تفاجئني بقوة نبرتها في الأغاني الحماسية، بالدمع الذي يقطر من أحبالها الصوتية مع الكلمات الحزينة، بالدفء الذي يسري في القلب مع كلمات الحب والشوق التي تتغنى بها فتتوغل في الصدر ليتفشى السلام والحبور، برجفة البرد التي تسري في جسدي الذي أنهكه الحر عندما تغني للشتاء.
تهطل ندف الثلج على رأسي، اجلس بصحبتها أمام مدفئة يحترق بها خشب الجوز، أبحث عن الدفء في كوب الشوكولا الساخنة الذي أحمله بين كفي بينما انظر من النافذة الى السماء الرمادية تتماهى مع الأرض البيضاء وفي الخلفية تلوح الأشجار التي غشيها المشيب، أنتظر بشوق غامر ذلك الحبيب الغائب الذي كانت تحكي لي عنه.
أخرج من بيتي العتيق رغم البرد وامشي في الشارع الذي أغرق معالمه المطر حتى تحول رصيفه الى بحيرة، أتبع وعد ذلك الذي قال "انطريني" لأقف في انتظاره حتى أذبل بينما صوتها يصدح " حبيتك بالصيف، حبيتك بالشتي" فأتغاضى عن الصيف الذي لا أريد أن اسمع ذكره وأتعلق بمظاهر الشتاء التي تصفها بما فيها البشر الذين وقفوا "عالمفرق" ينتظرون أحبائهم تحت سماء شتائية عنيفة تغرقهم بمطرها، فيتقوا شر قسوتها بالمظلات التي حملوها، وأتحول أنا لتلك الفتاة البريئة، تراقبهم من دكانها القصي الضجر الجدران في اشتياق لأن يذكرها يوما ذلك الحبيب المجهول الذي وعدتها به سماء الشتاء وصوت فيروز، تنتظر بكل أمل هطول حبه عليها مع قطرات المطر مستجيباً لمراسيلها الضائعة.
أهدأ قليلاً فتبكيني معها مرة أخرى وهي تحكي لي وتستحضر مشاهد تلك الليلة الشتوية الصاخبة العاصفة التي جلس فيها عاشقان يانعان يتسامران على ضوء الشموع في الكوخ الخشبي الصغير، تتعانق كفيهما المثلجتان، يستمدان الدفء من النظرات التي أذابتهما حباً لتنتهي قصتهم المكتوبة على خطوط الشتاء بالفراق المحتوم والدمعات التي أهدرها النظر الى الباب الذي أغلق دونهما.
"لم يا فيروز؟" أتنهد بإرهاق فقد آلمني قلبي من كل قصص الحب الفاشلة التي أخذتني إليها في رحلة مكوكية شتوية بانورامية دامعة، فتقرر أن تراضيني وتأخذني معها الى منزل جدتها، تناديها "ستي يا ستي" فتهرع إلينا بأطباق الحساء الساخنة، تغدق علينا حنانها، نستلقي باسترخاء كطفلتين أمام المدفأة الخشبية، ننسى البرد والثلج المكوم في الطرقات ونحلق مع قصصها السحرية حتى نغفو.
