شيماء رحومة - تونس - " وكالة أخبار المرأة "
ووجد تقرير أممي حديث أن الملايين من النساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة يفقدون حياتهم، لأن مهنة القابلة غير معترف بها أو لا تحظى بالأولوية.
ولا تساعد القابلة فقط في الولادة، بل تقدم الرعاية الصحية للنساء ما قبل الولادة وبعدها، ومجموعة أخرى من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية بما في ذلك تنظيم الأسرة، واكتشاف الأمراض المنقولة جنسيا وعلاجها، وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية لليافعين.
ويدعو التقرير الجديد الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الصحة العالمية والاتحاد الدولي للقابلات والشركاء، الحكومات إلى أن تولي أهمية للتمويل ودعم اختصاص القابلات واتخاذ خطوات ملموسة لإشراكهن في تحديد السياسات الصحية.
وشددت فرانكا كاديه رئيسة الاتحاد الدولي للقابلات على أن الوقت قد حان “لكي تقرّ الحكومات بالتأثير المعزز والمنقذ للحياة بفضل الرعاية التي تقودها القابلة”.
وتبيّن التقديرات أنه مع توفر التدريب والدعم الكافيين، يمكن للقابلات تفادي ما يقدر بثلثي إجمالي وفيات الأمهات وحديثات الولادة.
إلا أن توفير البيئة المناسبة لتدريب القابلة والرفع من مهاراتها لا يكفيان لسد الشغور في الكثير من المرافق الصحية، حيث لا تزال بعض الدول بما فيها المغرب تعاني من نقص في اليد العاملة في هذا المجال بسبب الهوة الكبيرة بين عدد المتكونات وعدد العاملات.
ويُعدّ استمرار نقص الموارد للقوى العاملة في مهنة القابلة إحدى مشكلات النظم الصحية التي لا تعطي الأولوية لاحتياجات الصحة الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات، ولا تعترف بدور القابلات، كما تظهر عدم المساواة بين الجنسين كأحد العوامل الدافعة للنقص الهائل في القابلات.
إرث الداية
وتعمل عدة منظمات ونقابات على تحفيز صانعي السياسات على إحداث التغيير من خلال الضغط للاعتراف بالقابلات كمهنيات فريدات وتزويدهن بالموارد الكافية.
وفي المغرب تعمل الجمعية الوطنية للقابلات من أجل تحسين ظروف العمل والتكوين المستمر وتحسيس الأسر في مجال الصحة الإنجابية، ولاسيما في ظل وجود حوالي ألفي قابلة مكونة من طرف الدولة يعانين من البطالة.
ومهنة “الداية” مازالت منتشرة في العديد من البلدان العربية، وإن كان على نطاق ضيق، فلا يزال بعض الرجال يفضلون عدم كشف نسائهم على الأطباء حتى وإن كان السبب صحيا.
وأوضحت إسراء الطيب تاتاي، قابلة في مستشفى أم درمان للولادة في العاصمة السودانية الخرطوم، في حديثها لموقع أخبار الأمم المتحدة “يعتقد الكثير من الناس أن القابلة لكي تتمكن من ممارسة هذه المهنة لا بد أن يتجاوز سنها الأربعين.. بعض النساء يرفضن الخضوع لعملية الولادة عندما يعملن أن القابلة صغيرة في السن”.
إلا أن د. عبدالناصر علي بن علي الفكي أستاذ علم اجتماع بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، يرى أن هذا الإرث يسلط الأضواء على مدى أهمية مهنة القابلة بوصفها من المهن الطبية المهمة جدا في المجتمعات العربية والأفريقية لما لها من مميزات في أنها تكون أكثر قربا في الإطار المكاني من الأسرة والمجتمع المحلي وأنها متاحة دون تكلفة مادية كبيرة.
الخوف من التدخل النسائي
وأضاف أن “ذلك قلل من التعامل مع القابلة لاسيما في المجتمع الحضري بالمدن والأرياف المستحدثة ذات المشاريع الكبيرة، وهو ما أثر سلبا على سوق القابلات وعائدهن المادي”.
وتضافر عدة عوامل مغذية لنقص اليد العاملة في مجال القابلة تعززه بعض التجارب الفاشلة، حيث كشفت التونسية إيمان سليطي، الحاصلة على شهادة جامعية في حفظ الصحة والسلامة المهنية، أن “الحمل كان حلما بالنسبة إليها، إذ عاشت أوقاتا صعبة قبل أن يحصل ذلك، فالأمر لم يكن سهلا، لذلك بمجرد أن أجرت اختبار حمل سارعت بالذهاب إلى إحدى القابلات رفقة أم زوجها التي نصحتها بذلك لثقتها بأنها أفضل من يتم اللجوء إليه في هذه الحالات”.
ويرجع سبب هذا القرار وفق ما أوضحت سليطي في حديثها أنها رغم حرصها على زيارة قابلة ذاع صيتها على مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت دليلا رقميا يرشد رواده بعضهم البعض في الكثير من مثل هذه الحالات، لكنها بدل أن ترشدها وتساعدها شككت في وجود الجنين ورجحت أن يكون يعاني سوء نمو، ولم تراع حالتها النفسية كأم حديثة العهد بالكثير من تفاصيل الحمل.
وأضافت أن “انعدام خبرتها دفعها لاتباع ما أشارت حماتها عليها به لأنها سيدة من الجيل المتمسك بفكرة التعامل مع القابلة بدل أطباء الاختصاص”، معربة عن أسفها لقلة خبرة بعض القابلات مقارنة بالدور الهام المنوط بعهدتهن.
ويكشف هذا الرأي السائد في المجتمعات العربية حول جدارة الرجال مقارنة بالنساء في هذا المضمار عن انتشار ظاهرة لجوء العديد من النساء العربيات بالخصوص لطبيب أمراض نساء بدلا من طبيبة بدعوى أن الرجل يتقن مهنته بشكل أفضل من المرأة، مما يقلص دور القابلات وطبيبات الاختصاص على حد السواء.
غير أن فكرة التعامل مع رجل يشغل وظيفة القابلة باعتبار أن هذا المصطلح يشمل كل ممارسي المهنة، إذ يستخدم في الإشارة إلى كل من المرأة والرجل، تبقى شبه منعدمة، فمعظم القابلات على قلتهن هن من الإناث، بالإضافة إلى أنه في حال تعذّر على المرأة إيجاد طبيبة نسائية فإنها تفضل أن تفحصها قابلة على الاستشاري الرجل رغم أنها لا تمانع متابعة حملها مع طبيب رجل.
وشدد على ضرورة “تدريب القابلات وإعدادهن بطرق حديثة”، موضحا أن “توفير قابلات يساعد على الحد من المعدلات العالية لوفيات الأمهات وأطفالهن في المجتمعات في الوطن العربي وأفريقيا والعالم النامي، لذلك إدراجهن ضمن الكوادر الصحية الرسمية يمثل ضمانة على احتراف مهني مطلوب”.
تعطل خدمات القابلة
وهذا ما لفت إليه التقرير الأممي الحديث الذي تناول 194 دولة، حيث أشار إلى أن الأزمة الصحية العالمية تعطلت بسببها خدمات القابلة، بالإضافة إلى أنه تم توزيع القابلات في الخدمات الصحية الأخرى.
وتعمل القابلات في السودان في ظروف سيئة بسبب نقص مستلزمات الحماية الشخصية ونقص الدعم العام، بالإضافة إلى تكليفهن بمهام أخرى وتوزيعهن على العديد من المرافق الصحية من أجل مواجهة الوباء، وهو ما يعمق الشغور في وظيفتهن الأساسية ويعرض المزيد من النساء الحوامل والأطفال حديثي الولادة للخطر.
شريان حياة مهمش
وبحسب منظمة الصحة العالمية، سيكون العالم بحاجة إلى تسعة ملايين عامل وعاملة إضافيين في مجالي التمريض والقابلة لتحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة لزيادة الوعي بالدور الهام الذي تضطلع به القابلات لا تزال عدة دول في حاجة ماسة إلى زيادة عدد القابلات بشكل كبير فيها.
وتقدّم عيادة متنقلة بمساعدة القابلة اللبنانية هبة خضري في منطقة البسطة بالعاصمة اللبنانية المتضررة جراء انفجار مرفأ بيروت في أغسطس الماضي وبدعم من الصندوق، خدمات الموجات فوق الصوتية والفحوصات المجانية للسيدات قبل إحالتهن على المراكز الصحية الأخرى.
