وأمّا نوع العلاقة الثانية، فنلمس انخراط النساء فيها بشكل ذاتيّ ونسويّ في احتفاليّة خصّصت لإكرامهنّ وتوسيمهنّ من أجل تضحياتهنّ ونضالاتهنّ. وتستبطن هذه العلاقةَ الأعيادُ الخاصّة بجنس النساء مثل عيد المرأة والاحتفاء بمجلّة الأحوال الشخصيّة، وعيد المرأة العالمي، وعيد الأمّ وغيرها. وتعبّر الاحتفاليّة بهذه الأعياد عن رؤية نسويّة إنسانيّة تسعى إلى الاعتراف بوجود النساء في مستوى الفعل والبناء الاجتماعيّين بعد قرون طويلة من التهميش والاستغلال والإقصاء تحت قيود " الجنس" وخصوصيّته " الطبيعيّة" التي تفيض فيضا تمييزيّا في الأدوار الاجتماعيّة بمجالاتها المختلفة اقتصاديّة أو سياسيّة أو الثقافيّة إلخ... ويجدر التذكير بأنّ هذه الأعياد والمناسبات ما كانت لتتحقّق دون حراك مجتمعي نسويّ وإرادة سياسيّة أفضت إلى إجراءات قانونيّة تسعى إلى الرفع في كلّ مرّة من أشكال الحيف والظلم المسلّط على النساء:
بدءا بـ"عيد المرأة في تونس" الذي يحتفل به في 13 أوت من كلّ سنة، تستعيد فيه التونسيّات ذكرى مجلّة الأحوال الشخصية التونسيّة التي صدرت في هذا التاريخ من سنة 1956، وغيّرت بشكل جوهريّ قوانين الأسرة رفعا للظّلم الاجتماعي الذكوري المسلّط على النساء، فجرّمت تعدّد الزوجات ومنعته ووسحب قوامة الرجل في الطلاق وعهدت به إلى المحكمة. ولا يغيب عنّا أنّ ما ورد في المجلّة من قوانين هامّة في حقّ النساء والأسرة إنّما مهّدت له إرهاصات مجتمعيّة نسويّة وجدت من السياسة التونسيّة داعما لها ونصيرا. ولولا فرض الرّئيس الأوّل الحبيب بورقيبة لها لكانت الأحوال على ما هي عليه كما في سائر البلدان العربيّة.
ويليهما " عيد الأمّهات"، يتذكّر به الأبناء والبنات تضحيات أمّهاتهم/هنّ في حقّهم /هنّ على مدار أعمارهنّ. ويعود هذا العيد إلى 9 ماي 1914 حينما قام الرئيس ويلسون رسميّا بتوقيع إعلان للاحتفال به في الأحد الثاني من ماي في جميع الولايات الأمريكيّة. وارتبط هذا العيد في نشأته بامرأتين أمريكيّتين جوليا وارد هاو (1819 - 1910) وآنا جارفيس (1864- 1948) آمنتا بقيمة الأمّ ودورها في حياة أبنائها/ وبناتها وناضلتا لذلك. ثمّ انتشر الاحتفال به في أكثر من 40 دولة غربيّة وعربيّة بتواريخ مختلفة وفقا لما تمثّله هذه التواريخ من علامات مميّزة في هذه الشعوب. وبالنسبة إلى معظم الدول العربيّة يعود الفضل في ترسيخ هذا العيد إلى الصحفيّ المصريّ عليّ أمين الذي كتب سنة 1955 مقالا تناول فيه عيد الأم ودعا الى الاحتفاء به فكان له ذلك، وبالفعل تحتفل به الدول العربيّة في الاعتدال الربيعي بتاريخ 21 مارس إلاّ تونس والمغرب فتحتفلان به في آخر أحد من شهر ماي. وهذه الأعياد الثلاثة تتلوّن فيها النساء بالصبر والجهد والجلد بعد أن ذقن طعم العلقم والحنظل.
وأمّا النّوع الثالث من العلاقة التي تربط النساء بالأعياد، فنتبيّنها في الأعياد ذات الطّابع الدّينيّ من قبيل عيد الفطر الذي يحدّد تاريخه حسب رؤية هلال شوال، وعيد الإضحى الذي يوافق يوم 10 ذو الحجّة بعد انتهاء وقفة يوم عرفة، والمولد النبوي الشريف الموافق لـ 12 ربيع الأول. ويفوح في هذه الأعياد عبير دينيّ، تتأكّد فيه وحدة المسلمين والتفافهم حول رموزهم ومعتقداتهم الدّينيّة، ولكن يتكرّس فيها التمييز بين الجنسين في الأدوار والمهام. وتتكثّف فيها الأعباء المجندرة فيثقل ميزان النساء من حيث الأعمال والترتيبات والتحضيرات بحكم ارتباطها بالفضاء الدّاخلي المكرّس للنساء وجودا وخدمة. ونحتاج فيما أعتقد إلى تصويب البوصلة في هذه الأعياد نحو تعديل الكفّة في المهام بين الجنسين حتّى تستنشق المرأة عبيرها لا شواءها ودلالاتها العميقة لا حلويّاتها وعمقها لا رسومها الشكليّة. وطالما أنّه لم يتشكّل وعي ذكوري بديناميكيّة الأدوار في الحياة اليوميّة وفي المناسبات فستنهك النساء في هذه الأعياد علاوة على التزامات اليوميّ المقيتة.
ومهما تنوّعت علاقات النساء بالأعياد، وتلوّنت فيها نضالاتهنّ وتوسّمت فيها المناضلات وتجشّمت فيها الكادحات العاملات متاعب وأرهقت فيها الصامدات المتجلّدات وتكرّست في بعضها أدوار وسيّجت فيها مهام، فإنّنا نريد:
- أن نحيط النساء علما بأنّ الأعياد التي تخصّهنّ ووسمت بأسمائهنّ قد ناضلت لأجلها نساء كثيرات من تونس وخارجها حتّى تحظى غيرهنّ بقطاف المكتسبات وما تزال الرهانات مرفوعة وقضيّة المساواة مطلوبة.
- أن نحيط الرجال علما بوطأة بعض الأعياد على النساء جسديّا وخاصّة تلك التي تكرّس فيها عادات قد لا ندينها وإنّما ندعو أن تتكثّف مجهودات الأسرة لتيسير هذه المهمّة على النساء فماذا لو نزل الرجال من عليائهم وشاركوا وساعدوا النساء، حتما سيكون لطعم الأعياد نكهة ولبريقها رونق وعبرة.
- أن نحيط الجميع رجالا ونساء أنّ الأعياد الوطنيّة التي نحتفي فيها بقيمة الوطن واستقلاله وأهميّة الجمهوريّة وقيامها وقيمة الشغل وقدسيّته، وجب على الجنسين معا أن يعملا بهذه القيم ويعلياها. وعليهما معا أن يتذكّرا أنّ الجلاء تحقّق بالدمّ وأنّ الأوطان وألاّ ننسى أنّ هذه الأعياد بجميع ألوانها وأوسمتها ما يزال سقف التحدّيات فيها مرفوعا نحو الحريّة والكرامة والمساواة للجميع بلا استثناء...
