كتاب "أنماط الرّواية العربيّة الجديدة"، للكاتب شكري الماضي، يتناول فيه تجارب روائيّة عربيّة جديدة، من مصر والمغرب والجزائر والعراق ولبنان وسورية والأردن وفلسطين، في دراسة ناهزت ثلاثمئة صفحة. يضمّ الكتاب أحد عشر فصلًا وتصديرًا وخاتمة، وقد بدأ المؤلّف فقراته بالاستفهام، ليعلن عن الحَافِز الذي دفعه إلى إصدار الكتاب.
أمّا الرّواية الحديثة فقد ظهرت تلبيةً للحاجات الجماليّة الاجتماعيّة المستجدّة. بالنّسبة إليه، لا يقتصر التّجديد الأدبيّ والفنّيّ على التّغيير في الأسلوب، بل يعني إحساس الأديب بأنّ الأدوات القديمة لم تعد ناجحة في تحليل الواقع، من هنا ضرورة البحث عن أدوات جديدة فاعلة في هذا المضمار. وتجدر الإشارة إلى أنّ الرّواية الحديثة تؤثّر في القارئ، إذ تقدّم "الحقائق النّوعيّة الفنّيّة" التي تتمثّل في "الإيهام بالواقعيّة"، وهذا ما يفرض على المؤلّف الاهتمام بالتّفاصيل.
وقد سلّط الماضي الضّوء على المسائل التي يمكن أن تحقّق للقراءة النّقديّة نوعًا من الاتّساق، ومن أبرزها: الانطلاق من النّصوص الإبداعيّة نفسها لاكتشاف قيمتها الفنّيّة؛ فقد اعتبر أنّ النّصّ الأدبيّ وثيقة سياسيّة، ما يقلّص المسافة بين الأدب والسّياسة.
وقد تناول المؤلّف الرّواية نقديًّا باعتبارها عملًا فنّيًّا له تقنيّاته وقيمه الجماليّة وأساليبه. ونهج في درس الرّوايات منهجًا أكاديميًّا لا يتّكئ على الموروث من التّيّارات النّقديّة. بالنّسبة إليه، كلّ نصّ روائيّ له منطقه الفنّيّ وكيانه ومنظوره وأسئلته وخصائصه وفلسفته.
فروايات "إميل حبيبي" تثير قضايا أدبيّة ونقديّة جديدة إذ تُعدّ غنيّة بأفكارها وأحداثها. وقد استند الكاتب على مفارقة الأحداث مراعيًا كلّ عناصر السّرد. وتمكّن في تحليله من الوصول إلى نتيجة مفادها أنّ المفارقة أداة توازن وظيفتها تكمن في إعادة التّوازن إلى الحياة.
واستعرض الكاتب هذه المفارقات في مجموعة عناوين طالت الموضوع والرّؤية والسّرد والوقائع المستندة إلى فنون التّراث العربيّ مثل المقامة وفنّ السّيرة والملحمة. كما طالت الرّواية بمرحلتها التّقليديّة الأحداث والأشخاص والأسلوب. وتجدر الإشارة إلى أنّ الشّكل الرّوائيّ يتميّز بقدرته على التّمرّد على الحدود والقواعد وعلى ما يتعلّق به أيضًا، كما أنّه في جوهره صورة لغويّة سرديّة مكتوبة للفعل البشريّ. ويعقد الكاتب مقارنة بين بنية السّرد العاديّة وبنية السّرد الغنائيّة، معتبرًا بأنّ الأولى تعتمد على الحركة، أمّا الثّانية فتتجسّد من خلال التّصميم.
بالنّتيجة، إنّ السّرد الغنائيّ يتميّز بقدرته الفائقة على التّمرّد. ولعلّ هذا ما يجعله يتّصف بخاصّيّة المرونة والانسيابيّة، وهي خاصّيّة تمكّنه من مزاحمة الأنواع الأدبيّة الأخرى والأشكال الفنّيّة السّمعيّة والبصريّة.
ويتّخذ الفصل الثّالث من الكتاب نمطًا مختلفًا عن أنماط الرّواية العربيّة، فيحاول المؤلّف أن يطبّق بعض الثّنائيّات كالأدب والواقع، النّصّ والمتلقّي، المادّة المتخيّلة والمادّة التّاريخيّة على رواية الياس خوري "مملكة الغرباء". فاستند إلى منهج فوكو (Foucault) القائم على الحفر، جاعلًا من الوحدات الجزئيّة أساسًا للوصول إلى الشّكل الشّموليّ عند الرّوائيّ والمتلقّي والنّاقد. وقد تبيّنا بأنّ الدّائرة الدّلاليّة في بنية السّرد تتخطّى الشّكل وتهتمّ بالبنى العميقة التي تتقاطع مع فعل الكتابة، فينطلق الكاتب في رسم الشّخصيّات معتبرًا بأنّ الشّخصيّة الواحدة هي عبارة عن ذوات متعارضة. وقد حاول الماضي من خلال ستّ دوائر أن يظهر كيف يمكن للقيم الجماليّة أن تتمرّد على القيم السّائدة.
أمّا رواية "تيسير سبول"، فقد أتت علامة في طريق الرّواية العربيّة الجديدة، وقد نجح "تيسير سبول" في جعلها حدثًا فنّيًّا لا مجرّد واقعة تروي هزيمة حزيران. وتتجلّى قيمة هذه الرّواية "أنت منذ اليوم" حسب الماضي في كشفها عن العلاقات الخفيّة بين الظّواهر والأشياء التي قد تبدو في الواقع متنافرة، وهذا ما أسّس له منذ بداية الكتاب في حديثه عن المفارقة.
وفي حين اعتمدت رواية "أنت منذ اليوم" على جماليّات التّجاور والتّزامن، استندت رواية "مؤنس الرّزاز" على جماليّات التّشظّي والتّنافر، وهي بذلك تؤسّس لوعي جماليّ جديد قادر على تحريض الوعي العامّ ودفعه إلى ابتكار أدوات وأساليب جديدة، لا سيّما أنّها رواية صادمة لذائقة المتلقّي النّمطيّ الذي تستهويه روايات الحبكة القائمة على التّسلسل والتّرابط والنّموّ العضويّ.
بالانتقال إلى رواية "هليوبوليس" للأديبة "مي التّلمساني"، فتُشعر القارئ بأنّه أمام تجربة جديدة تحثّ العقل أكثر ممّا تثير العواطف. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الرّواية تعالج قضيّة الذّات الإنسانيّة من خلال تشتّتها وتحوّلها إلى ذوات، فيربطها بعمليّة بحث الإنسان عن ذاته الضّائعة. ويعتبر الماضي أنّ التّعامل مع هذا النّوع من الرّوايات هدفه إثارة المتعة لا الدّهشة، إثارة العقل لا العواطف، ما يستدعي أن تكون ظلًّا طليقًا بلا أصل، مع العلم بأنّ الرّواية لا تُكتب من فراغ.
وفي الفصل المتمحور حول النّموّ الاستعاريّ، يتناول الماضي رواية "وردة للوقت المغربيّ" للأديب أحمد المديني. تبدو هذه الرّواية بابتعادها من التّقسميات المألوفة، تتمرّد على الأنماط السّرديّة والفلسفة الجماليّة للرّواية الحديثة. فهي تنشد الكتابة من أجل الكتابة وكأنّها تحاكي مذهب الفنّ من أجل الفنّ. ويثير المؤلّف سؤالًا إشكاليًّا: أين الرّواية؟ ليمضي في معالجتها من خلال عدّة عناوين من أبرزها "الميتاقص"، التي تهدف إلى كسر مبدأ "الإيهام بالواقعيّة"، وتأسيس مبدأ آخر من "جماليّات التّلقّي" يتمثّل في جعل القارئ في حالة يقظة. ومن العناوين التي يعالجها: صوت الزّمن، وصوت المكان، وصوت الحاكم، وصوت النّاس، وصوت السّارد وتحوّلاته. وقد حاول المؤلّف أن يفكّك عناصر الرّواية بغية الإمساك بالمعنى.
وفي إطار النّسق الرّمزيّ والنّسيج اللّغويّ، يتحدّث ماضي عن التّواتر السّريع لحركة الأحداث، ويسلّط الضّوء على الجمل القصيرة في الرّواية الخالية من أدوات الرّبط. فيربط بين تلاشي الأفعال وتشرذم الإنسان. كما يسلّط الضّوء على تزاحم الصّور الاستعاريّة في رسم الإطار العامّ للرّواية، فيأتي "النّموّ الاستعاري بديلًا للنّموّ العضويّ". وعلى الرّغم من اهتمام الرّوائيّ بجماليّات الشّكل، فإنّ روايته لم تضحِّ بالرّؤية، إذ أسهمت في إبراز الدّلالة الكلّيّة للنّصّ، محاولة فتح الأفق إلى زمن جديد يتخطّى اللّحظة الحاضرة.
ويقرأ المؤلّف المحاولات الجديدة في عالم الرّواية من خلال العناوين والشّكل الخارجيّ للعمل الذي يماثل فيه الرّواية القصيرة، متّخذًا من رواية "الدّيناصور الأخير" لفاضل العزاوي أنموذجًا. اللّافت في هذه الرّواية أنّها تتألّف من مجموعة أناشيد مبعثرة، الأحداث فيها غير مألوفة، يتناوب فيها الزّمنان الماضي والحاضر. كما أنّها تبدو منفتحة على تكتيك مسرحيّ يشترك فيه الكورس والسّارد والمؤلّف في انتقالات لا تخضع للمنطق. ولا يقتصر التّناوب على الزّمن وحسب، بل يحدث بين الرّواة أيضًا، ما يخرج الأحداث عن تسلسلها المنطقيّ ويجعلها مفكّكة، فيبدو الزّمن الحاضر زائفًا والمستقبل مرعبًا، فتظهر الأجواء في الرّواية قاتمة يسيطر عليها جوّ من الحزن والوحدة. هذا التّفكّك ناتج عن التّقدّم العلميّ الذي حوّل الإنسان إلى رقم، ما يتجلّى بوضوح في روايات "كافكا" بشكل خاصّ. بالتّالي، يمكننا تصنيف هذه الرّواية بـ "الرّواية الشّيئيّة" التي تُعدّ امتدادًا للفسلسفة الوجوديّة، ومن أبرز روّادها في الغرب "ألبير كامو" (Albert Camus). وعليه، فإنّ رواية "العزاوي" تجسّد لونًا من التّمرّد على وضع الإنسان المتردّي، وقد حاول الاقتراب من الواقع الذي يرفضه بعنف. بيْدَ أنّ هذه الرّواية، استنادًا إلى الماضي، بإمكانها أن تُسهم في تجديد بنية الرّواية العربيّة إذ تمكّن من توظيف ملكاته الفنّيّة الكبيرة.
وقد حَمَل الفصل التّاسع من الكتاب عنوان "التّناسل اللّاعضويّ وتراسل الأجناس" من خلال رواية ابراهيم نصرالله "حارس المدينة الضّائعة"، فطرح من خلالها عدّة أسئلة نقديّة تتّصل بمعنى السّرد وبالعلاقة بين المتخيّل والواقعيّ وجماليّات التّلقّي. وقد ركّز الماضي على شكل القصّة أكثر من تركيزه على نوعيّة الأحداث، ما جعل عالم الرّواية مبعثرًا ومتشرذمًا. فتناسلت الفصول من الأحلام، واندغم الحلم بالواقع المعاش، وهو بذلك يقدّم لنا رواية جديدة تتمرّد على المعايير الجماليّة الرّوائيّة النّمطيّة، وتسعى إلى إعادة ترتيب العالم. وإذا كان التّمرّد في رواية "حارس المدينة الضّائعة" قد أنتج بنية سرديّة جديدة، فإنّ رواية "شرفة الهذيان" قد أثارت جدلًا حادًّا بين السّرد والوصف والشّعر واللّقطات المسرحيّة وغيرها... كما سعت إلى طرح إشكالات جديدة من أبرزها "هويّة الكتابة".
ينطلق الكاتب من هذين السّؤالَين الإشكاليَّين ليشدّد على اهتمام القارئ بشكل العمل الأدبيّ، وعلى ضرورة احتوائه المادّة السّرديّة، كونه يشكّل قيمة أساسيّة في رؤية مضمون النّصّ وغايته. بالتّالي من حقّ المتلقّي مطالبة الأدباء بالتّفاعل مع تفاصيل الواقع لا إهمالها.
وفي فصل "جماليّات الرّعب وانهيار المجاز والتّرميز"، يتناول الكاتب تعدّد التّقنيات في الرّواية الجديدة. وقد بدأ التّحوّل يظهر بشكل واضح عند كتّاب "الرّواية الملتزمين" الذين تفاعلوا مع التّحوّلات العنيفة التي شهدها العالم العربيّ. ويمثّل الأديب "الطّاهر وطار" أنموذجًا لهذا التّحوّل، إذ ينفتح نصّه في "الشّمعة والدّهاليز" على أزمنة التّراث العربيّ الإسلاميّ، وعلى التّراث الإنسانيّ، وعلى أزمنة الفعل الماضي والحاضر والمستقبل، ما يُكسب البنية السّرديّة مزيدًا من الحيويّة. وتتجلّى خطورة إشكاليّة اللّغة والهويّة في تلميح الرّواية إلى اختزال الأسلحة الثّقافيّة خلال حرب التّحرير الجزائريّة في الدّين، وإهمال عنصر اللّغة، ما جعل الرّواية تتضمّن أسئلة فكريّة متنوّعة، فتتماهى الحقائق مع أجواء السّحر الغريبة، وينتج عن هذا الأمر بنية سرديّة مشتّتة، تشكّل انعطافًا جديدًا في مسار الرّواية العربيّة. هذا الأمر دفع الماضي إلى طرح السّؤال التّالي: هل هذه البنية السّرديّة المفكّكة نتجت عن البنية السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة؟
في الواقع، إنّ رواية "الشّمعة والدّهاليز" كشفت عن التّيّارات السّياسيّة المتواجدة في الجزائر، وقد جعلت من التّيّار الإسلاميّ نقطتها المركزيّة. وقد أعلن "الطّاهر وطار" ولادة رواية جديدة متمّمة لتلك المرحلة بعنوان "الوليّ الطّاهر يعود إلى مقامه الزكيّ". وتتجلّى في هذه الرّواية الكثير من الخيبات والأوهام، فينسحب الوليّ الطّاهر من الزّمان والمكان، ويصبح خارج التّاريخ، فتستفحل خيبات الأمل والأوهام. وينعكس كلّ ذلك على بنية السّرد، فنتبيّن، استنادًا إلى الماضي، التّلاحم بين محتواها وتشكيلاتها الفنّيّة، فتظهر تقنيّات جديدة كالتّكرار واللّازمات والشّكل الدّائريّ.
أمّا الفصل الأخير من الكتاب فيُعلن عن انحراف المعنى في الرّواية الجديدة. ويطرح الماضي سؤالًا إشكاليًّا: هل الرّواية الجديدة هي تراكم ومضات مفكّكة؟ هذا ما يجعلنا نتأمّل معه رواية "بيضة النّعامة" للأديب "رؤوف مسعد". إذ تُعدّ صرخة احتجاج على تفتُّق العلاقات الإنسانيّة.
وذكر المؤلّف في خاتمة كتابه، اثنتي عشرة ملاحظة تتمحور حول ظهور الرّواية الجديدة في الوطن العربيّ، إضافةً إلى تمرّدها على المنظومات الأيديولوجيّة السّائدة. في الواقع تحاول هذه التّجارب أن تؤسّس لأنماط روائيّة جديدة يفقد فيها الزّمن خاصّيّة التّتابع، كما أنّها تخلق أسلوبًا لغويًّا جديدًا يصدم القارئ. وتكمن أهمّيّة هذه التّجارب في أنّها ستظلّ شاهدة على صورة المجتمع العربيّ المفكّك في نهاية القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الرّواية العربيّة الجديدة تحتاج إلى أدوات نقديّة جديدة تسهم في الكشف عن أبعادها الفلسفيّة وفي تعميق رؤاها الجماليّة.
قي ضوء ما سبق، لا تبدو الرّواية الجديدة مجرّد تحوّل في تقنيّات السّرد أو في شكل البناء الفنّيّ، بل تبدو انتقالًا جذريًّا في موقع الرّواية من تمثيل الواقع إلى مساءلة إمكانيّة تمثيله أصلًا. فإذا كانت الرّواية التّقليديّة تسعى إلى إعادة إنتاج العالم، والرّواية الحديثة إلى إعادة تأويله، فإنّ أفق الرّواية المعاصرة يتّجه نحو تفكيك فكرة العالم نفسه كونه كيانًا متماسكًا قابلًا للحكي. وهذا ما يفسّر انتقالها من مركزيّة الحكاية إلى مركزيّة الوعي، ومن وحدة الشّخصيّة إلى تفتّت الذّوات، ومن الزّمن الخطّيّ إلى زمن متشظٍّ يعكس قلق الإنسان المعاصر.
إنّ الرّواية الجديدة تتجاوز حدود التّصنيف الشّكليّ، لتصبح فضاء لإدراك معنى الإنسان في عالم فقد يقينيّاته الكبرى. فالرّواية لم تعد فقط وثيقة جماليّة أو وثيقة سياسيّة، بل أصبحت مجالًا يُعاد فيه بناء العلاقة بين الذّات والعالم واللّغة معًا، خصوصًا في سياق عربيّ تمارس فيه التّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة ضغطًا مباشرًا على البنية السّرديّة نفسها، وهذا ما يظهر في التّوازي بين تشظّي البناء الرّوائيّ وتشظّي البنى المجتمعيّة والثّقافيّة.
