الإسلاميون والعقل الطفولي

الباحث : رضوان بوسنينة - المغرب ونحن ننسج املا جديدا بعد صدمة الإصرار على الشهوة الأبدية الممزوجة بطفولية غارقة في الاحلام، لابد ان نضع بعض الخيوط الرفيعة التي تعيد تصحيح المسار، ان اردنا ان نتصالح مع الذات الواعية في زمن قل فيه الوعي وكثر السكار ،وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وحتى لوتاب سياسيا من جرم الفتك الحجاجي لضحاياه فانه يبقى على باب التوبة السياسية ينتظر السند والمدد والاشارة الصوفية من الشيخ الممدد على كرسي الزعامة . هول الصدمة على إسلامي الشهوة السياسية يجعلنا نفكر أكثر من الاقتراب من هوسها، انها لأمانة يا أباذر وانت ضعيف وإنها لخزي وندامة.  وليس العيب ان نعيد قرع طبول توقف قرعها مثل القضايا الخلافية والقضايا الإنسانية كفلسطين وقضية المرأة والاسرة، وهل تريدنا ان نتوقف؟ . هذه هي الحياة نرجع من ما بدأنا ونرتب البيوت والمجالس ونمضي ونعفو على بعضنا ونتصالح فيما بيننا فنحن لسنا ملائكة ولكننا كلفنا محمل أكبر من حملنا فكانت النتيجة وكانت الصدمة.  المنظومة الأخلاقية: الإنسان إنسان طبيعى، جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة ليس له أي صفات متجاوزة للطبيعة، والإسلامي هو انسان في أصله لكنه يخالف ذاتيته لان الذي يتحكم فيها هي مجموعة من الاخلاق والقيم التي تم تحميلها بشكل تسلسلي. مكتف بذاته تماما، وهو ليس فى حاجة إلى أى قيم عليا وقد ولا يستمد أي شيء من عالم متجاوز لعالم الطبيعة/ المادة، وهو إنسان ليس له عقل مسبق a priori وليس له روح خالدة ثابتة مفارقة لجسده الفانى الذى يوجد فى حالة صيرورة، ولكن مع هذا تظهر منظومات أخلاقية، هذه المنظومات الأخلاقية لا تختلف البتة عن المنظومات المعرفية، فالأخلاق تذوب فى رمال النسبية المتحركة التى تبتلع كل شىء،ولان طبيعة الإسلاميين انهم يستخدمون الأخلاق لتبرير أفعالهم، فالأصل هو الفعل، وما الأخلاق سوى التبرير والتسويغ،وقد عاينا نماذج من الشروذ الأخلاقي التي تدل على ازمة عاشها الإسلاميون بسبب ازمة قيم من جهة وغياب بوصلة التوجيه التربوي ، فالقيم إن هى إلا جزء من العملية الإبداعية للإنسان وحركيته (الحق أن الناس قد أعطوا أنفسهم كل خيرهم وشرهم، والحق أنهم لم يتلقوه ولم يجدوه). ومن ثم، فإن بوسع الإنسان أن يضفى أى معنى يشاء على الكون بأى طريقة يراها، فالمعنى مرتبط بالهدف والهدف مرتبط بالنتيجة وبالفعل: سلسلة عضوية متلاحقة لا يفصل بين حلقاتها فاصل، والأخلاق هي معايير صنعها الإنسان لهدف معين، وفى وسعه أن يبدلها إن شاء وأن يضع لنفسه هدفا آخر، فالأخلاق مرتبطة بالنتيجة وبالفعل، أى أنها هى الأخرى حلقة فى السلسلة المتلاحقة المتجاوزة للمادة، لأنه تمييز يفترض وجود قيم ثابتة خارج الإنسان يمكن للإنسان أن يحتكم إليها، وهو تمييز يعود إلى تلك الأخلاقيات الدينية التى أزاحت القيم الطبيعية باعتبارها مصدرا حقيقيا للمطلقية والأساس الراسخ لكل أخلاق، أى أن يعود بالقيم إلى أصلها الطبيعى المادى، فيرفض أى ثبات أو مطلقية وأى وجود للعالم الخارجى. لقد تعرت الحركة الإسلامية قيميا بعد سنوات عجاف من الحرث المؤسساتي الممزوج بزراعات لمناهج لاصلة لها بالانتماء ولكنها السياسة الممزوجة بمكيافيلية مقيتة ، تركت ضحايا كثر واكبهم ذاك المواطن الذي كان يتوسم الخير الكثير .  – السادة والعبيد: فحينما يتحول المناضل السياسي الى عبد سياسي ، فبئس الاختيار وبئس القرار وبئس الإصرار ،فعن أي انتماء وعن أي نضال نناضل عليه واليه . لقد كانت الى وقت قريب تحارب تيارات بعينها ظانة انها تؤسس مستقبل إسلامي واعد وهيي غارقة في فجور سياسي كبير ولد ماولد من المصائب والاهوال ولن ننسى ماجرى حينما بدأت عوامل السياسة والمزاحمة مع الخصوم في اخراج المصائب والكوراث الشاطئية والمكتبية والخلوات المسكونة بهوس من الشيطنة والفجور .  ساميل الى مال اليه نيتشه في رؤيته لأصل الحضارة والأخلاق، فيبين أن الحضارات الكبرى قد نشأت حينما ظهرت طائفة من الأرستقراطيين الممتازين – على شكل حيوانات مفترسة شقراء (وحش نيتشه الأشقر الشهير)- كانت تجوب الأرض فى آسيا وأوربا وجزر المحيط الهادى وتُغِير على كل الأراضى التى تمر بها، وعلى هذا النحو الصراعى الداروينى الحيوانى الرائع البسيط نشأت الحضارة اليونانية والرومانية والجرمانية، وعلى هذا النحو استمرت هذه الحضارات، إذ إنه كلما مرت هذه الطائفة المفترسة الشقر (المرتبطة بالطبيعة الملتصقة بها) على شعب من الشعوب أخضعته وفرضت عليه سلطانها، واحتقرته وباعدت بينها وبينه من مسافات، مكونة طبقة خاصة متمايزة، وأخذت لنفسها شرعة من القيم والأخلاق تؤكد بها سيادتها واستمرار سطوتها وسيطرتها، وتضمن هذه الطبقة لنفسها الاستمرارية والشرعية والسطوة بالحفاظ على قوتها الجسمية والصحية فهى تعنى بكل ما يتصل بالقوة والغزو والحرب والمخاطرة والصيد والرقص والألعاب البدنية، وعلى العموم كل ما يكشف من حيوية فياضة، وهذه الطائفة هى الأقلية دائما، فإنها تعمل جهدها كى تحافظ على صفاتها وتظل نقية لا يتطرق إليها الانحلال ، أى أنه ككيان معنوي ملتف حول ذاته، نصَّب نفسه مرجعية ذاته،  انطلاقا من هذا التصور يُقسم البشر إلى أقوياء وضعفاء، يحوى كلٌ داخله معايير الحكم عليه، ومن ثم يوجد نوعان من الأخلاق: أخلاق السادة الأقوياء التى يبررون بها أفعالهم المباشرة، وقيم العبيد الضعفاء التى يحاولون هم أيضا عن طريقها تغطية عجزهم وتحقيق البقاء. والسادة قادرون على الفعل المباشر، يتسمون بالقوة والاعتزاز بها، كما يتسمون بغريزة السيطرة وحب الغزو والمخاطرة، يحتقرون الرحمة، ويجدون النعيم فى الانتصار والتدمير ويشعرون بسرور عميق وهم يعذبون الآخر: كل سيد عالم قائم بذاته، فهو مرجعية ذاته، إنسان طبيعى متأله خالق نفسه، عالم عضوى لا تتخلله مسافات ولا يتسم بعدم الانقطاع، كالمادة الصماء أو مثل قوى الطبيعة: كالعاصفة التى تهب وتقف شامخة وراء الخير والشر. فهو قوة محايدة لا تشعر بشىء (تخلَّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة .. تلك المشاعر التى تطغى على حياة الإنسان الباطنية .. أقهر الضعفاء وأصعد فوق جثثهم”). وهو حتى أمام العدم لا يشعر بالتشاؤم، فالتشاؤم يعنى توقع المعنى وعدم العثور عليه، والإحباط يعنى رغبة فى التجاوز وفشل فى تحقيقه، أما السادة فلا يشعرون بالتشاؤم لأنهم لا يتوقعون شيئا، شأنهم فى هذا شأن العناصر الطبيعية.  وقبل أن نسترسل فى الحديث عن أخلاقيات الضعفاء، يجب أن نتوجه إلى بعض الصفات الحميدة التى ينسبها نيتشه للسادة، فهى تشكل – فى تصور البعض – نوعا من التسامى وإطارا جيدا لظهور منظومة فلسفية حديثة. فالأرستقراطى السيد يشمئز من الضعة وجميع أنواع الاستخذاء، وأبغض شىء لديه الكذب ونحوه من نفاق وملق، وهو لا يعرف أنصاف الحلول والمساومة والمداهنة، ويميل إلى العفو عن الآخرين لا لأنه يحب العطف ولكن لأن قوته غريزة، فتراها تفيض بنفسها على الآخرين (كالطبيعة المتدفقة). ومع هذا فإنه لا يقبل مطلقا العفو من الآخرين لأنه بقوته يأخذ ما له دون أن ينتظر حتى يتفضل به عليه الآخرون، وهو يطلب من نفسه أكثر من الآخرين وهو ينتصر على نفسه وعلى أفعاله ويوجهها.  ولكن هل تمثل هذه الصفات تساميا بالفعل؟ فى تصورنا أنه لا يوجد تسام أو تجاوز لأخلاق الوحوش الشقر المفترسة، فكل صفات الأرستقراطى تزيد من مرجعيته الذاتية الكامنة ومن ثم فلا يوجد أى مقاييس خارجة عنه، بل يظل هو المطلق ذاته ومن ثم لا يمكن محاكمته، كما أن كل شىء فى الأرستقراطى مرتبط بالقوة، فهو حين يعفو فهذا غير ناجم عن حب لأخيه الإنسان أو أى منظومة خلقية متجاوزة له (فمفهوم الأخوة مفهوم غير طبيعى غير مادى) وإنما ناجم عن تدفق غريزى فى القوة أى عن مزيد من الطبيعة والوحشية والإمبريالية، والعطف ليس اختيارا أخلاقيا حرا، وإنما سلوك بيولوجى طبيعى، أى أنه سلوك يتجاوز الخير والشر ولا يتسم بأى تعال أو تسام.  والسادة أقلية والعبيد هم الأغلبية، والعبيد غير قادرين على الفعل المباشر، ويسمون عجزهم هذا “الصبر” أو “الإحسان” أو “الطيبة”، وهم مسالمون متواضعون لا مطمع لهم فى غزو، ولا رغبة لهم فى سيادة، يؤثرون السلامة ويبتعدون عن المخاطر ويسمون حاجتهم إلى الآخرين وعجزهم عن الاعتماد على النفس “رحمة”، فكل عبد فى حاجة إلى الآخرين ولا يكتفى أبدا بذاته، ولإخفاء عجزهم والتعويض عنه، ابتدعوا أخلاقيات الضعفاء هذه، فأخلاقهم إن هى إلا نتيجة الذُّحْل (الحقد – الثأر) : أى الشعور المتكرر بإساءة سابقة لقيها الإنسان ولم يستطع أن يردها أو أن يتشفى ممن قدمها لعجز فيه عن رد الفعل فى الحال، فيتحول الشعور إلى طاقة مكبوتة تعبر عن نفسها من خلال قنوات غير القنوات الأصلية الطبيعية ومقابلة العمل بالمثل، فيلجأ إلى طرق خفية غير مباشرة ولكن تَبنِّى أخلاق الضعفاء قلب الدنيا رأسا على عقب، لأن الأقوياء الذين فى مقدورهم أن يرقوا بالجنس البشرى اضطروا إلى الخضوع للضعفاء والتخلى عن واجبهم نحو تنمية قدراتهم، الأمر الذى أدى إلى توقف الجنس البشرى ككل عن الرقى، وهناك نقط هامة فى تاريخ البشر انتصرت فيها الثقافة العقلية، أى ثقافة الضعفاء من الحاسبين المحاسبين، ففى الحضارة اليونانية قبل سقراط، كانت هذه الحضارة حضارة عدمية متشائمة، ثم جاء سقراط فكان علامة على انحلال الخلق اليونانى، إذ أن قوة الجسد والروح القديمتين أصبحت يُضحى بها شيئا فشيئا من أجل ثقافة عقلية مشكوك فيها، وهى تتضمن انحطاطا شديدا فى قوى البدن والعقل. لقد جاء العلم بدلاً من الفن، والعقل بدلا من الغريزة، وانتصر الروح الأبولونية على الروح الديونيزية التى هى دعوة إلى الاندماج المباشر بالطبيعة التلقائية فى صورتها الأولى قبل أن يشوهها العقل الخالص ويبعث فيها الثبات والجمود، ولعلاج هذا الموقف يقترح نيتشه قلب القيم والمعادلات الأخلاقية والعودة بالأخلاق إلى أصلها الطبيعى الوثنى المادى، وعلى الإنسان أن يرفض الترادف المألوف غير الطبيعى بين الخير والشر والتراحم والرحمة ويطرح بدلا من ذلك الترادف الطبيعى/ المادى بين الخير والقوة والغزو والغرور.  الإنسان الأعلى والمنظومة السياسية: بالغ إسلاميو الغنيمة السياسية من طول أملهم في سباق على المناصب والمراتب وخلقت صراعات ثنائية في الحركة والحزب وأنكرت وجود المركز وأعلنت ظهور عالم فى حالة حركة وسيولة، ولكنها – مع هذا-عينت نقطة ثبات فيه هى إرادة القوة، والتى يجسدها أقلية من السادة الأقوياء، ولكن السادة أنفسهم تبتلعهم السيولة والصيرورة فهم مجرد وسيلة لغاية أعلى، حبل مشدود بين الروحي او الشيخ الحديث الذي تجسده حركة إدارية ارتدت جلباب الدين والعلم وطردت كل العلماء وبتحكم الشيخ السياسي ، المتجسد فى مجموعة من البشر الحرس القديم والمتجدد (الكلمة المطلقة والغاية النهائية). ويذهب الشييخ السياسي الى ابعد من ذلك حينما فرق بين لحمة المنهج والاختيار واتبع طريقا كله اهوال وتنازلات وصلت الى التفويض على المطلق والاقتراب من تقديم الامر الى الامر بعيد كل البعد عن المشورة والرأي الاخر والتنظيم.  ويرى أن سعادة الأفراد وآلامهم وخيرهم وشرهم أمور تافهة يجب عدم الاهتمام بها حينما نتحدث عن الإمل الأعلى ومستقبل التنظيم ، فهدف الوجود الحركي يجب ألا يكون تحقيق السعادة للأفراد وإنما تكثيف كل القوى للصعود فى سلم الارتقاء فى الحياة وتحقيق كل الإمكانات الحيوية، إذ يجب أن يأتى من الإنسان ما يفوق الإنسان، والبشر أجمعهم لم يخلقوا إلا ليكونوا بمثابة السلم له. ولكن يبدو أن طبقة السادة وحدها هى المرشحة أن يولد منها الإنسان الأعلى، ولذا يجب توظيفها هى وحدها فى هذا الشأن، وأهم آلية لتوريد الإنسان الأعلى هى أن تقوم القلة الأرستقراطية (السادة) بنبذ الأديان التى تنفر من الحياة الأرضية (الطبيعة/ المادة) والتى تنقل البشر من مواقع الحياة (الطبيعة المادية) إلى صور وتهاويم لعالم آخر، وتسلب منهم عناصر القوة وتبقيهم فى حالة الضعف والمهانة، وكما أن ماركس كان يطرح صورة للمجتمع الشيوعى الجديد باعتباره صدى للمجتمع الشيوعي البدائى (فالنهاية لابد وأن تشبه البداية فى الأنساق الدائرية العضوية)، فإن نيتشه يرى أن طبقة السادة عليها أن تعود إلى مجدها الغابر حينما كانت جماعات الوحوش الشقر المفترسة تعيش منفردة حسب قوانين الطبيعة، فالإنسان الأعلى – هذا الإنسان/ الإله- إن هو إلا الإنسان الطبيعى، الطبيعي تماما المادى تماما، الذى يجسد إرادة القوة وتتجسد من خلاله، وهو على وجه التحديد الإنسان الطبيعى المادى الغربى الأشقر المفترس، رجل أوربا النهم الذى التهم العالم فى عصر الإمبريالية الغربية وأباد الشعوب ودمر الكون.  هذا الإنسان الأعلى لم يخلق ليعيش فى دعة وسلام وطمأنينة، فواجبه أن ينمو ويحقق إمكانياته ويرتقى دونما شفقة على نفسه أو رحمة بالآخرين وهوسيحقق ارتقاءه من خلال الاختيار الطبيعي متجاوزا الخير والشر، ولكنه فى ذات الوقت جزء من الغاية النهائية، أى تحسين الجنس البشرى (الذى سيصبح فى واقع الأمر الجنس الغربى الأشقر). إن الإنسان الأعلى يشبه – من بعض الوجوه- ملكة النحلات التى يقوم على خدمتها الشغيلة (الضعفاء والعبيد)، ولكنها – مع هذا- ليس لها إرادة مستقلة، فهى يتم حوسلتها تماما مثل الشغيلة أنفسهم، فعالم النحل عالم دقيق رائع رتيب آلى رهيب لا تتخلله أى ثغرات ولا يوجد فيه أى قيم متجاوزة للدورة الكونية أو البرنامج المقرر، يجرى العمل فيه من أجل غاية مجردة تسمى الحياة أو الطبيعة أو الآلة الطبيعية التى تكرر نفسها (أو المجتمع النازى أو المجتمع العلمانى النماذجى الذى تم ضبط إيقاعه تماما)، هذا الإنسان الأعلى المتجاوز للمادة والأخلاق هو جزء لايتجزأ من نسق هندسى، وثمة إشارات مختلفة فى كتابات نيتشه إلى تحسين النسل وتطوير الإنسان الأعلى، أى أن استعارة ملكة النحل لم تكن بعيدة تماما عن ذهنه، ومن الواضح أنه – مع موت الإله وسيولة الواقع واختفاء القيم – يموت الإنسان، إذ إنه يفقد مطلقيته (أى قدسيته) ومكانته الخاصة ويصبح شيئا مثل كافة الأشياء لا تفصل بينه وبينها أى ثغرات، وإذا كان ثمة تميز فهو تميز ملكة النحلات: فهى شىء جميل ورائع، ولكنها فى نهاية الأمر وفى التحليل الأخير، حشرة طبيعية / مادية، لا تعى من أمرها ولا تملك منه شيئا، ونابليون هو تجسد لفكرة الإنسان الأعلى، آخر الرومان (الوثنيين)، فهو رجل لا يعذبه ضميره، أثبت أننا يمكن أن نفعل ما نشاء وأن نملى إرادتنا، وهو يمثل التناقض العميق بين الحرية والأخلاق، فنابليون يقف وراء الخير والشر (وهذا هجوم سافر على كل مقولات كانط الاستنارية الأخلاقية الإنسانية).  ويبدو أن هناك نظيرا للإنسان الأعلى وهو الدولة العليا، وقد كان نيتشه يرى أن الدولة هى تعبير عن إرادة القوة وأنها المؤسسة التى تُستخدم لتوزيع القوة، وأن المعيارية السياسية تظهر من خلال هذا، وهذه الدولة هى التى يمكن أن تسيطر على العالم، ويصبح مواطنوها أسياد العالم. وقد ذهب نيتشه إلى أنه لو اتحدت المقدرة الألمانية على التنظيم مع مصادر روسيا (المادية والبشرية)، ولو تزاوج الجنس الجرمانى والسلافى وانضم إليه الممولون اليهود، فإن هذه التركيبة يمكن أن تؤدى إلى السيادة والهيمنة على العالم.  نحن هنا نسمع صوت الشعب العضوى (الفولك) وهتلر وفكرة المجال الحيوى ونرى بذور قواعد الصحة النازية التى أودت بالملايين، وقد تأثر النازيون بالفعل بفلسفة نيتشه الصراعية العلمانية وأطروحاته الداروينية الأساسية، فأسسوا الدولة النازية التى حاولت أن تُرشدُ العالم (الطبيعة والإنسان) بأسره وتحوسله وتحوله إلى مادة خاضعة للنماذج المادية والكمية، نافعة للجنس الآرى، واستخدموا مفاهيم مثل: إرادة القوة والإنسان الأعلى وإعادة تقييم القيم وتحسين النسل والقتل والرجم، وقد يكون مما له دلالة أن الفيلم النازى الشهير عن هتلر الذى أنتج عام 1942 كان عنوانه انتصار الإرادة.  - العود الأبدى: الإنسان الأعلى يتجاوز الخير والشر والثواب والعقاب، وكبديل لكل هذا تظهر فكرة محورية فى منظومة نيتشه فكرة العود الأبدى، وهى محاولة نيتشه لأن يستوعب الاستمرار فى الحركة الدائمة والثبات والصيرورة حتى لا يهرب شىء أبدا من قانون الحركة، ولذا يتم إعادة تعريف الزمان ويظهر العود الأبدى، إن الدورة الحالية للزمان ستنتهى ولكن لن يتوقف الزمان، إذ إنه سيبدأ فى التو دورة أخرى لا تختلف عن سابقتها فى أى شىء، وحينما تنتهى ستبدأ من جديد وبنفس الطريقة، فهو عود أبدى مادى آلى رتيب، والإنسان – كالساعة الرملية- سيعود من جديد ويذهب من جديد دائما أبدا، إنها تكرار أبدى لنفس الشىء ولنفس الحياة. ولعل العود الأبدى هو بديل فكرة الخلود ويوم القيامة فى الديانات السماوية، وهى الحل النيتشوى لمشكلة الموت، وهو حل يزيل ظلال الإله تماما ويزيل الأصول الربانية للإنسان. والعود الأبدى يعنى تكرار اللحظة بكل ثباتها وصيرورتها، ولكنه ليس تقبلا لمضمون اللحظة الثابتة، وإنما هو تأكيد لصيرورتها، ولذا فأنا أرغب أن تتكرر اللحظة وأن تزول فى ذات الوقت، أى أننى أقبل شكل الوجود الذى تعتبر فيه الصيرورة هى الأساس (ويذكرنا هذا بمصطلح دريدا “الاختلاف” أو “لاديفيرانس la difference حيث كل شىء مختلف مرجأ على وشك أن يتحقق ولكنه لا يتحقق أبدا)، وبذا تحل مشكلة الذات والموضوع والثبات والحركة، يقول جوته للحظة: “امكثى إلى الأبد”، وهذا يبين رغبته فى ثبات أبدى فى عالم الصيرورة، أما نيتشه فيقول للحظة: “فلتكررى نفسك إلى الأبد” وهو ما يعنى الإذعان الكامل للصيرورة والإدراك المأساوى لأنه لا يوجد أمل فى المستقبل (كما يتصور كانط وهيجل وماركس وكما تزعم الأفكار الأخروية المسيحية)، وإنما سيتكرر نفس الوجود/ الصيرورة دائما، وما سيحل محل حياتى الحالية هو نفس الحياة مرة أخرى، أى أن الحياة الحالية هى كل ما هناك دون أى أمل فى الخروج منها حتى ولو فى دورة كونية قادمة. وفى هذا أيضا إلغاء لفكرة الهدف، فالتكرار هو ثبات الحركة، وهو حركة لاتجاه، وتقبل العود الأبدى فى هدوء، هو حب القدر (باللاتينية: أمور فاتى amor fati) وهو مايعنى تقبلا كاملا لحدود العالم الكمونى الذى نعيش فيه والإذعان لقوانينه اللا إنسانية باعتبارها الحدود المطلقة النهائية لكل الوجود، وإدراك أن عالمنا عالم ديونيزى سائل يخلق نفسه دائما ويحطم نفسه دائما ويكرر نفسه دائما وبنفس الطريقة، عالم بلا هدف يتحرك فى حركة دائرية عبثية، وفى تصور نيتشه أنه، من خلال حب القدر والإذعان للحدود وتقبل الدورات العبثية فإن الإنسان يحقق تحرره من الديانات ذات الهدف المتجاوز، بل ومن أوهام الفكر الإنسانى (الهيومانى) الذى يحاول تحقيق التجاوز داخل الكمون، أى أن الإنسان سيتحرر تماما من الأخلاقيات والأحلام والمستقبل والميتافيزيقا والحقيقة، ومن ثم يتحول عبء الوجود فى الصيرورة إلى مصدر للفرح والغبطة، إذ أن قبول العود الأبدى هو تأكيد أن الإنسان يوجد فى عالم الصيرورة ولا مفر منه.

الباحث : رضوان بوسنينة - المغرب

ونحن ننسج املا جديدا بعد صدمة الإصرار على الشهوة الأبدية الممزوجة بطفولية غارقة في الاحلام، لابد ان نضع بعض الخيوط الرفيعة التي تعيد تصحيح المسار، ان اردنا ان نتصالح مع الذات الواعية في زمن قل فيه الوعي وكثر السكار ،وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، وحتى لوتاب سياسيا من جرم الفتك الحجاجي لضحاياه فانه يبقى على باب التوبة السياسية ينتظر السند والمدد والاشارة الصوفية من الشيخ الممدد على كرسي الزعامة .

هول الصدمة على إسلامي الشهوة السياسية يجعلنا نفكر أكثر من الاقتراب من هوسها، انها لأمانة يا أباذر وانت ضعيف وإنها لخزي وندامة.

وليس العيب ان نعيد قرع طبول توقف قرعها مثل القضايا الخلافية والقضايا الإنسانية كفلسطين وقضية المرأة والاسرة، وهل تريدنا ان نتوقف؟ .

هذه هي الحياة نرجع من ما بدأنا ونرتب البيوت والمجالس ونمضي ونعفو على بعضنا ونتصالح فيما بيننا فنحن لسنا ملائكة ولكننا كلفنا محمل أكبر من حملنا فكانت النتيجة وكانت الصدمة.

المنظومة الأخلاقية:

الإنسان إنسان طبيعى، جزء لا يتجزأ من الطبيعة/ المادة ليس له أي صفات متجاوزة للطبيعة، والإسلامي هو انسان في أصله لكنه يخالف ذاتيته لان الذي يتحكم فيها هي مجموعة من الاخلاق والقيم التي تم تحميلها بشكل تسلسلي. مكتف بذاته تماما، وهو ليس فى حاجة إلى أى قيم عليا وقد ولا يستمد أي شيء من عالم متجاوز لعالم الطبيعة/ المادة، وهو إنسان ليس له عقل مسبق a priori وليس له روح خالدة ثابتة مفارقة لجسده الفانى الذى يوجد فى حالة صيرورة، ولكن مع هذا تظهر منظومات أخلاقية، هذه المنظومات الأخلاقية لا تختلف البتة عن المنظومات المعرفية، فالأخلاق تذوب فى رمال النسبية المتحركة التى تبتلع كل شىء،ولان طبيعة الإسلاميين انهم يستخدمون الأخلاق لتبرير أفعالهم، فالأصل هو الفعل، وما الأخلاق سوى التبرير والتسويغ،وقد عاينا نماذج من الشروذ الأخلاقي التي تدل على ازمة عاشها الإسلاميون بسبب ازمة قيم من جهة وغياب بوصلة التوجيه التربوي ، فالقيم إن هى إلا جزء من العملية الإبداعية للإنسان وحركيته (الحق أن الناس قد أعطوا أنفسهم كل خيرهم وشرهم، والحق أنهم لم يتلقوه ولم يجدوه). ومن ثم، فإن بوسع الإنسان أن يضفى أى معنى يشاء على الكون بأى طريقة يراها، فالمعنى مرتبط بالهدف والهدف مرتبط بالنتيجة وبالفعل: سلسلة عضوية متلاحقة لا يفصل بين حلقاتها فاصل، والأخلاق هي معايير صنعها الإنسان لهدف معين، وفى وسعه أن يبدلها إن شاء وأن يضع لنفسه هدفا آخر، فالأخلاق مرتبطة بالنتيجة وبالفعل، أى أنها هى الأخرى حلقة فى السلسلة المتلاحقة المتجاوزة للمادة، لأنه تمييز يفترض وجود قيم ثابتة خارج الإنسان يمكن للإنسان أن يحتكم إليها، وهو تمييز يعود إلى تلك الأخلاقيات الدينية التى أزاحت القيم الطبيعية باعتبارها مصدرا حقيقيا للمطلقية والأساس الراسخ لكل أخلاق، أى أن يعود بالقيم إلى أصلها الطبيعى المادى، فيرفض أى ثبات أو مطلقية وأى وجود للعالم الخارجى.

لقد تعرت الحركة الإسلامية قيميا بعد سنوات عجاف من الحرث المؤسساتي الممزوج بزراعات لمناهج لاصلة لها بالانتماء ولكنها السياسة الممزوجة بمكيافيلية مقيتة ، تركت ضحايا كثر واكبهم ذاك المواطن الذي كان يتوسم الخير الكثير .

– السادة والعبيد:

فحينما يتحول المناضل السياسي الى عبد سياسي ، فبئس الاختيار وبئس القرار وبئس الإصرار ،فعن أي انتماء وعن أي نضال نناضل عليه واليه .

لقد كانت الى وقت قريب تحارب تيارات بعينها ظانة انها تؤسس مستقبل إسلامي واعد وهيي غارقة في فجور سياسي كبير ولد ماولد من المصائب والاهوال ولن ننسى ماجرى حينما بدأت عوامل السياسة والمزاحمة مع الخصوم في اخراج المصائب والكوراث الشاطئية والمكتبية والخلوات المسكونة بهوس من الشيطنة والفجور .

ساميل الى مال اليه نيتشه في رؤيته لأصل الحضارة والأخلاق، فيبين أن الحضارات الكبرى قد نشأت حينما ظهرت طائفة من الأرستقراطيين الممتازين – على شكل حيوانات مفترسة شقراء (وحش نيتشه الأشقر الشهير)- كانت تجوب الأرض فى آسيا وأوربا وجزر المحيط الهادى وتُغِير على كل الأراضى التى تمر بها، وعلى هذا النحو الصراعى الداروينى الحيوانى الرائع البسيط نشأت الحضارة اليونانية والرومانية والجرمانية، وعلى هذا النحو استمرت هذه الحضارات، إذ إنه كلما مرت هذه الطائفة المفترسة الشقر (المرتبطة بالطبيعة الملتصقة بها) على شعب من الشعوب أخضعته وفرضت عليه سلطانها، واحتقرته وباعدت بينها وبينه من مسافات، مكونة طبقة خاصة متمايزة، وأخذت لنفسها شرعة من القيم والأخلاق تؤكد بها سيادتها واستمرار سطوتها وسيطرتها، وتضمن هذه الطبقة لنفسها الاستمرارية والشرعية والسطوة بالحفاظ على قوتها الجسمية والصحية فهى تعنى بكل ما يتصل بالقوة والغزو والحرب والمخاطرة والصيد والرقص والألعاب البدنية، وعلى العموم كل ما يكشف من حيوية فياضة، وهذه الطائفة هى الأقلية دائما، فإنها تعمل جهدها كى تحافظ على صفاتها وتظل نقية لا يتطرق إليها الانحلال ، أى أنه ككيان معنوي ملتف حول ذاته، نصَّب نفسه مرجعية ذاته،

انطلاقا من هذا التصور يُقسم البشر إلى أقوياء وضعفاء، يحوى كلٌ داخله معايير الحكم عليه، ومن ثم يوجد نوعان من الأخلاق: أخلاق السادة الأقوياء التى يبررون بها أفعالهم المباشرة، وقيم العبيد الضعفاء التى يحاولون هم أيضا عن طريقها تغطية عجزهم وتحقيق البقاء. والسادة قادرون على الفعل المباشر، يتسمون بالقوة والاعتزاز بها، كما يتسمون بغريزة السيطرة وحب الغزو والمخاطرة، يحتقرون الرحمة، ويجدون النعيم فى الانتصار والتدمير ويشعرون بسرور عميق وهم يعذبون الآخر: كل سيد عالم قائم بذاته، فهو مرجعية ذاته، إنسان طبيعى متأله خالق نفسه، عالم عضوى لا تتخلله مسافات ولا يتسم بعدم الانقطاع، كالمادة الصماء أو مثل قوى الطبيعة: كالعاصفة التى تهب وتقف شامخة وراء الخير والشر. فهو قوة محايدة لا تشعر بشىء (تخلَّص من الضمير ومن الشفقة والرحمة .. تلك المشاعر التى تطغى على حياة الإنسان الباطنية .. أقهر الضعفاء وأصعد فوق جثثهم”). وهو حتى أمام العدم لا يشعر بالتشاؤم، فالتشاؤم يعنى توقع المعنى وعدم العثور عليه، والإحباط يعنى رغبة فى التجاوز وفشل فى تحقيقه، أما السادة فلا يشعرون بالتشاؤم لأنهم لا يتوقعون شيئا، شأنهم فى هذا شأن العناصر الطبيعية.

وقبل أن نسترسل فى الحديث عن أخلاقيات الضعفاء، يجب أن نتوجه إلى بعض الصفات الحميدة التى ينسبها نيتشه للسادة، فهى تشكل – فى تصور البعض – نوعا من التسامى وإطارا جيدا لظهور منظومة فلسفية حديثة. فالأرستقراطى السيد يشمئز من الضعة وجميع أنواع الاستخذاء، وأبغض شىء لديه الكذب ونحوه من نفاق وملق، وهو لا يعرف أنصاف الحلول والمساومة والمداهنة، ويميل إلى العفو عن الآخرين لا لأنه يحب العطف ولكن لأن قوته غريزة، فتراها تفيض بنفسها على الآخرين (كالطبيعة المتدفقة). ومع هذا فإنه لا يقبل مطلقا العفو من الآخرين لأنه بقوته يأخذ ما له دون أن ينتظر حتى يتفضل به عليه الآخرون، وهو يطلب من نفسه أكثر من الآخرين وهو ينتصر على نفسه وعلى أفعاله ويوجهها.

ولكن هل تمثل هذه الصفات تساميا بالفعل؟ فى تصورنا أنه لا يوجد تسام أو تجاوز لأخلاق الوحوش الشقر المفترسة، فكل صفات الأرستقراطى تزيد من مرجعيته الذاتية الكامنة ومن ثم فلا يوجد أى مقاييس خارجة عنه، بل يظل هو المطلق ذاته ومن ثم لا يمكن محاكمته، كما أن كل شىء فى الأرستقراطى مرتبط بالقوة، فهو حين يعفو فهذا غير ناجم عن حب لأخيه الإنسان أو أى منظومة خلقية متجاوزة له (فمفهوم الأخوة مفهوم غير طبيعى غير مادى) وإنما ناجم عن تدفق غريزى فى القوة أى عن مزيد من الطبيعة والوحشية والإمبريالية، والعطف ليس اختيارا أخلاقيا حرا، وإنما سلوك بيولوجى طبيعى، أى أنه سلوك يتجاوز الخير والشر ولا يتسم بأى تعال أو تسام.

والسادة أقلية والعبيد هم الأغلبية، والعبيد غير قادرين على الفعل المباشر، ويسمون عجزهم هذا “الصبر” أو “الإحسان” أو “الطيبة”، وهم مسالمون متواضعون لا مطمع لهم فى غزو، ولا رغبة لهم فى سيادة، يؤثرون السلامة ويبتعدون عن المخاطر ويسمون حاجتهم إلى الآخرين وعجزهم عن الاعتماد على النفس “رحمة”، فكل عبد فى حاجة إلى الآخرين ولا يكتفى أبدا بذاته، ولإخفاء عجزهم والتعويض عنه، ابتدعوا أخلاقيات الضعفاء هذه، فأخلاقهم إن هى إلا نتيجة الذُّحْل (الحقد – الثأر) : أى الشعور المتكرر بإساءة سابقة لقيها الإنسان ولم يستطع أن يردها أو أن يتشفى ممن قدمها لعجز فيه عن رد الفعل فى الحال، فيتحول الشعور إلى طاقة مكبوتة تعبر عن نفسها من خلال قنوات غير القنوات الأصلية الطبيعية ومقابلة العمل بالمثل، فيلجأ إلى طرق خفية غير مباشرة ولكن تَبنِّى أخلاق الضعفاء قلب الدنيا رأسا على عقب، لأن الأقوياء الذين فى مقدورهم أن يرقوا بالجنس البشرى اضطروا إلى الخضوع للضعفاء والتخلى عن واجبهم نحو تنمية قدراتهم، الأمر الذى أدى إلى توقف الجنس البشرى ككل عن الرقى، وهناك نقط هامة فى تاريخ البشر انتصرت فيها الثقافة العقلية، أى ثقافة الضعفاء من الحاسبين المحاسبين، ففى الحضارة اليونانية قبل سقراط، كانت هذه الحضارة حضارة عدمية متشائمة، ثم جاء سقراط فكان علامة على انحلال الخلق اليونانى، إذ أن قوة الجسد والروح القديمتين أصبحت يُضحى بها شيئا فشيئا من أجل ثقافة عقلية مشكوك فيها، وهى تتضمن انحطاطا شديدا فى قوى البدن والعقل. لقد جاء العلم بدلاً من الفن، والعقل بدلا من الغريزة، وانتصر الروح الأبولونية على الروح الديونيزية التى هى دعوة إلى الاندماج المباشر بالطبيعة التلقائية فى صورتها الأولى قبل أن يشوهها العقل الخالص ويبعث فيها الثبات والجمود، ولعلاج هذا الموقف يقترح نيتشه قلب القيم والمعادلات الأخلاقية والعودة بالأخلاق إلى أصلها الطبيعى الوثنى المادى، وعلى الإنسان أن يرفض الترادف المألوف غير الطبيعى بين الخير والشر والتراحم والرحمة ويطرح بدلا من ذلك الترادف الطبيعى/ المادى بين الخير والقوة والغزو والغرور.

الإنسان الأعلى والمنظومة السياسية:

بالغ إسلاميو الغنيمة السياسية من طول أملهم في سباق على المناصب والمراتب وخلقت صراعات ثنائية في الحركة والحزب وأنكرت وجود المركز وأعلنت ظهور عالم فى حالة حركة وسيولة، ولكنها – مع هذا-عينت نقطة ثبات فيه هى إرادة القوة، والتى يجسدها أقلية من السادة الأقوياء، ولكن السادة أنفسهم تبتلعهم السيولة والصيرورة فهم مجرد وسيلة لغاية أعلى، حبل مشدود بين الروحي او الشيخ الحديث الذي تجسده حركة إدارية ارتدت جلباب الدين والعلم وطردت كل العلماء وبتحكم الشيخ السياسي ، المتجسد فى مجموعة من البشر الحرس القديم والمتجدد (الكلمة المطلقة والغاية النهائية).

ويذهب الشييخ السياسي الى ابعد من ذلك حينما فرق بين لحمة المنهج والاختيار واتبع طريقا كله اهوال وتنازلات وصلت الى التفويض على المطلق والاقتراب من تقديم الامر الى الامر بعيد كل البعد عن المشورة والرأي الاخر والتنظيم.

ويرى أن سعادة الأفراد وآلامهم وخيرهم وشرهم أمور تافهة يجب عدم الاهتمام بها حينما نتحدث عن الإمل الأعلى ومستقبل التنظيم ، فهدف الوجود الحركي يجب ألا يكون تحقيق السعادة للأفراد وإنما تكثيف كل القوى للصعود فى سلم الارتقاء فى الحياة وتحقيق كل الإمكانات الحيوية، إذ يجب أن يأتى من الإنسان ما يفوق الإنسان، والبشر أجمعهم لم يخلقوا إلا ليكونوا بمثابة السلم له.

ولكن يبدو أن طبقة السادة وحدها هى المرشحة أن يولد منها الإنسان الأعلى، ولذا يجب توظيفها هى وحدها فى هذا الشأن، وأهم آلية لتوريد الإنسان الأعلى هى أن تقوم القلة الأرستقراطية (السادة) بنبذ الأديان التى تنفر من الحياة الأرضية (الطبيعة/ المادة) والتى تنقل البشر من مواقع الحياة (الطبيعة المادية) إلى صور وتهاويم لعالم آخر، وتسلب منهم عناصر القوة وتبقيهم فى حالة الضعف والمهانة، وكما أن ماركس كان يطرح صورة للمجتمع الشيوعى الجديد باعتباره صدى للمجتمع الشيوعي البدائى (فالنهاية لابد وأن تشبه البداية فى الأنساق الدائرية العضوية)، فإن نيتشه يرى أن طبقة السادة عليها أن تعود إلى مجدها الغابر حينما كانت جماعات الوحوش الشقر المفترسة تعيش منفردة حسب قوانين الطبيعة، فالإنسان الأعلى – هذا الإنسان/ الإله- إن هو إلا الإنسان الطبيعى، الطبيعي تماما المادى تماما، الذى يجسد إرادة القوة وتتجسد من خلاله، وهو على وجه التحديد الإنسان الطبيعى المادى الغربى الأشقر المفترس، رجل أوربا النهم الذى التهم العالم فى عصر الإمبريالية الغربية وأباد الشعوب ودمر الكون.

هذا الإنسان الأعلى لم يخلق ليعيش فى دعة وسلام وطمأنينة، فواجبه أن ينمو ويحقق إمكانياته ويرتقى دونما شفقة على نفسه أو رحمة بالآخرين وهوسيحقق ارتقاءه من خلال الاختيار الطبيعي متجاوزا الخير والشر، ولكنه فى ذات الوقت جزء من الغاية النهائية، أى تحسين الجنس البشرى (الذى سيصبح فى واقع الأمر الجنس الغربى الأشقر). إن الإنسان الأعلى يشبه – من بعض الوجوه- ملكة النحلات التى يقوم على خدمتها الشغيلة (الضعفاء والعبيد)، ولكنها – مع هذا- ليس لها إرادة مستقلة، فهى يتم حوسلتها تماما مثل الشغيلة أنفسهم، فعالم النحل عالم دقيق رائع رتيب آلى رهيب لا تتخلله أى ثغرات ولا يوجد فيه أى قيم متجاوزة للدورة الكونية أو البرنامج المقرر، يجرى العمل فيه من أجل غاية مجردة تسمى الحياة أو الطبيعة أو الآلة الطبيعية التى تكرر نفسها (أو المجتمع النازى أو المجتمع العلمانى النماذجى الذى تم ضبط إيقاعه تماما)، هذا الإنسان الأعلى المتجاوز للمادة والأخلاق هو جزء لايتجزأ من نسق هندسى، وثمة إشارات مختلفة فى كتابات نيتشه إلى تحسين النسل وتطوير الإنسان الأعلى، أى أن استعارة ملكة النحل لم تكن بعيدة تماما عن ذهنه، ومن الواضح أنه – مع موت الإله وسيولة الواقع واختفاء القيم – يموت الإنسان، إذ إنه يفقد مطلقيته (أى قدسيته) ومكانته الخاصة ويصبح شيئا مثل كافة الأشياء لا تفصل بينه وبينها أى ثغرات، وإذا كان ثمة تميز فهو تميز ملكة النحلات: فهى شىء جميل ورائع، ولكنها فى نهاية الأمر وفى التحليل الأخير، حشرة طبيعية / مادية، لا تعى من أمرها ولا تملك منه شيئا، ونابليون هو تجسد لفكرة الإنسان الأعلى، آخر الرومان (الوثنيين)، فهو رجل لا يعذبه ضميره، أثبت أننا يمكن أن نفعل ما نشاء وأن نملى إرادتنا، وهو يمثل التناقض العميق بين الحرية والأخلاق، فنابليون يقف وراء الخير والشر (وهذا هجوم سافر على كل مقولات كانط الاستنارية الأخلاقية الإنسانية).

ويبدو أن هناك نظيرا للإنسان الأعلى وهو الدولة العليا، وقد كان نيتشه يرى أن الدولة هى تعبير عن إرادة القوة وأنها المؤسسة التى تُستخدم لتوزيع القوة، وأن المعيارية السياسية تظهر من خلال هذا، وهذه الدولة هى التى يمكن أن تسيطر على العالم، ويصبح مواطنوها أسياد العالم. وقد ذهب نيتشه إلى أنه لو اتحدت المقدرة الألمانية على التنظيم مع مصادر روسيا (المادية والبشرية)، ولو تزاوج الجنس الجرمانى والسلافى وانضم إليه الممولون اليهود، فإن هذه التركيبة يمكن أن تؤدى إلى السيادة والهيمنة على العالم.

نحن هنا نسمع صوت الشعب العضوى (الفولك) وهتلر وفكرة المجال الحيوى ونرى بذور قواعد الصحة النازية التى أودت بالملايين، وقد تأثر النازيون بالفعل بفلسفة نيتشه الصراعية العلمانية وأطروحاته الداروينية الأساسية، فأسسوا الدولة النازية التى حاولت أن تُرشدُ العالم (الطبيعة والإنسان) بأسره وتحوسله وتحوله إلى مادة خاضعة للنماذج المادية والكمية، نافعة للجنس الآرى، واستخدموا مفاهيم مثل: إرادة القوة والإنسان الأعلى وإعادة تقييم القيم وتحسين النسل والقتل والرجم، وقد يكون مما له دلالة أن الفيلم النازى الشهير عن هتلر الذى أنتج عام 1942 كان عنوانه انتصار الإرادة.

- العود الأبدى:

الإنسان الأعلى يتجاوز الخير والشر والثواب والعقاب، وكبديل لكل هذا تظهر فكرة محورية فى منظومة نيتشه فكرة العود الأبدى، وهى محاولة نيتشه لأن يستوعب الاستمرار فى الحركة الدائمة والثبات والصيرورة حتى لا يهرب شىء أبدا من قانون الحركة، ولذا يتم إعادة تعريف الزمان ويظهر العود الأبدى، إن الدورة الحالية للزمان ستنتهى ولكن لن يتوقف الزمان، إذ إنه سيبدأ فى التو دورة أخرى لا تختلف عن سابقتها فى أى شىء، وحينما تنتهى ستبدأ من جديد وبنفس الطريقة، فهو عود أبدى مادى آلى رتيب، والإنسان – كالساعة الرملية- سيعود من جديد ويذهب من جديد دائما أبدا، إنها تكرار أبدى لنفس الشىء ولنفس الحياة. ولعل العود الأبدى هو بديل فكرة الخلود ويوم القيامة فى الديانات السماوية، وهى الحل النيتشوى لمشكلة الموت، وهو حل يزيل ظلال الإله تماما ويزيل الأصول الربانية للإنسان.

والعود الأبدى يعنى تكرار اللحظة بكل ثباتها وصيرورتها، ولكنه ليس تقبلا لمضمون اللحظة الثابتة، وإنما هو تأكيد لصيرورتها، ولذا فأنا أرغب أن تتكرر اللحظة وأن تزول فى ذات الوقت، أى أننى أقبل شكل الوجود الذى تعتبر فيه الصيرورة هى الأساس (ويذكرنا هذا بمصطلح دريدا “الاختلاف” أو “لاديفيرانس la difference حيث كل شىء مختلف مرجأ على وشك أن يتحقق ولكنه لا يتحقق أبدا)، وبذا تحل مشكلة الذات والموضوع والثبات والحركة، يقول جوته للحظة: “امكثى إلى الأبد”، وهذا يبين رغبته فى ثبات أبدى فى عالم الصيرورة، أما نيتشه فيقول للحظة: “فلتكررى نفسك إلى الأبد” وهو ما يعنى الإذعان الكامل للصيرورة والإدراك المأساوى لأنه لا يوجد أمل فى المستقبل (كما يتصور كانط وهيجل وماركس وكما تزعم الأفكار الأخروية المسيحية)، وإنما سيتكرر نفس الوجود/ الصيرورة دائما، وما سيحل محل حياتى الحالية هو نفس الحياة مرة أخرى، أى أن الحياة الحالية هى كل ما هناك دون أى أمل فى الخروج منها حتى ولو فى دورة كونية قادمة. وفى هذا أيضا إلغاء لفكرة الهدف، فالتكرار هو ثبات الحركة، وهو حركة لاتجاه، وتقبل العود الأبدى فى هدوء، هو حب القدر (باللاتينية: أمور فاتى amor fati) وهو مايعنى تقبلا كاملا لحدود العالم الكمونى الذى نعيش فيه والإذعان لقوانينه اللا إنسانية باعتبارها الحدود المطلقة النهائية لكل الوجود، وإدراك أن عالمنا عالم ديونيزى سائل يخلق نفسه دائما ويحطم نفسه دائما ويكرر نفسه دائما وبنفس الطريقة، عالم بلا هدف يتحرك فى حركة دائرية عبثية، وفى تصور نيتشه أنه، من خلال حب القدر والإذعان للحدود وتقبل الدورات العبثية فإن الإنسان يحقق تحرره من الديانات ذات الهدف المتجاوز، بل ومن أوهام الفكر الإنسانى (الهيومانى) الذى يحاول تحقيق التجاوز داخل الكمون، أى أن الإنسان سيتحرر تماما من الأخلاقيات والأحلام والمستقبل والميتافيزيقا والحقيقة، ومن ثم يتحول عبء الوجود فى الصيرورة إلى مصدر للفرح والغبطة، إذ أن قبول العود الأبدى هو تأكيد أن الإنسان يوجد فى عالم الصيرورة ولا مفر منه.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-