروتَه عند كثيرين من أهلنا الصامدين فاستجاروا حتى بمشعلي الفتن حتى أن بعض المصابين بالقهر والإحباط استجاروا بالمجرم ببن غفير! نسي كثيرون تحت وقع الصدمات أن عقيدة إيتمار بن غفير الدينية الراسخة هي ترحيل كل الفلسطينيين، وهو اليوم المسؤول الأول عن الأمن القومي وعن جهاز الشاباك الاستخباري! كيف أصبح بن غفير قاربَ النجاة من جرائم القتل؟! تذكرتُ منذ بضعة أيام عندما قُتل خمسةُ شبان في لحظةٍ واحدة في وسط مدينة يافة الناصرة أن بن غفير حضر في طائرة بصحبة عدد من الجنود ممن تفقدوا المكان، وكانوا يبتسمون ويمزحون وهم يعاينون الجثث! تذكرت أيضا المحادثة الهاتفية السرية بين بن غفير، ورئيس شرطته كوبي شبتاي في شهر نيسان إبريل 2023م عندما قال شبتاي لبن غفير: "هم يقتلون بعضهم، هذه طبيعة العرب، لا يمكن فعل أي شيء"! أما نتنياهو مايسترو بن غفير وسموترتش غدا الملجأ الأخير للمعذبين الفلسطينيين هو بدوره قرر أن يشكل اللجان (لوقف) عمليات القتل المنظم في مجتمعنا الفلسطيني الصامد، نسي كثيرون استفادة نتنياهو من حوادث جرائم القتل لإزاحة القائمة المشتركة وتفكيكها، بعد أن أصبح المنتخبون يعتقدون أن القائمة المشتركة فشلت في حمايتهم، لهذا فإنهم أحجموا عن منحها أصواتهم، على الرغم من أن القائمة المشتركة نفسها منكوبة بالنكبة نفسها! أخيرا، هل نجح المحتلون في جعلنا (نطوي) صفحة حقنا الوطني المشروع في تأسيس دولتنا الفلسطينية، فأشغلونا بمعاركنا الإعلامية بين الفلسطيني والفلسطيني في غزة والضفة والشتات، ليصبح همُّنا الرئيس هو (تخفيف) الحصار، و(تجميد) الاستيطان، و(الحد) من جرائم القتل اليومية بين أهلنا الصامدين في أرضهم منذ عام 1948، ليتحقق هدفُ المحتلين الرئيس وهو؛ (أن يصبح المحتلون أقربَ إلينا من أهلنا وعشيرتنا، وأيضا، يصبحون في طرفة عين منقذينا؟! توفيق أبو شومر - فلسطين القصة الأولى هي تجربة علمية في علم النفس أجراها، البرفسور وعالِم النفس، مارتن سليغمان الباحث والمحاضر في جامعة بنسلفانيا، ورئيس الرابطة الأمريكية في علم النفس، عمره 81 سنة، وهو من أبرز علماء علم النفس الإيجابي، وهو ثورة على علم النفس التقليدي. "أحضر البرفسور مجموعة من الكلاب، وقسمها إلى ثلاث مجموعات؛ المجموعة الأولى تعرضتْ لصدمات بتيار كهربي فترة قصيرة، ولكنها تمكنت من الهروب، هذه المجموعة عادت إلى حياتها الطبيعية بلا أمراض! أما المجموعة الثانية فقد وُضعت في قفص، يمكن فتحُه بحركة سهلة، تعرضت فيه هذه المجموعة أيضا للصدمات الكهربية نفسها، بقيت في القفص مدة أطول لكنها تمكَّنت من الخروج، ظهرت على هذه المجموعة علامات الاستسلام والخضوع، واحتاجت إلى علاجٍ حتى شُفيت! أما المجموعة الثالثة بقيت مدة طويلة في قفصٍ مغلق تماما، وليس هناك أية وسيلة لفتح القفص، تعرضت هذه المجموعة للصدمات نفسها، فظهرت عليها علامات الاستسلام التام بوضوح، اعتادت هذه المجموعة احتمال الصدمات الكهربية بدون أن يبدو عليها علامات مقاومة، استسلمت وتأقلمت مع واقعها الجديد، ولم تحاول الخروج من القفص! لم تنتهِ التجربة، بل قام البرفسور نفسُهُ بنقل المجموعة الثالثة المستسلمة إلى قفص المجموعة الثانية، حيث توجد إمكانية فتح القفص بحركات بسيطة والتحرر من الألم، لم تحاول فتح باب الحرية والانعتاق! استنتج البرفسور أن السجناء السياسيين في العالم حين يُغلقون عليهم السجون ويتعرضون للتعذيب كما تعرضت له المجموعة الثالثة، فإن النتيجة هي وصول كثيرٍ من السجناء إلى حالة الخضوع، وبرزت عند بعضهم الرغبة في الانتحار، وفضَّل كثيرٌ من السجناء السياسيين أن يتعاون مع سجانيه ويصبح جاسوسا والأهم من ذلك؛ أنَّ كثيرين من السجناء السياسيين نقلوا صراعهم مع سجانيهم إلى صراع مع بعضهم داخل السجن، وأصبح رفاقُهم في السجن أكثر عداوة لهم من سجَّانيهم، وانقسموا إلى مجموعات وفرق متصارعة! أما القصة الثانية فهي قصة مشهورة أيضا، وهي قصة (الفلاح وكيس الفئران) وهي تحكي قصة فلاحٍ مصري بسيط كان يحمل كيسا من الخيش مملوءا بالفئران الحية وهو مسافرٌ في أحد قطارات الريف إلى القاهرة، وكان يجلس إلى جوار هذا الفلاح أحدُ المهندسين، لاحظ المهندس أن الفلاحُ يهزَّ الكيس بين الفينة والأخرى، سأل المهندسُ الفلاحَ عن محتويات كيس الخيش، قال الفلاح: "في الكيس عدد كبير من الفئران، اصطدتها لأبيعها لمركز الدراسات والأبحاث في القاهرة ليُجروا عليها التجارب العلمية، وهذا مصدر رزقي"! سأل المهندس الفلاح مرة أخرى: ولكن لماذا تهزُّ الكيس بين الفينة والأخرى؟ رد الفلاح: "أنا أهزُّ الكيس حتى لا تتمكن الفئران من قرض الكيس المصنوع من الخيش لتحرر نفسها، فأنا أهزها باستمرار لتنشغل بمعاركها الداخلية بين بعضها البعض، لأن الفئران تعتقد أن حركة هزِّ الكيس ناتجةٌ عن مشاغبة وعبث بعض الفئران داخل الكيس، لذلك فهي تقتتل مع بعضها البعض، وتنشغل بحروبها الداخلية، وتنسى استخدام أسنانها الحادة لقرض كيش الخيش، هكذا استثمر مسيرو عصر العولمة والتكنلوجيا الرقمية هذه التجارب العلمية، وظفوها لخدمة أهدافهم، فهم يهزون البشر المأسورين في شباكهم بالمشكلات الداخلية حتى لا ينافسوهم في ركوب قطار التقدم والرقي، ليظلوا رقيقا لأباطرة الألفية الثالثة، وهم يصعقونهم صعقاتٍ كهربية تنسيهم قضاياهم الرئيسة ومطالبهم المشروعة، يصعقونهم بأزمات، الكهرباء، والماء، وغلاء الدقيق والسكر، ومصارعات الأحزاب، وبحرارة الجو وبرودته، والإضرابات، والمباريات، وصراع الديكة في وسائل التواصل الرقمية! هكذا أصبح إنسانُ عالم اليوم حقلَ تجاربٍ لكل أنواع المستحضرات ومنتجات عصر العولمة الجديد، فاستسلم معظمُ البشر ممن عجزوا عن المنافسة النهضوية التكنلوجية فائقة السرعة، وخضعوا بلا جيوش أو حروب! ردإعادة توجيه

توفيق أبو شومر - فلسطين

القصة الأولى هي تجربة علمية في علم النفس أجراها، البرفسور وعالِم النفس، مارتن سليغمان الباحث والمحاضر في جامعة بنسلفانيا، ورئيس الرابطة الأمريكية في علم النفس، عمره 81 سنة، وهو من أبرز علماء علم النفس الإيجابي، وهو ثورة على علم النفس التقليدي.
"أحضر البرفسور مجموعة من الكلاب، وقسمها إلى ثلاث مجموعات؛ المجموعة الأولى تعرضتْ لصدمات بتيار كهربي فترة قصيرة، ولكنها تمكنت من الهروب، هذه المجموعة عادت إلى حياتها الطبيعية بلا أمراض!
أما المجموعة الثانية فقد وُضعت في قفص، يمكن فتحُه بحركة سهلة، تعرضت فيه هذه المجموعة أيضا للصدمات الكهربية نفسها، بقيت في القفص مدة أطول لكنها تمكَّنت من الخروج، ظهرت على هذه المجموعة علامات الاستسلام والخضوع، واحتاجت إلى علاجٍ حتى شُفيت!
أما المجموعة الثالثة بقيت مدة طويلة في قفصٍ مغلق تماما، وليس هناك أية وسيلة لفتح القفص، تعرضت هذه المجموعة للصدمات نفسها، فظهرت عليها علامات الاستسلام التام بوضوح، اعتادت هذه المجموعة احتمال الصدمات الكهربية بدون أن يبدو عليها علامات مقاومة، استسلمت وتأقلمت مع واقعها الجديد، ولم تحاول الخروج من القفص!
لم تنتهِ التجربة، بل قام البرفسور نفسُهُ بنقل المجموعة الثالثة المستسلمة إلى قفص المجموعة الثانية، حيث توجد إمكانية فتح القفص بحركات بسيطة والتحرر من الألم، لم تحاول فتح باب الحرية والانعتاق!
استنتج البرفسور أن السجناء السياسيين في العالم حين يُغلقون عليهم السجون ويتعرضون للتعذيب كما تعرضت له المجموعة الثالثة، فإن النتيجة هي وصول كثيرٍ من السجناء إلى حالة الخضوع، وبرزت عند بعضهم الرغبة في الانتحار، وفضَّل كثيرٌ من السجناء السياسيين أن يتعاون مع سجانيه ويصبح جاسوسا والأهم من ذلك؛ أنَّ كثيرين من السجناء السياسيين نقلوا صراعهم مع سجانيهم إلى صراع مع بعضهم داخل السجن، وأصبح رفاقُهم في السجن أكثر عداوة لهم من سجَّانيهم، وانقسموا إلى مجموعات وفرق متصارعة!
أما القصة الثانية فهي قصة مشهورة أيضا، وهي قصة (الفلاح وكيس الفئران) وهي تحكي قصة فلاحٍ مصري بسيط كان يحمل كيسا من الخيش مملوءا بالفئران الحية وهو مسافرٌ في أحد قطارات الريف إلى القاهرة، وكان يجلس إلى جوار هذا الفلاح أحدُ المهندسين، لاحظ المهندس أن الفلاحُ يهزَّ الكيس بين الفينة والأخرى، سأل المهندسُ الفلاحَ عن محتويات كيس الخيش، قال الفلاح: "في الكيس عدد كبير من الفئران، اصطدتها لأبيعها لمركز الدراسات والأبحاث في القاهرة ليُجروا عليها التجارب العلمية، وهذا مصدر رزقي"!
سأل المهندس الفلاح مرة أخرى: ولكن لماذا تهزُّ الكيس بين الفينة والأخرى؟
رد الفلاح: "أنا أهزُّ الكيس حتى لا تتمكن الفئران من قرض الكيس المصنوع من الخيش لتحرر نفسها، فأنا أهزها باستمرار لتنشغل بمعاركها الداخلية بين بعضها البعض، لأن الفئران تعتقد أن حركة هزِّ الكيس ناتجةٌ عن مشاغبة وعبث بعض الفئران داخل الكيس، لذلك فهي تقتتل مع بعضها البعض، وتنشغل بحروبها الداخلية، وتنسى استخدام أسنانها الحادة لقرض كيش الخيش،
هكذا استثمر مسيرو عصر العولمة والتكنلوجيا الرقمية هذه التجارب العلمية، وظفوها لخدمة أهدافهم، فهم يهزون البشر المأسورين في شباكهم بالمشكلات الداخلية حتى لا ينافسوهم في ركوب قطار التقدم والرقي، ليظلوا رقيقا لأباطرة الألفية الثالثة، وهم يصعقونهم صعقاتٍ كهربية تنسيهم قضاياهم الرئيسة ومطالبهم المشروعة، يصعقونهم بأزمات، الكهرباء، والماء، وغلاء الدقيق والسكر، ومصارعات الأحزاب، وبحرارة الجو وبرودته، والإضرابات، والمباريات، وصراع الديكة في وسائل التواصل الرقمية!
هكذا أصبح إنسانُ عالم اليوم حقلَ تجاربٍ لكل أنواع المستحضرات ومنتجات عصر العولمة الجديد، فاستسلم معظمُ البشر ممن عجزوا عن المنافسة النهضوية التكنلوجية فائقة السرعة، وخضعوا بلا جيوش أو حروب!
ردإعادة توجيه
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-