إن التحول الرقمي المبهر الذي يغمرنا كل يوم، لا نستطيع إغفال آثاره علينا في جميع مناحي الحياة، ومن أوائل الدول العربية في هذا المجال كانت مصر والسعودية والإمارات حيث تجد مثلاً أن المملكة السعودية هي الأولى عالمياً في مستوى سرعة الجيل الخامس، وهي أول دولة على مستوى العالم تمنح الجنسية لروبوت يدعى صوفيا في أكتوبر 2017، كما أنها منحت أول وظيفة حكومية لروبوت في عام 2018.
أما الإمارات فهي من أكثر الدول حرصاً على توفير خدمات الإنترنت الحديثة لجميع السكان، فاحتلت صدارة الترتيب العالمي كأسرع شبكة هاتف متحرك في العالم للربع الأول من العام 2021
بينما في مصر فقد تم اختيار العاصمة الإدارية الجديدة لتكون العاصمة العربية الرقمية لعام 2021 من مجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات، كما تم تسليم مصر الدورة الـ 24 لوزراء الاتصالات والتكنولوجيا العرب، وانتخابها لمدة عامين رئيسًا للمكتب التنفيذي لوزراء الاتصالات العرب، ويأتي هذا التتويج ليؤكد أن هناك طفرة كبيرة في عملية التحول الرقمي تحدث الآن في مصر.
التحول الرقمي للإعلام:
نظرة عامة:
إن التحول الرقمي للإعلام ليس بمنأى عن التخطيط الاستراتيجي للتحول الرقمي حول العالم ولكنه يتشكل أيضاً تبعاً لسلوك المستخدمين وتفضيلاتهم وتوقعاتهم، ويرجع هذا بشكل أساسي لأن مستخدمي الإنترنت في ازدياد كل يوم، خاصة من الأجيال صغيرة السن التي أصبح شيء أساسي من روتينهم اليومي أن يتصفحوا مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة حالات الأصدقاء وآخر ما تم نشره، مدفوعين برهبة ال FOMO (الخوف من فوات الأشياء)
وبرغم أن نصف سكان العالم لا يصلون لخدمة الإنترنت إلا أن هناك 27000 مستخدمين جدد للإنترنت كل ساعة، وأكثر من 4 مليار نسمة يصلون للإنترنت حول العالم، وبحسب الإحصاءات فإن أكثر من 90% من هذه الأعداد يصلون لخدمة الإنترنت عن طريق هواتفهم المحمولة.
الإمارات نموذجاً:
تتجه دولة الإمارات نحو اقتصاد المعرفة الرقمي بهدف أن تصبح الإمارات من أكثر الدول سعادة، فإذا أردنا الحديث عن التحول الرقمي في الإعلام، فيجب أن نأخذ في الحسبان عدد الساعات التي يقضيها الفرد على الإنترنت وقابلية الأفراد لشراء أو استخدام تطبيقات مدفوعة، على سبيل المثال فإن أكثر من 97 % من سكان الإمارات يمتلكون الهواتف الذكية، بينما أنفق سكان الإمارات ما يقرب من 320 مليون دولارعلى تطبيقات الهواتف الذكية عام 2020، تجد هذا مقبول تماماً عندما تعلم أن 99% من أفراد المجتمع الإماراتي نشيطون على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن متوسط عدد الساعات التي يقضيها الفرد في الإمارات على الإنترنت هي 7 ساعات. وإذا أردت الاستثمار في التحول الرقمي في صناعة الإعلام ستجد أن أكثر من 21 % من سكان الإمارات لديهم حساب مالي على الهاتف الذكي، وأن 83 % من مستخدمي الهواتف الذكية بالإمارات يبحثون على الإنترنت لشراء سلعة أو الحصول على خدمة.
المحتوى:
لم يعد تقديم المحتوى يتطلب آلات ضخمة أو معدات معقدة لكي ينتج الفرد محتوى جذاب، عليه فقط أن يكون مضحك للغاية أو صادم للغاية أو نافع بشكل مبتكر، وقد يجذب نفس المحتوى المشاهدين أو المستخدمين إذا تم تقديمه بطريقة جديدة وعبارات خاطفة.
الجميع الآن أصبح "صانع محتوى"، فتجد الطفل ذو السبع سنوات أو ربة المنزل أو أم لثمانية أطفال أو جدة وحفيدها أو مجموعات من الأخوة أو الأقارب أو الأصحاب قادرين على تقديم المحتوى الجاذب، لم يعد هناك حاكم أو رابط على ما يقدم، ولذلك نجد أنفسنا أمام سيل من المحتوى الهادف والرديء وفي النهاية الجمهور المستخدم له حرية الاختياروتقييم المحتوى الجيد من الردئ. وتواجه وسائل الإعلام التقليدية الآن تحدياً قوياً برغم امتلاكها المعدات والتقنيات والكوادر المدربة، فعليها أن تتبع نفس التوليفة السابقة إذا أرادت أن تواكب العصر وتأخذ خطوة جادة في طريق التحول الرقمي.
الوقت والكمية:
أصبح المشاهد لديه قدر كبير من التحكم في وقت وكمية المحتوى الذي يريد أن يشاهده وقتما شاء وكيفما شاء، فبإمكانه أن يدخل على الموقع الذي يريده و يشاهد الخبر الذي يبحث عنه في الوقت الذي يريده وفي أي مكان، وفي حالة أراد أن يبحث عن معلومة أو طريقة أو وصفة، فإن له الحرية أن يدخل على موقع اليوتيوب مثلاً ويشاهد ما يريد من الفيديوهات التي تقدم نفس المعلومة من زوايا مختلفة، مثل طرق ترتيب المنزل أو كيفية زراعة أسطح المنازل أو إصلاح الكسر في أحد الأجهزة المنزلية، بل أنه يستطيع حفظ نفس المحتوى للمشاهدة لاحقاً أومشاهدة جزء من الفيديو واستكماله فيما بعد، كل هذه الخيارات المريحة للمستخدم تمكنه من تجربة أكثر تحكماً في استهلاك المواقع الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.
على وسائل الإعلام أن تنتبه أكثر إلى ما يستهلكه أفراد الأسرة من الوسائل الإعلامية ولابد لها أن تراجع استراتيجيتها لمخاطبة المشاهدين، فلم يعد تطوير المحتوى الإعلامي هو الهدف الوحيد ولكن أيضاً استهداف فئات محددة مسبقاً واضفاء الطابع الشخصي لهذا المحتوى الموجه لتلك الفئات تحديداً من أهم الخطوات اللازمة للتحول الرقمي لوسائل الإعلام.
فنجد مثلاً أن مستخدمي موقع اليوتيوب يجلسون بهدوء في انتظار انتهاء الفقرة الإعلانية لكي يستكملون مشاهدة الفيديو الذي اختاروه، فيما يتم تحديد الفئات المستهدفة لهذه الإعلانات تبعاً لإحصائيات تم توفيرها من قبل تقنية الذكاء الاصطناعي، فالإعلان الموجه لفئة الأطفال مغاير لذلك الإعلان الموجه للأفراد في الأربعينيات من عمرهم أو السيدات في الستين وهكذا.
الذكاء الاصطناعي والطابع الشخصي:
إذا كنا نتحدث عن نوعيات المحتوى المقدم تبعاً للفئات المستهدفة، فإن الخطوة التي تليها هي تحويل هذه الفئات المستهدفة من مستخدمين أو متابعين بشكل عرضي إلى مشتركين لديهم ولاء للخدمات المقدمة، ويأتي ذلك عبر تقديم محتوى نافع ومفيد، وذو طابع شخصي.
هل صادف أنك كنت تبحث عن فندق ما في إحدى الدول وفوجئت بسيل من الإعلانات التي ظهرت لك في الأيام والأسابيع التالية لنفس البلد بنفس مواصفات الفندق الذي بحثت عنه؟؟
هل سبق أن تحدثت مع صديقك عن معاناتك مع الصداع لفترة فيظهر أمامك فجأة إعلان عن أحدث وأشهر وأضخم مستشفى تقدم الحلول المبتكرة للتخلص من الصداع نهائياً في مدينتك؟؟؟
هل كنت تبحث عن أفضل أنواع الشجر الذي يتحمل حرارة الصيف ففوجئت بإعلانات عن مزارع لبيع أفضل أنواع الشجر الذي يتحمل الحرارة وتم تطويره وتقزيمه ليتناسب مع حديقة منزلك الجديدة، بل أن إعلانات تجهيز الحدائق ستبهرك تفاصيلها الحديثة التي تشعر أنها تخاطبك أنت تحديداً؟؟
وهذا ببساطة لأنها بالفعل تخاطبك أنت تحديداً، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على جمع بيانات المستخدم وتحليلها، حيث تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانية استكشاف ما يحبه المستخدم وما يكره من خلال دراسة سلوكه السابق وصفاته حيث تستخدم نماذج وبرامج إحصائية للتنبؤ بتصرفات العميل المستقبلية، وأنماط السلوك والاهتمامات والأنشطة التي يقوم بها ملايين الأشخاص كل يوم.
المنصات المتعددة لنفس المحتوى:
إن التحول الرقمي في الإعلام أتاح خيارات مختلفة وأسواق جديدة لنفس المحتوى فيتم تداول أخباره والتعامل معه كترند في نفس الوقت على منصات مختلفة مما يمكن الشركات المعلنة من الاستفادة من الإعلانات على تلك المنصات بطريقة متوازية وعن طريق استهداف شرائح مختلفة من مستخدمي الإنترنت تبعاً لأنماط سلوكهم المختلفة.
فبينما أنت تشاهد المسلسل المفضل لك الذي طلبته من خدمة "الفيديو حسب الطلب" On Demand فإن بطل المسلسل يقوم بالتعليق على مشاهده وكواليس العمل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيما اتحد محبي المسلسل حول العالم ليقوموا بتدشين وسم خاص باسم المسلسل وينشرون عليه في نفس الوقت، فتقوم أنت بمشاركة منشور حول حماسك لهذه الحلقة تحديداً وانتظار بطل المسلسل أن يهزم جيوش الفضائيين الذين هجموا على قريته، وهكذا فإن التحول الرقمي أتاح الوصول لشرائح أكثر وانتشار أوسع.
وقد قطعت وسائل الإعلام في الدول المتقدمة شوطًا كبيرًا وحققت تقدما ملحوظاً في مجال التحول الرقمي ولكن على وسائل الإعلام التقليدية في المجتمعات العربية التي لا تزال تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال، أن تدرك أن التحول الرقمي يتطلب تغييرًا حقيقيًّا في هيكلة عمل المؤسسات الإعلامية وتحولاً جذريًا في صناعة المحتوى الإعلامي وطرق تقديمه للجمهور والتحرر من القوالب الجامدة والساكنة، وابتكار أساليب جديدة تعزز قدرتها على التأثير من خلال منصات تفاعلية تواكب احتياجات الجمهور وأذواقه.
المراجع:
Four digital trends reshaping the media industry: http://reports.weforum.org/digital-transformation/digital-trends-in-the-media-industry/
Top 4 Digital Transformation Trends in Media and Entertainment for 2020: https://fowmedia.com/top-4-digital-transformation-trends-in-media-and-entertainment-for-2020/
Top 5 Digital Transformation Trends Disrupting the Media and Entertainment Industry in 2021: https://www.kelltontech.com/kellton-tech-blog/top-5-digital-transformation-trends-disrupting-media-and-entertainment-industry-2021
Top 5 Digital Transformation Trends in Media and Entertainment : https://convergetechmedia.com/top-five-digital-transformation-trends-in- media-and-entertainment/
https://bit.ly/3iIfo2p :الإعلام والتحول الرقمي: Arab media & Society