هنا تأتي أهمية شهر التوعية بمرض الثعلبة، الذي يُحتفى به في سبتمبر من كل عام للتعريف بالثعلبة البقعية، وتقليل الوصمة المرتبطة بها، ودعم الأشخاص الذين يعيشون معها.
وفي الوقت الذي يتزامن فيه سبتمبر مع الانتقال من أجواء الصيف إلى الخريف، قد يصبح الحديث عن تساقط الشعر أكثر حضوراً في روتين العناية والجمال. لكن من المهم أن تعرفي أن الثعلبة البقعية ليست مجرد تساقط شعر موسمي، وليست نتيجة حتمية للتوتر أو سوء العناية بالشعر؛ إنها مرض مناعي ذاتي يمكن أن يظهر في أي عمر، ويحتاج إلى تقييم طبي دقيق.
ما هي الثعلبة البقعية؟ مرض مناعي يظهر على هيئة تساقط شعر
الثعلبة البقعية، أو Alopecia Areata، هي نوع من تساقط الشعر غير الندبي يحدث عندما يهاجم جهاز المناعة بصيلات الشعر عن طريق الخطأ. وتكمن أهمية وصفها بأنها «غير ندبية» في أن بصيلات الشعر لا تُدمَّر عادةً بشكل دائم، وبالتالي تظل إمكانية عودة نمو الشعر قائمة، حتى في بعض الحالات التي يكون فيها فقدان الشعر واسعاً أو استمر لفترة طويلة.
وقد تبدأ الثعلبة بصورة بسيطة للغاية: بقعة واحدة مستديرة أو بيضاوية بحجم قطعة نقدية تقريباً، ثم قد تبقى محدودة أو تتوسع أو تظهر بقع جديدة في أماكن أخرى.
لكن الصورة ليست واحدة لدى جميع النساء. فقد تؤثر الثعلبة في فروة الرأس، أو الحاجبين، أو الرموش، أو مناطق أخرى من الجسم ينمو فيها الشعر.
وتشير مراجعة وبائية عالمية نُشرت في British Journal of Dermatology عام 2024، وشملت 88 دراسة من 28 دولة، إلى أن الثعلبة البقعية تمثل عبئاً صحياً ونفسياً مهماً، مع تقدير معدل الانتشار مدى الحياة بنحو 0.10% في عموم السكان عالمياً، مع اختلاف واضح بين المناطق والدراسات. كما أشارت الدراسة إلى وجود فجوات كبيرة في البيانات الوبائية، خصوصاً في بعض البلدان والمناطق.
لماذا تحدث الثعلبة؟ عندما يخطئ جهاز المناعة الهدف
لفهم الثعلبة، تخيّلي بصيلة الشعر كأنها مصنع صغير يعمل وفق دورة دقيقة من النمو والراحة والتساقط. في الثعلبة البقعية، يتدخل جهاز المناعة بصورة غير صحيحة ويستهدف بصيلات الشعر، ما يؤدي إلى توقف أو اضطراب دورة نمو الشعر في المناطق المصابة. ولا يوجد سبب واحد يمكن أن نفسر به جميع الحالات.تلعب العوامل الجينية والمناعية دوراً في قابلية الإصابة، وقد تكون الثعلبة أكثر احتمالاً لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بها.
كما ترتبط لدى بعض الأشخاص بحالات مناعية أخرى مثل أمراض الغدة الدرقية والصدفية والبهاق.
فبعض الأشخاص يتذكرون مرورهم بفترة ضغط نفسي شديد أو أزمة قبل ظهور بقع الشعر، وقد يكون التوتر عاملاً محفزاً لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد للإصابة، لكنه ليس السبب الوحيد، ولا يعني أن المرأة تسببت في مرضها لأنها كانت متوترة.
كيف تبدو أعراض الثعلبة البقعية؟ علامات تستحق انتباهكِ
فقدان شعر الحاجبين أو الرموش.
- ظهور مناطق خالية من الشعر في الذراعين أو الساقين أو مناطق أخرى من الجسم.
- ترقق مفاجئ وواسع في الشعر بدلاً من ظهور بقع واضحة، وهو ما يُعرف بالثعلبة البقعية المنتشرة.
- تغيرات في الأظافر لدى بعض المصابين، مثل الحفر الصغيرة أو خشونة سطح الظفر أو التشقق.
لكن لا تحاولي تشخيص نفسكِ اعتماداً على الصور وحدها؛ فهناك أنواع أخرى كثيرة من تساقط الشعر قد تبدو مشابهة في بدايتها.
أنواع الثعلبة ليست واحدة: من البقع المحدودة إلى فقدان الشعر الواسع
قد تسمعين مصطلحات مختلفة عند الحديث عن الثعلبة، وكل منها يصف نمطاً معيناً من فقدان الشعر.
- الثعلبة البقعية Patchy Alopecia Areata: وهي الصورة الأكثر شيوعاً، وتظهر على شكل بقعة واحدة أو عدة بقع مستديرة أو بيضاوية خالية من الشعر. وقد تبقى محدودة أو تتطور إلى مناطق أوسع.
- الثعلبة الكلية Alopecia Totalis: في هذه الحالة يمتد فقدان الشعر ليشمل كامل فروة الرأس، بدلاً من اقتصاره على بقع محددة.
- الثعلبة الشاملة Alopecia Universalis: وهي من أكثر الأشكال اتساعاً، إذ يمكن أن يفقد الشخص الشعر في كامل الجسم، بما في ذلك فروة الرأس والحاجبين والرموش وشعر الجسم.
- الثعلبة المنتشرة Diffuse Alopecia Areata: قد لا تمنحكِ الثعلبة هنا الشكل التقليدي للبقع الدائرية. بدلاً من ذلك، يحدث ترقق مفاجئ وواسع في الشعر، ما يجعلها أكثر صعوبة في التمييز عن حالات أخرى مثل تساقط الشعر الكربي Telogen Effluvium أو الصلع الوراثي لدى النساء.
- نمط Ophiasis: في هذا النمط يظهر فقدان الشعر على شكل شريط يمتد على جانبي مؤخرة الرأس وحواف فروة الرأس.
هل تساقط الشعر في الخريف يعني أنكِ مصابة بالثعلبة؟
فليس كل تساقط شعر يعني الإصابة بالثعلبة البقعية. هناك أسباب عديدة لتساقط الشعر، منها التغيرات الهرمونية، ونقص بعض العناصر الغذائية، والمرض أو الحمى، وفقدان الوزن، والضغط الجسدي والنفسي، وبعض الأدوية، إضافة إلى تساقط الشعر الكربي وغيرها من أنواع فقدان الشعر.
لذلك، إذا لاحظتِ زيادة في الشعر المتساقط مع بداية الخريف، لا تفترضي مباشرة أن السبب هو الثعلبة. وفي المقابل، إذا ظهرت بقعة خالية من الشعر بشكل مفاجئ، فلا تفسريها على أنها «تساقط موسمي» وتنتظري شهوراً قبل استشارة الطبيب.
كيف يشخّص الطبيب الثعلبة؟
التشخيص يبدأ عادةً من الفحص السريري الدقيق.
وفي بعض الحالات قد يحتاج الطبيب إلى فحوص إضافية، مثل تحاليل الدم للتحقق من بعض الأسباب المصاحبة، بما فيها أمراض الغدة الدرقية أو نقص الحديد وبعض الفيتامينات، وفقاً للأعراض والتقييم السريري. وفي حالات محددة قد تُجرى خزعة من فروة الرأس إذا كان التشخيص غير واضح.
هل يمكن علاج الثعلبة؟ وما الخيارات المتاحة اليوم؟
من المهم التفريق بين عبارتين: لا يوجد حتى الآن علاج نهائي يضمن القضاء على الثعلبة البقعية إلى الأبد، لكن توجد علاجات يمكن أن تساعد على إعادة نمو الشعر والسيطرة على المرض لدى بعض المرضى.
في الحالات المحدودة، قد يختار الطبيب المراقبة فقط لفترة معينة، لأن بعض حالات الثعلبة البقعية قد تشهد عودة تلقائية لنمو الشعر. وفي حالات أخرى قد تُستخدم الكورتيكوستيرويدات الموضعية أو الحقن داخل المناطق المصابة وفق تقييم الطبيب، وقد تُستخدم خيارات إضافية بحسب الحالة.
فقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA على baricitinib عام 2022 لعلاج البالغين المصابين بالثعلبة البقعية الشديدة، ثم ritlecitinib عام 2023 لعلاج الثعلبة البقعية الشديدة لدى البالغين والمراهقين بعمر 12 عاماً فأكثر، كما تمت الموافقة عام 2024 على deuruxolitinib لعلاج البالغين المصابين بالثعلبة البقعية الشديدة.
وفي أحدث التوصيات الأمريكية للبالغين المصابين بالثعلبة الشديدة، أصبحت مثبطات JAK الفموية المعتمدة خياراً أولياً رئيسياً، مع التأكيد على أن هذه التوصيات تخص فئة محددة من المرضى ولا تنطبق تلقائياً على الأطفال أو الحوامل أو جميع حالات الثعلبة الخفيفة والمتوسطة.
هل يعود الشعر بعد الثعلبة؟
وبما أن الثعلبة البقعية عادةً لا تدمر بصيلات الشعر بشكل ندبي، يمكن للبصيلات أن تستعيد نشاطها وينمو الشعر من جديد. لكن مسار المرض غير متوقع؛ فقد ينمو الشعر ثم تحدث نوبة جديدة من التساقط، وقد تبقى الحالة محدودة لدى بعض الأشخاص، بينما تتطور لدى آخرين إلى فقدان شعر أكثر اتساعاً.
والأفضل أن تنظري إلى العلاج باعتباره إدارة لحالة مزمنة قابلة للتقلب، وليس سباقاً لاستعادة الشعر بأسرع وقت ممكن.
الثعلبة قد تأتي على هيئة بقعة صغيرة، وقد تكون أكثر اتساعاً وتعقيداً، وقد تختفي ثم تعود. لكن في كل الحالات، لا تختصر الإنسان في كمية الشعر التي يملكها.
إذا كان التساقط مجرد زيادة عابرة، فمعرفة السبب ستمنحكِ الطمأنينة. وإذا كان هناك نمط غير معتاد، فإن اكتشافه مبكراً يضعكِ على الطريق الصحيح. وإذا كان التشخيص هو الثعلبة البقعية، فاعرفي أن عالم علاجها تطور كثيراً، وأن الخيارات اليوم أكثر تقدماً مما كانت عليه في الماضي.
