يُظهر هذا المسار أن محمد الداهي لا يكتفي بالاشتغال على النصوص الأدبية في حدودها الجمالية، بل يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم النقد ذاته، عبر استلهام الأدوات والمفاهيم الحديثة في النقد الغربي، ثم إعادة توطينها في السياق العربي، ليبرهن أن العرب – شأنهم شأن غيرهم من الأمم – قادرون على الإسهام في المسار الكوني للمعرفة الأدبية والفنية. إنّ هذا الانخراط يضعه في مصاف النقاد العرب والمغاربة الذين يطمحون إلى تأسيس نقد جديد، يتجاوز التكرار ويواكب التحولات المعرفية الكبرى.
إنّ كتاب "جراح السرد" يندرج في هذا الأفق، حيث يُحفّز الضحايا على المكاشفة بسرد محكياتهم الموازية، ويمنحهم إمكانية تضميد جراحهم الرمزية عبر الكتابة. بهذا المعنى، يصبح الأدب أداة علاجية، ووسيلة لإعادة بناء الذات والجماعة، ومجالًا لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالآخر، وفي صدمة الغيرية التي تُعيد تشكيل الهوية وتفتحها على أفق إنساني أوسع.
المحتويات العامة
يأتي كتاب "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" للدكتور محمد الداهي امتدادًا طبيعيًا لمسار نقدي طويل، سبق أن دشّنه بعمله "صورة الأنا والآخر في السرد" (2013)، وهو الكتاب الذي نفد سريعًا بعد صدوره وترك أثرًا بالغًا في الذاكرة النقدية العربية، لما حمله من جرأة في مساءلة علاقة الذات بالآخر وتمثيلها سرديًا. غير أن السنوات التي تلت صدور ذلك العمل لم تكن عادية؛ فقد شهد العالم العربي تحولات جيوسياسية عاصفة، واستقواءً متزايدًا للغرب، وتفككًا داخليًا للأمة العربية، فضلًا عن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل وحلفاؤها بحق الشعب الفلسطيني، والتي شكّلت صدمة جماعية وإنسانية عميقة. هذه السياقات التاريخية والسياسية لم تكن مجرد خلفية، بل كانت دافعًا مباشرًا للكاتب كي يعيد النظر في موضوعه، ويوسّع أدواته ومصادره، ويستعين بمقاربات جديدة مثل السيميائيات ودراسات الصدمة (Trauma Studies)، ليمنح مشروعه النقدي أفقًا أكثر تركيبًا وشمولًا.
لقد وسّع الداهي المتن المدروس ليشمل أربع عشرة رواية وتسع عشرة سيرة ذاتية، موزعة بين خمسة عشر عملًا عربيًا وثمانية عشر عملًا غربيًا، مما يعكس حرصه على المقارنة بين التجارب السردية في المركز والمحيط، وعلى إبراز كيفية تفاعل الأدب مع الصدمات التاريخية والوجودية عبر ثقافات متعددة. هذا التوسيع لا يقتصر على الكم، بل يفتح المجال أمام مساءلة عميقة للكيفية التي يُعاد بها بناء الهوية عبر السرد، وكيف يُستخدم الأدب كأداة مقاومة أو تضميد لجراح الذاكرة.
قسّم المؤلف كتابه إلى بابين رئيسيين:
في القسم الأول، تناول كيفية تلقي الإنسان العربي "صدمة الإمبراطورية" وتمثّلها فنيًا وأدبيًا، باعتبارها تجربة وجودية تسعى إلى مقاومة القوى التي تدير وتدبّر آليات التحقير والطمس، وتكريس الدونية والاغتراب الثقافي. هنا درس روايات سهيل إدريس، محمد المعزوز، جاسم الرصيف، إلى جانب السير الذاتية لـ فدوى طوقان، عبد الهادي الشرايبي، عبد الله العروي، عبد الغني أبو العزم، ليكشف كيف تحوّل السرد إلى مساحة مواجهة مع الآخر المستعمِر، وإلى وسيلة لإعادة بناء الذات في مواجهة التبعية.
أما القسم الثاني، فقد خصّصه لأعمال أدبية يستخدم أصحابها – سواء من المركز أو من المحيط – لغة الإمبراطورية نفسها، لكن ليس بوصفها أداة هيمنة، بل كوسيلة لإعادة التملك وتوظيفها في خدمة مقاصد الشعوب المستعمَرة سابقًا وتطلعاتها التحررية. بهذا المعنى، يصبح السرد ردًا مضادًا على المزاعم الكولونيالية التي تتجدد بأشكال مختلفة لتكريس العقود المفروضة على التابعين (العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي). وقد اعتمد الداهي هنا على متون روائية لـ جان-ماري لوكليزيو، موريس لوغلاي، عبد الرزاق قرنح، وعلى متون سير ذاتية لـ إدوارد سعيد وآني إرنو، ليبرهن أن الأدب قادر على قلب المعادلة، وتحويل لغة السلطة إلى لغة مقاومة.
المرجعية المعرفية والنقدية
في هذا السياق، يوظف المؤلف أطاريح عدد من المفكرين والباحثين البارزين مثل تزفيتان تودوروف، بول ريكور، باسكال أوري، ألكسندر جيفن، برونو بتلهايم، وجوديت باتلر وغيرهم، ليستفيد من مقارباتهم في تحليل الجراح من زوايا متعددة: فلسفية، سيميائية، أنثروبولوجية، ونفسية. هذا التعدد المرجعي لا يهدف فقط إلى إثراء الإطار النظري، بل أيضًا إلى إضاءة كيفية تجلي الجراح في المتنين العربي والغربي؛ ففي المتن العربي يبرز كيف تألم العرب من جراح الهيمنة الغربية، بينما في المتن الغربي يتضح كيف تجرأ كتّاب على الرد بالكتابة على ما تُحدثه لغة الغرب من جراح في نفوس المهاجرين أو المواطنين الذين يعانون من الهجنة الهوياتية.
إلى جانب ذلك، يواصل الداهي – على غرار مؤلفاته السابقة – الانفتاح على مرجعيات نقدية حديثة صدرت منذ مطلع الألفية الجديدة، باللغات الأصلية وفي مظانها الغربية، دون أن يغفل المصادر الكلاسيكية التي تساعد على تحديد طبيعة النص الأدبي وأدبيته وفنيته. كما يوازن بين هذه المرجعيات الغربية وبين مصادر عربية أصيلة مثل أعمال عبد الله العروي، عبد الكريم الخطيبي، جورج طرابيشي، إضافة إلى ترجمات عربية لأعمال مفكرين عالميين مثل إدوارد سعيد، بيل أشكروفت، غاريت غريفيث، هيلين تيفن وغيرهم. هذا المزج بين المرجعيات المحلية والعالمية يعكس حرصه على بناء خطاب نقدي مركّب، قادر على استيعاب التحولات المعرفية الكبرى، وفي الوقت نفسه متجذر في السياق الثقافي العربي.
المقاربة الممتدة أفقياً وعمودياً
أفقياً، يوسع الداهي مجال النظر ليشمل الجراح التي تعاني منها السرديات العربية نتيجة التركة الاستعمارية، حيث درس نماذج من الروايات والسير الذاتية العربية التي تكشف عن أثر الاستعمار في تكريس التبعية والهيمنة، كما في روايات موريس لوغلاي التي تعيد إنتاج خطاب التفريق بين المغاربة وتثبيت دونيتهم. في المقابل، يتوقف عند تجارب كتاب غربيين مثل آني إرنو وجان-ماري لوكليزيو، أو كتاب منفيين مثل إدوارد سعيد وعبد الرزاق قرنح، الذين واجهوا بدورهم جراح الاستعمار والاغتراب، فاختاروا تملك لغة الإمبراطورية نفسها – لغة الخصم والحكم – والرد بها على مزاعم الاستعمار الجديد ومعايير المؤسسة الأدبية المهيمنة. بهذا المعنى، يصبح السرد فضاءً للتفاوض مع السلطة، وأداةً لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر.
يقترن هذا العقد الاستعماري بـ العقد الاجتماعي الذي صُوِّر وكأنه يعكس الذهنية الغربية وحدها، بينما تُركت الشعوب المستعمَرة في "الحالة الطبيعية"، وكأنها خارج التاريخ. هذا التصور رسّخ في المخيال الغربي أن الديمقراطية والتمدن حكران على الغرب، بينما تُعتبر في المجتمعات الأخرى مجرد ألفاظ طائشة تحتاج إلى قرون لتترسخ. وهنا يبرز ما يسميه الداهي بـ المفارقة الزمنية (Anachronism)، أي وضع المجتمعات المستعمَرة في موقع متأخر زمنيًا، وكأنها تسير دومًا خلف الغرب. هذه المفارقة تستدعي اليوم زحزحة المركزية الغربية، وتبني نماذج بديلة للتنمية والنهضة، والإيمان بدور المثقف التنويري في تسريع الزمن التاريخي وتحقيق الطفرات، كما أشار عبد الله العروي في كتابه "العرب والفكر التاريخي".
تضميد الجراح الرمزية
يتطلب هذا المسار أيضًا تنقية اللغة من الألفاظ الجارحة التي تعيد إنتاج صور التحقير، والحد من توظيف الذاكرة بشكل أيديولوجي انتقائي يركّز على أحداث بعينها ويطمس أخرى، بما يحوّلها إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتعلم والعبرة. فالتضميد لا يتحقق إلا عبر إصدار العفو عن معتقلي الرأي، وإنصاف المظلومين الذين زُجّ بهم في السجون دون محاكمة عادلة، ومنحهم الحق في الدفاع عن أنفسهم. كما يقتضي تجاوز كل ما يعيد إحياء المآسي ويثير الخصومات بين البشر، لصالح بناء ذاكرة مشتركة تقوم على الاعتراف المتبادل لا على التناحر.
وفي السياق نفسه، يصبح من الضروري ترسيخ المصالحة التاريخية بين مختلف الأجناس والثقافات، بما يعزز القيم النبيلة التي تؤسس للوئام الإنساني. هذه المصالحة لا تقوم على الانتماءات العرقية أو الدينية أو الجغرافية، بل على مردود المواطن وفاعليته في مجتمعه، وعلى مؤهلاته وقدراته التي ينبغي أن تكون معيارًا وحيدًا للتقدير. بهذا المعنى، يتحول تضميد الجراح الرمزية إلى مشروع حضاري شامل، يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الماضي والمستقبل، في أفق إنساني يتجاوز الحدود الضيقة نحو بناء عالم أكثر عدلًا وتوازنًا.
