مستقبل التربية على القيم في ظل التحولات العالمية المعاصرة

د. خالد الصمدي

عرف الفكر المعاصر تدافعاً بين التيارات الداعية إلى علمنة المجتمع، وفصل الدين عن الدولة؛ بتسويغ الحداثة والانخراط في العالمية الاقتصادية والثقافية، بعيداً عن القيود الدينية، وبين التيارات الداعية إلى التمسك بأصول الهوية الإسلامية، والانفتاح الموزون على التجارب العالمية الإيجابية، والتي تستوعبها مقاصد الشريعة الإسلامية، بما تكفله من رقي حضاري بمختلف أشكاله؛ اعتماداً على مبدأ الاستخلاف.

وقد وجدت هذه الدعوات تجلياتها وآثارها في المجتمع المسلم، في مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، رصدتها كتابات ودراسات وتحليلات، ركَّزت على تتبع مختلف مداخل التأثير في الهوية الحضارية للشعوب الإسلامية، فأجمعت على خطورة مدخل التربية والتعليم في هذا التدافع، بين مختلف المداخل القيمية المؤطرة لتصورات الأجيال، والموجهة لقناعتهم وأفكارهم على المدى المتوسط والبعيد. ويكفي أن تقرأ فصولاً من كتاب (واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين) لسعيد عبد الحكيم زيد؛ لتقف على معطيات تاريخية وشهادات ووثائق مهمة، تثبت خطورة تركيز المخططين للسيطرة على العالم الإسلامي على ملف التربية والتعليم، بدأ بما سمي بإصلاح معاهد التعليم التقليدية كالأزهر والقرويين، وتغيير مناهج التعليم بفصل العلوم الشرعية عن العلوم التجريبية، وإنشاء معاهد التعليم الغربية، ونشر البعثات الأجنبية، ودعم المراكز الثقافية الغربية أو المتغربة.

وقد قدم الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي دراسة قيّمة، رصد فيها نشأة العلمانية وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، وخصص الفصل الثاني من الكتاب لمظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، ومنها مجال التربية والثقافة، مستعرضاً اللحظات التاريخية ومخططات الاستعمار الفرنسي والإنجليزي. بدأ بمرحلة ما بعد الحروب الصليبية، مبرزاً وسائل وطرق تغيير برامج ومناهج التعليم، وطرق ووسائل التدريس بين التعليم الأصيل والتعليم العصري، المستحدث في مصر وسوريا والمغرب؛ بدعم من الدول المستعمرة. والنتيجة يقول مؤلف الكتاب: «نشأة جيل مقطوع الصلة بدينه، مفتون بالغرب وتياراته الثقافية المختلفة التي تتفق في شيء واحد، هو تحللها من الالتزام بالدين»(1).

كان ذلك نتيجة طبيعية للفصل بين العلم والأخلاق، ستجد آثارها السلبية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية على المستوى العلمي، كما نرى ونشاهد في عصرنا الحاضر.

وقد بيَّن الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه (سؤال الأخلاق) وضعية الانفصال بين العلم والأخلاق، منتقداً موقف العقلانية من القيم الخلقية، حيث يقول: «تزيد معارضة هذه العقلانية للاعتبار الديني درجة على معارضة أختها التنظيمية له، ذلك أنها لا تقتصر على إسقاط القيم الأخلاقية، وإنما تتعداه إلى إسقاط الأصول الأخلاقية الدينية، ومعلوم أن الأصول الأخلاقية هي جملة المعايير والقيم الرئيسة التي تتولد منها باقي المعايير والقيم السلوكية تَوَلُّد الفرع من الأصل، فلما كانت العقلانية الانتظامية تسعى إلى إنشاء بنية أخلاقية جديدة للإنسان، فقد لزم أن تقوم الأصول الاصطناعية الأولى التي تضعها لهذه البنية الأخلاقية الجديدة، مقام الأصول المعنوية الروحية المبثوثة بالخلقة في الإنسان؛ أي أن تقوم مقام ما يسميه الدين بمعاني الفطرة الإنسانية، وعلى هذا فإن عقلانية الانتظام تطلب في نهاية المطاف تغيير هذه الفطرة التي خُلق عليها الإنسان»(2).

وقد أحس العالم اليوم، سواء الإسلامي أو الغربي، بخطورة هذا الانفصال بين التعليم والقيم، وأخذت كثير من الأقلام التربوية تدعو إلى إعادة الصلة بينهما لما لذلك من تأثير في إعادة بناء الإنسان، فالغرب هو الذي دعا في نهاية القرن 19 إلى ضرورة الفصل بين التعليم والدين، بل وصدر مرسوم بذلك في 23 فبراير 3291م، وبصدوره اختفت من البرامج الرسمية كل الواجبات تجاه الإله، وظلت المدرسة مستقلة عن كل تعليم ديني(3).

غير أنه لم يكد القرن العشرون ينتصف حتى كان هذا الفصل قد أحدث انعكاسات تربوية سلبية على الواقع التربوي والأخلاقي عند التلاميذ والطلبة في المجتمع الغربي، الشيء الذي دفع «فيلبس كوبس» في كتابه (الأزمة التربوية العالمية) للقول: «إن الاضطراب الثقافي الذي نجم عن الثورات العلمية والتقنية الأخيرة جعل من التربية الأخلاقية موضوع اهتمام ودراسة، ففي القرن التاسع عشر كانت هذه التربية تشكّل قاعدة البرامج التعليمية في سائر بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية، ثم إن الطابع القروي كان لا يزال سائداً، كما أن الحركة العمرانية الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسرية متينة، والاعتقادات والمؤثرات الدينية قوية... لكنه ابتداء من العقد الرابع للقرن العشرين، أي منذ 0391م، حصل تغيير جذري في المناخ الاقتصادي والسياسي والتربوي، كان من نتائجه أن اعتبرت التربية الأخلاقية أمراً بائداً ومنطوياً على مغالطة تاريخية، وهكذا تم إهمال هذه التربية من قِبَل المدرسين والمشرفين على التعليم، وظلت على هذا النهج حتى نهاية السبعينيات، وقتئذ حصل الاضطراب الثقافي المشار إليه آنفاً محدثاً أنواعاً من الأزمات الاجتماعية التي أقلقت بال السياسيين والمشرعين والمشرفين على المدارس وأولياء الأمور.

وإذا كان هذا التوصيف لأزمة التعليم عند فصله عن القيم قد ظهر في الغرب وتحدث عنه علماء التربية؛ فإن كثيراً من الباحثين في العالم الإسلامي يحذّرون من هذا الفصل بين التعليم والقيم في التجارب التعليمية والنظم التربوية. يقول الدكتور محمود محمد سفر: «إن من الحق أن نقرر: أن التعليم نشأ في أقطار العالم الإسلامي نشأة كان التعليم الديني فيها هو نقطة الارتكاز؛ إذ كانت له حلقات ومدارس اتخذت من المسجد منطلقاً ومقراً، وقد تطور التعليم الديني من حيث مناهجه في شتى أقطار العالم الإسلامي فعلاً مرة وسمق، وهبط أخرى وتأخر، ولكنه استمر ـ على كل حال ـ يشكّل الحياة العامة للمسلمين، حتى دقت نواقيس الحضارة الأوروبية وجلبت معها بخيلها ورجلها العلم الأوروبي، وانبهر المسلمون بما حققه هذا العلم الأوروبي... ومن هنا بدأ صراع صامت بين أسلوب التعليم القديم وبين الأساليب الحديثة، واستقر الرأي في كثير من ديار الإسلام أن تترك معاهد التعليم الديني على مناهجها، ونتجاوزها بتقديم العلم الحديث بأساليبه ومناهجه في معاهد جديدة... إن ازدواجية التعليم في العالم العربي والإسلامي مشكلة يجب إعادة النظر فيها؛ من أجل نظام تعليمي موحد ينبثق عن أحسن ما في القديم وأفضل ما في الحديث»(4).

وبهذا تلتقي النداءات التربوية بضرورة عودة المؤسسة التعليمية إلى ممارسة دورها في التعليم إلى جانب ترسيخ القيم الحضارية للمجتمع؛ لأن كل البلدان ترى في المدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل على صياغة المجتمع، وذلك بالحفاظ على ثقافته وقيمه، كما تعمل في الوقت نفسه من أجل تجديده، وذلك عن طريق استيعاب ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من رقي وتقدم في مجالات مختلفة، مثل العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال(5).

وهكذا يظهر الارتباط الوثيق بين التربية والمجتمع؛ في كون التربية الأداة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توظفها المجتمعات والجماعات البشرية للمحافظة على استمرارها، وإعادة إنتاجها الاجتماعي والثقافي من جهة، ولتجديد مقوماتها وتطويرها الذاتي من جهة ثانية(6).
وهكذا تعبر مختلف النداءات والدعوات بمصطلحات مختلفة (التعليم والقيم، التربية القديمة والتربية الحديثة، التربية والمجتمع) عن ضرورة إعادة تشكيل هذه العلاقة في نسيج موحد المقاصد والأهداف حتى تحقق النظم التعليمية رسالتها(7).

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، لإعادة التعليم إلى حضن التربية كجزء منها، وكوسيلة لتحقيق عبادة الله في الأرض وخلافته فيها. فكيف صاغ الإسلام نظريته التربوية المستجيبة للفطرة، الثابتة في الأصول والمقاصد، المستوعبة للمتغيرات في الطرق والوسائل؟ ذلك ما سنحاول عقد مقاربة له من خلال المحاور الآتية:

  1. سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة.
  2. نظام التعليم مدخل التربية على القيم.
  3. نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية.

 سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة:

في خضم التحولات التي يعرفها العالم المعاصر؛ أصبح سؤال الهوية يطرح نفسه بحدة، وأصبح الحديث عن الخصوصيات الثقافية زمن العولمة مثار جدل واسع في أوساط المهتمين بالمسار الحضاري لكل بلد وقطر وإقليم. ويمكننا القول إن محاولات التنميط الثقافي والاجتماعي بعد النجاح القهري في عولمة الاقتصاد؛ يمر بالضرورة عبر إعادة خلخلة منظومة القيم التي تحفظ لكل بلد خصوصياته، وهكذا أصبحت النظرة إلى قضايا السكان والتنمية وحقوق الإنسان تأخذ بعدها الدولي من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وتجد الأصوات المنادية بالخصوصية الحضارية للشعوب ترفع أصوات الاحتجاج والاعتراض والتحفظ على كل ما يمس أسسها العقائدية والفكرية وما لا ينسجم وواقعها، وتحاول أن تستصدر من هذه المؤتمرات توصية تمكنها من تكييف التوصيات الدولية مع خصوصياتها.

إلا أن الأمر بالنسبة للقيم الإسلامية يتجاوز الحديث عن الخصوصيات الإقليمية، لكونها قيماً عالمية وكونية على الأقل من الناحية النظرية، وهذا هو الذي يدفعنا في اتجاه الانتقال من الدعوة إلى مراعاة الخصوصيات إلى الدعوة إلى حوار الحضارات لبناء حد أدنى من القيم الإنسانية المشتركة.

وحين ننظر إلى الواقع نجد أن الدعوة إلى ضرورة الاعتراف بالخصوصيات الحضارية للشعوب التي لا تحمل خصوصيات عالمية، أو الحديث عن حوار الحضارات، تصطدم بالاتجاه العالمي الأحادي النظرة، المسنود بالقوة الاقتصادية وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، والذي يدعو الجميع إلى الانخراط في سياق العولمة بقيمها ومبادئها، فانتقل العالم من حوار الحضارات إلى صراع القيم وإعادة تشكيل عقل الإنسان وفق أنماط محددة.

ومن هنا أصبح الحديث عن ضرورة إعادة النظر في البرامج والمناهج التعليمية، خاصة في بعض البلدان الإسلامية التي يُدَّعى أنها ترسخ ثقافة العنف، والمطالبة بضرورة احترام المواثيق الدولية في صياغة قوانين الأسرة والتعليم والصحة وغير ذلك مما له صلة مباشرة بمنظومة القيم.

وفرق بين أن تمارس هذه البلدان نقداً ذاتياً تحاول من خلاله إعادة النظر في منظومة التربية والتعليم بالاستناد إلى منظومة القيم التي تؤمن بها، وبين أن تكون تحت ضغوط سياسية واقتصادية تدفعها إلى إعادة النظر في منظومة القيم ذاتها، وتحاول أن تقنع نفسها ومحيطها بضرورة إعادة صياغة سؤال القيم، فتقول: ما هي القيم التي ينبغي أن تحكم نظامنا التربوي؟ ومن ثَمَّ ما هي القيم التي ينبغي أن تحكم المجتمع؟

والخيار في نهاية المطاف يسير في اتجاهين:

إما خيار تعزيز منظومة القيم الإسلامية، وذلك عن طريق إعادة النظر في كيفية بناء المفهومات لدى المتعلم وأساليب ذلك وطرقه، والوسائل العلمية والمقاربات التربوية والتقنية الكفيلة بإبراز هذه القيم في صورتها الواضحة المشرقة، وبعدها الإبداعي، وعالميتها المرتكزة على الرحمة بالناس، ودورها في حل الأزمات والإشكالات التي يتخبط فيها المجتمع المعاصر.
وإما خيار الانخراط في منظومة القيم المادية التي تسوّقها العولمة بواسطة الإعلام والاقتصاد والقوة العسكرية، ومن ثَمَّ الذوبان في مسلك حضاري تتشكل معالمه بعيداً عن أساليب الإقناع والحجاج والحوار والتثاقف، واحترام الاختلاف والخصوصيات الحضارية للشعوب.

ومعلوم أن كثيراً من المفكرين المسلمين، بل وغير قليل من غير المسلمين، يدعون إلى ضرورة حماية الخصوصيات الحضارية للشعوب، ويعتبرون أن التحول في القيم تحول في الذات الحضارية بالضرورة، وأن أخطر ما يغير في الإنسان قيمه، وأن ما يهدد الكيانات الحضارية لا يكمن في الغزو العسكري ولا في الأمراض المادية الماحقة، فقد أبيدت أمم بكاملها ولكنها انبعثت من جديد؛ لأن جذوة القيم كانت لا تزال حية فيها.

وعليه؛ فإن الخيار الأول يبرز إلى الواجهة وتكون الصياغة الصائبة للسؤال أن تقول:
كيف يمكن أن تكون القيم الإسلامية قيماً للتغيير؟ عوض أن تقول: كيف يمكن تغيير القيم الإسلامية؟

نظام التعليم مدخل للتربية على القيم:

إذا كان الطفل منذ مراحل نموه الأولى يبني قدراته ومهاراته وقدراته وخبراته وتصوراته عن طريق التعلم من المحيط كمدرسة أولى أو من التعليم النظامي كمدرسة ثانية؛ فإن المدخل الطبيعي لتشكيل شبكة المفهومات في ذهنه، ومن ثم نوع القيم التي توجه سلوكاته ووجدانه، هو ما يُقدم له من أنماط التعلم، وما يشترك فيه من أنشطة تعليمية تعلمية مندمجة، تشكل في نهاية المطاف المنهاج التعليمي الذي ترسمه خبرات الكبار للصغار؛ انطلاقاً من الخيارات الكبرى التي تحكم مسار الأمة الحضاري.

ومن هنا تكمن خطورة نظام التعليم في أي بلد، ودوره في التربية على القيم؛ بدءاً بالفلسفة التي ينطلق منها هذا النظام، وانتهاء بآليات التنفيذ، وبينهما أسئلة كبيرة؛ من قبيل تحديد مواصفات المتعلم عند نهاية مسار التكوين، والكفايات المعرفية والتواصلية والمنهجية والتكنولوجية التي يتوقع أن يمتلكها، وهندسة نظام التكوين بمختلف مسالكه وشعبه، وموقع الوحدات الدراسية المكونة للمنهاج، ومحتويات هذه الوحدات، ومدى تناغم المفهومات والقيم بشكل أفقي فيها اعتباراً لوحدة الفئة المستهدفة، وطرق ووسائل التدريس، ومواصفات وخصوصيات المدرس ومحيط التعلم.. وغير ذلك.

ومعلوم أن إصلاح نظام التربية والتعليم في كل بلد ينبغي أن يكون مساراً متحركاً بصفة دائمة، وخاصة على مستوى المناهج التعليمية التي تعتبر البوصلة المتحكمة في باقي عناصر المنظومة التربوية، غير أن سؤال المناهج في بلدان العالم العربي والإسلامي يتوارى إلى الخلف في كثير من مشاريع إصلاح التعليم، في حين يتم التركيز على إصلاح المنظومة التقنية وترقيتها، خاصة على مستوى التجهيزات والوسائل التعليمية، وتوفير الظروف الملائمة للدراسة والتكوين الفني والتربوي للمدرسين.

إلا أن إعادة النظر في البرامج والمناهج عادت مجدداً إلى الواجهة حين طُرح سؤال الهوية والتربية على القيم بفعل تحديات خارجية، وخاصة تحت ضغط تنفيذ توصيات المؤتمرات الدولية، وخاصة المرتبطة بالسكان والتنمية وحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دولياً، والإعلانات العالمية المتتالية الداعية إلى حوار الحضارات، فكيف يمكن إذن التوفيق بين الخصوصيات الحضارية والالتزامات الدولية؟ وكيف يمكن من خلال ذلك تطوير المناهج التعليمية في ضوء الفلسفة التربوية الإسلامية وأهدافها مع استدماج كل وسائل العصر وتقنياته في التعليم والتعلم ونقل القيم؟

إن منظومة القيم الإسلامية قادرة على إنقاذ العالم من شراك المادية القاتلة التي كتمت أنفاس الغرب قبل الشرق، وسنستعرض خصوصيات هذه المنظومة للدلالة على قدرتها على تحقيق التغيّر الحضاري المنشود عن طريق التوفيق بين الحاجات الحقيقية المادية والروحية للبشرية، وما يتطلبه العصر من وسائل وتقنيات في التواصل تتطور باستمرار.

وقد قمنا بصياغة مشروع متكامل لتأصيل القيم الإسلامية، وبيان طرق ووسائل إدماجها في مختلف المواد الدراسية في المنهاج التعليمي باعتباره المجال الأوسع والأخطر لإعادة ترتيب منظومة القيم لدى الأجيال المكونة للمجتمعات القادمة على أسس إسلامية أصيلة توظف كل وسائل العصر وتقنياته المادية والتربوية.

نقتصر منه في هذا المقال على ما يتعلق بالتأصيل النظري للقيم الإسلامية؛ من حيث مفهومها وأصولها وخصائصها؛ لبيان قدرتها على الاستجابة للتحديات الحضارية المعاصرة.

 نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية:

  • أولاً: في مفهوم القيم الإسلامية:

في دراستنا لمادة «قوم» في كتاب «المصطلح التربوي من خلال القرآن الكريم»؛ وقفنا على استعمالات متعددة للمصطلحات المكونة من هذه المادة، كالقيّم، والقيّوم، والاستقامة، والقائم ـ وما سواها.

قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة في مادة «قوم»: «القاف والواو والميم: أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة من الناس، وربما استعير في غيرهم. والآخر على انتصاب أو عزم»(8)، وذكر الراغب في المفردات أن الاستقامة «تقال في الطريق الذي على خط مستو، والإنسان المستقيم هو الذي يلزم المنهج المستقيم»(9).

وقد ورد مصطلح الاستقامة والمستقيم في القرآن الكريم بمعنى الهداية والطريق المستقيم، قال ابن كثير في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]: «أي من أراد الهداية»(10).

وقال في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22]: «أي على طريق واضح بيّن، والمؤمن يكون في نفسه مستقيماً وطريقه مستقيمة»(11).

قال سيد قطب في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]: «أي أن طريق الهداية ميسر لمن يريد»(12).

والتقويم: «هو بيان قيمة الشيء»(13)، وقد ورد في القرآن الكريم بمعنى حسن الصــــورة، والهيئة، قال ابن كثير في تفســـير قوله ـ تعالــى ـ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْـــسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]: «أي أنــه ـ تعالى ـ خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سوي الأعضاء، وحسنها»(14).

وقال سيد قطب في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]: «أي خص الإنسان بحسن التركيب، وحسن التعديل، وحسن الخلق، وحسن التكوين»(15).

وقال ابن العربي في تفسيرها: «إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته، فإن الله خلقه حياً عالماً مريداً متكلماً... لذلك فليس لله ـ تعالى ـ خلقٌ هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب!»(16).

والقيوم الدائم القائم بتدبير ما خلق، وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها. من حيث هو عالم لا يخفى عليه شيء منها، والقيوم من أسماء الله تعالى، وهو ـ سبحانه ـ القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره(17).

وفي قوله ـ تعالى ـ: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]؛ القيمة القائمة بالحق والدين المستقيم(18).

وفي سنن الدرامي من حديث عبد الله بن صالح بسنده إلى ابن غنم قال: «نزل جبريل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشق بطنه، ثم قال جبريل: قلب وكيع فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان، محمد رسول الله المقفى الحاشر، خلقك قيم، ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة»(19).

وروى البخاري في كتاب الدعوات من حديث ابن عباس: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم! لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق...» الحديث(20).

ففي الحديث الأول قوله: «خلقك قيم»، وذلك بعد تصفية القلب من الدرن وما يعلق به من الآثام تهيئاً لحمل الرسالة، وكذلك عرف عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه ما عبد صنماً قط قبل البعثة.

وفي الحـديث الثاني بيـان لمصـدر القيـم فـي الكـون، وهـو الله ـ تعالى ـ والإنسان مدرك لحقائق الكون منه. وإلى الله ـ تعالى ـ يرجع الأمر كله بعد حياة الابتلاء التي تنتهي بالتقويم: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْـمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْـمَوْتَ وَالْـحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 1 - 2].

والقارئ لما سبق يدرك أن مادة «قوم» التي يشكّل منها المصطلح الذي نحن بصدد دراسته تدور حول مصدر القيمة ومسلكها وامتدادها وأثرها وصفاتها، فالمصدر: هو الله القيوم، والمسلك: طريق مستقيم لا عوج فيه، والامتداد: في الحياة والكون كله، والأثر: في نفس الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض، والذي ميّزه بحسن التركيب وحسن التعديل في الهيئة، وأمره بحسن التدبير والتسيير في التعامل مع المخلوقات المسخرة له عبادة وطاعة للخالق، وصفات الثبات والدوام والإطلاق وعدم التغيير التي تكتسبها القيم التي زرعها الله في الإنسان حين نفخ فيه من روحه.

وعليه؛ فإن مصطلح القيم لا ينفك عن هذا المحيط من المعارف الكاملة المتكاملة، وعلى هذا المعنى تدور تعاريف كثير من الباحثين المعاصرين في مجال القيم.

يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: «القيم محطات ومقاييس تحكم بها على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية والجماعية من حيث حسنها وقيمتها، أو من حيث سوئها وعدم قيمتها وكراهيتها، أو في منزلة معينة بين هذين الحدين»(21).

ويقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: «ويشير مفهوم القيمة إلى حالة عقلية ووجدانية، يمكن تعرفها في الأفراد والجماعات والمجتمعات من خلال مؤشرات، هي المعتقدات والأغراض والاتجاهات والميول والطموحات والسلوك العملي، وتدفع الحالة العقلية والوجدانية صاحبها إلى أن يصطفي بإرادة حرة واعية وبصورة متكررة نشاطاً إنسانياً ـ يتسق فيه الفكر والقول والفعل ـ يرجحه على ما عداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمل في غيره دون انتظار لمنفعة ذاتية»(22).

وحين ترتبط القيم بمنظومة فكرية وعقائدية مطلقة تتمثل في الإسلام؛ فإنها تستمد قوتها ورسوخها في النفس منه، فتتنفس من هوائه وتنتشر في سمائه ولا تجد في الواقع حاجزاً يمنعها من الامتداد في ذاتها إلا ما كان من مد وجزر في طبائع العباد من حيث استعدادهم للقرب منها في حالة الصفاء أو ابتعادهم عنها حين تتراكم حواجز المادة، وتتوارى إلى رجعة نسائم الروح، فيقول الإنسان: {وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84] .

  • ثانياً: أصول القيم الإسلامية:

منذ أن بعث الله ـ سبحانه وتعالى ـ نبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ بملة الإسلام؛ كان دعاؤه المبارك لأمته أن يبعث فيها رسولاً يركز فيها قيماً ثلاثة، جمعها قوله ـ تعالى ـ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ } [البقرة: 129] .

وقد استجاب الله ـ تعالى ـ لنداء نبيه وخليله، فبعث محمداً -صلى الله عليه وسلم- هادياً ومربياً، وأنزل معه الكتاب والحكمة، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(23)، ومن هذا المنبع الثّر نَهَلَ جيل الصحابة الكرام قيم الإسلام، وصنعوا بواسطتها جيلاً حمل راية الإسلام إلى العالم.

وانطلاقاً من ذلك كانت الأصول العامة للقيم الإسلامية ملخصة في ثلاث:
  1. القرآن الكريم.
  2. السنة والسيرة النبوية.
  3.  اجتهادات علماء التربية المسلمين.

  • القرآن الكريم:

إن النظر العام يلخص رسالة القرآن الكريم في التربية على القيم، وما الأحكام والتشريعات إلا وسائل، لا قيمة لممارستها إن لم تؤد إلى التربية الإيمانية، قال ـ جل وعلا ـ: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَـمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14 - 15].

ويمكننا أن نركز الكلام في حديثنا عن بنية القيم الإسلامية في القرآن الكريم في نقاط أربع:

1 - تحديد القيم الكبرى التي تخلق التوازن في تعامل الإنسان مع خالقه والناس والمحيط: ويمكننا أن نحدد هذه القيم الكبرى بحسب علاقات الإنسان الثلاث في: قيمة التوحيد، وقيمة الحكمة، وقيمة التسخير.
فقيمة التوحيد قيمة كبيرة تتفرع عنها قيم العبودية كلها بجزئياتها وتفاصيلها، كقيمة التقوى، وطاعة الأوامر واجتناب النواهي، والقربى بالنوافل، والتحرر من عبودية المخلوقات، وغيرها مما سنعرفه بتفصيل في مجالات القيم الإسلامية.
وقيمة الحكمة قيمة كبيرة تحكم تعامل الإنسان مع أخيه، تتفرع عنها قيم التعاون، والتآزر، والتآخي، والإيثار، والتكافل، ولين الكلام والتواضع، وما في حكم ذلك من قيم تنظيم العلاقات العامة بين الناس.
وقيمة التسخير قيمة كبيرة كذلك، تتفرع عنها قيم تعامل الإنسان مع بيئته ومحيطه من الأمم الأخرى غير الإنسان: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام: 38] .

2 - تكريم الرسل وورثتهم من العلماء الحاملين لهذه القيم والناشرين لها والمضحين من أجلها: قال ـ تعالى ـ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253]، وقال: {إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، وقال ـ تعالـى ـ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]، فرسالة القيم رسالة واحدة، والمرسلون بها بلغوها إلى كل الأقوام، قال ـ تعالى ـ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس: 47].
وللأنبياء ورثة كرّمهـم اللـه بكــرم القيــم التي يحملونها، قال ـ تعالى ـ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وربط الله ـ تعالى ـ بين العلم والقيم منذ الوهلة الأولى للقراءة: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، والقارئ للقرآن يدرك حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الغاية الكبرى للعلم معرفة الخالق وخشيته، قال ـ تعالى ـ: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فإذا تجرد العلم عن القيم لم ينفع صاحبه، وهذا هو الفرق بين إبليس الذي وضعه علمه ونزل به إلى أسفل سافلين، وآدم الذي كرّمه الله بتوبته فعلّمه الأسماء كلها، وأناط به الخلافة، وعمّر به الأرض.

3 - بناء أساليب الحكمة وفصل الخطاب: إن الرسالة والرسول قطبان في عملية تبليغ القيم، ولكن وسيلة التبليغ وطريقته موهبة ربانية؛ فكم من عالم ليس بحكيم! وكم من حكيم أجاد التبليغ بعلم قليل! لذلك طلب موسى من ربه أن يؤازره بأخيه هارون؛ لأنه أفصح منه لساناً، وفهّم الله ـ سبحانه ـ سليمان القضاء دون داود، وكرم محمداً -صلى الله عليه وسلم- بأن آتاه الله الكتاب والحكمة، قال ـ تعالى ـ: {يُؤْتِي الْـحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، ومعلوم في النظر القرآني أن لا خير في علم لا تشفعه حكمة وتزكية؛ إذ هي قيم متلازمة، {وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ} [البقرة: 129]، والحكمة حسن تلقي العلم وتبليغه، قال ـ تعالى ـ: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، والآية مليئة بالقيم الإيجابية ونقيضها الذي يحصل حين تغيب الحكمة، وقال ـ تعالى ـ: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [النساء: 5]، وقال: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46].
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مثالاً في الحكمة. وقد وهبه الله ما وهب داود من قبله حين قال ـ تعالى ـ: {وَآتَيْنَاهُ الْـحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْـخِطَابِ} [ص: 20]، كما سنرى من خلال أمثلة من سيرته العطرة. ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يوجه خطابه إلى الأمة وهو يرسم لهم ميزان الاعتدال في تعليم وترسيخ القيم الإسلامية في النفوس؛ قائلاً: «يسروا ولا تعسروا، وبشّروا ولا تنفروا»(24)، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ـ كما يقول الصحابة ـ يتخوَّلهم بالموعظة كراهية السآمة(25)، وتلك كانت الأسس الأولى لصياغة النظرية التربوية الإسلامية؛ انطلاقاً من توجهات القرآن الكريم.

4 - تحديد معايير التقويم لمعرفة مدى تحقق القيم الإسلامية في النفس وتمثلها في المجتمع: وتفسير ذلك أن الله ـ تعالى ـ جعل التقويم الغاية من خلق الخليقة حين قال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْـمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْـمَوْتَ وَالْـحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 1 - 2]، وألفاظ الحساب والعقاب والجزاء والمصير كثيرة في القرآن، تنبه الإنسان إلى ضرورة التقويم الذاتي، {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَــــا * قَدْ أَفْلَـــحَ مَـــن زَكَّاهَــا} [الشــمس: 8 - 9]، وقـد حـدد القرآن في بداية سورة المؤمنون بعض قضايا الإنسان والمجتمع، ووضع أمام كل قضية معيار التقويم فيها حتى يعرض الإنسان سلوكاته وتصرفاته عليها فينظر هل حفظ أم ضيع، قال ـ تعالى ـ: {قَدْ أَفْلَحَ الْـمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11].

ب - السنّة والسيرة النبوية: لئن وضع القرآن الكريم الجانب النظري في صياغة القيم ونشرها وترسيخها؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسنته وسيرته وضع الإجراءات التطبيقية لذلك في واقع المسلمين، وذلك على النحو الآتي:
- السلوك والقدرة:

قال ـ تعالى ـ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزاوج بين النظر والتطبيق في تعليم القيم الإسلامية؛ بحيث يصلي بالناس ثم يقول لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»(26)، ويحج بهم ثم يقول: «لتأخذوا مناسككم»(27)، وينحر ويحلق في صلح الحديبية فيفعل الناس بعد امتناع.

وحاجتنا اليوم إلى نماذج في السلوك يحتذي بها المتعلم، ومواصفات تتوفر في المربي المسلم يحتذي الناشئة بها، فالفصل بين التربية والتعليم كارثة الأنظمة التعليمية في المدرسة المعاصرة.
- بناء الأساليب وتقنيات التواصل في تعليم القيم:

إن الناظر في السيرة النبوية بعين تربوية منقبة عن تقنيات التواصل مع الناس؛ ليجد أن فيها من الإشارات ما إن جمعها ليشكل نظرية متكاملة في التواصل، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- «يعبِّر بملامح وجهه عن السخط والرضا، ويغير من هيئة جلسته أثناء الكلام لبيان أهمية الأمر وخطورته؛ كما هو الشأن في حديثه عن شهادة الزور، قال راوي الحديث: «وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور. مراراً حتى قلنا: ليته سكت»(28)، وفي هذا إشارة إلى تقنية التكرار أيضاً، وهو يشير -صلى الله عليه وسلم- بأصابعه لتقريب الأفهام، مثل قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين. وضم السبابة والوسطى»(29)، وهو يضرب المثل مستخدماً القصة، ويأتي بأخبار الأمم السابقة، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً» الحديث(30)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- أيضاً: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»(31). وهو -صلى الله عليه وسلم- يلحظ نفسية السائل وقابليته للتعليم، فيجيب بحسب ذلك أجوبة تختلف في الشكل والموضوع، فمن حيث الشكل هي بين الطول أحياناً والقصر أحياناً، ومن حيث الموضوع دواء مناسب لداء السائل.

والعجب أن الرجل يقول: أوصني يا رسول الله! فيقول -صلى الله عليه وسلم-: «لا تغضب!» فيقول السائل: زدني! قال: «لا تغضب»! وكررها ثلاثاً(32)، ولكننا نجده يقول لمعاذ بعد أن أجابه عن سؤاله الذي قال فيه: «يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار!»، فجعل -صلى الله عليه وسلم- يقول في جوابه: «ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه... ألا أدلك؟... ألا أخبرك؟»(33)، وذلك من حكمته -صلى الله عليه وسلم- في النظر إلى قابلية المتعلم للتلقي، وهي من أرقى تقنيات التواصل التربوي التي عرفها الفكر التربوي المعاصر أخيراً.

ج - اجتهاد وإبداع علماء التربية المسلمين:

لم تكن التربية عندهم علماً مستقلاً ولكنها كانت محضن القيم، وكانت أساس تلقي العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير، وكانت الممارسة العملية في مجالس التعليم وليدة الجو الخاشع الذي يخلقه العالم والمتعلم لاعتقادهما الراسخ بقدسية العلم الملقن وخاصة ما ارتبط منه بالوحي. ألا ترى أن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ كان يفرّق بين مجلس الفتوى ومجلس الحديث، ويجعل لهذا الأخير قواعد وطقوساً، وكان ـ رحمه الله ـ يقتصر في الجواب على السؤال والسؤالين، وكان يقول لا أدري في سواها مما لا يعرف.

وفي الحديث كان الإمام مالك ـ رحمه الله ـ يميل إلى التقليل من الرواية والإكثار من الفقه، فقد قال لابني أخته: «أراكما تحبان هذا العلم ـ يعني الحديث ـ، فإن أردتما أن تنفعا وينفع الله بكما؛ فأقلا منه وتفقها»(34)، وظهر في مدرسته اتجاهان: اتجاه الرأي مع أبي القاسم، واتجاه الحديث مع ابن وهب في مصر، ومن ذلكم القطر انتقل الاتجاهان إلى القيروان مع ابن سحنون وأسد بن الفرات، ومنها إلى المغرب والأندلس، ولكل من الاتجاهين قواعد في الإقراء وتلقي العلم. وفي مقابل هذا كانت مدارس الرأي في العراق تتوسع في الأسئلة حتى اشتهرت عندهم مجالس المناظرات والجدل في الموجود والمتوقع، حتى ظهر عندهم ما سمي بالفقه الافتراضي. ومن خلال مدارس الفقه تبلور الفكر التربوي عند علماء الإسلام، فكتب ابن سحنون والقابسي من أهل القيروان آراءهما التربوية في سياسة الصبيان وأدب العالم والمتعلم، وتبعهما غيرهما.

والذي نذكره هنا أن ما أنتجوه من فكر تربوي وابتدعوه من أساليب في نقل القيم المصاحبة للعلم؛ صاغوا منه نظرية تربوية إسلامية مرنة، تتكيف مع الأحوال والظروف، وتستوعب المتغيرات، وتنتج لكل حالة حلاً، ولكل واقعة حديثاً. وانطلاقاً من كل ذلك تمكن المختصون من الباحثين أن يلتمسوا خصوصيات للنظام التربوي الإسلامي التي يتقاطع فيها مع غيره من الأنظمة التربوية، وخاصة في الوسائل والإجراءات، ويتميز عنها بثوابت وأصول.

  • ثالثاً: القيم الإسلامية سماتها وخصائصها:

إن قراءة في أصول القيم الإسلامية ـ كما حددت بعض ملامحها في ما سبق ـ، والنظر إلى واقع المسلمين في تمثل هذه القيم والتفاعل معها إيجاباً وسلباً؛ تجعلنا نحدد سمات وخصائص للقيم الإسلامية تتميز بها عن غيرها من القيم الوضعية.

وكثيرة هي الدراسات التي تناولت خصائص القيم الإسلامية بالدرس والتحليل، فتفاوتت في تحديد الخصائص والسمات بين موسّع ومضيّق، والحاصل أن كل ما قرأت من دراسات في المجال تكاد تفاصيلها ومجالاتها تنحصر عند التأمل في خمس صفات، وهي:

  • أ ـ الربانية في المصدر:

وقد بسطنا فيها الكلام عند حديثنا عن أصول القيم الإسلامية من الكتاب والسنة والتطبيقات الاجتهادية للعلماء والمربين المسلمين، ويكفي أن أذكر في هذا المقام بكلام ابن العربي في أحكام القرآن حين قال: «إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته، فإن الله خلقه عالماً قادراً مريداً متكلماً... فليس لله ـ تعالى ـ خلق هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب»(35).

ويكفي أن نعرف أن الله خلق آدم ونفخ فيه من روحه، ومع روح الله ومنها انزرعت القيم في كيان الإنسان، فحبه للخير وكرهه للشر من روح الله، قال ـ تعالى ـ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8]، وقال: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة: 9]. وبيَّن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبــواه يهــودانه أو ينصـرانه أو يمجسـانه»(36)، قال ـ تعالى ـ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30].

فالإنسان ليس صفحة بيضاء، كما أنه ليس صفحة سوداء مليئة بالآثام ـ كما هو معروف في النظرية المسيحية ـ، ولكنه مفطور على دين الإسلام وقيمه، وحين نزل إلى الأرض واختلط بالبيئة اقترب أو ابتعد من هذه القيم بحسب المؤثرات. فشرع الله ـ تعالى ـ في كتابه وسنة نبيه وسائل وطرقاً لاكتساب الصفاء من الأدران، والقرب من القيم الربانية الأصيلة في فطرة الإنسان.

  • ب - الواقعية:

فالقيم الإسلامية ليست قيماً نظرية مثالية، وإنما هي خلاصة شريعة نزلت حسب الوقائع والأحداث، واستجابت لمشكلات الناس وقضاياهم، وليست فكراً يبتغي المدنية الفاضلة التي لا وجود فيها للشر، وبالتالي فهي واقعية في مراميهــا وأهــدافهـا، قاعدتها قوله ـ تعالى ـ: {وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]. والعجلة هنا الترقي في سلم الرضا بحسب الطاقة والاستطاعة، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

فالعدل على سبيل المثال قيمة إسلامية راسخة، ولكن تحقيقه في الواقع مدافعة للظلم بقدر الاستطاعة، ولذلك كان رسول الله يقول: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض؛ فأحسب أنه صدق؛ فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هي قطعة من نار! فليأخذها أو ليتركها!»(37).

والحب قيمة إسلامية عظمى، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العدل بين زوجاته في هذا الجانب كان يقول: «اللهم! هذه قسمتي في ما أملك؛ فلا تلمني فيما لا أملك»(38)، يعني الميل العاطفي. وكذلك الحفاظ على مال اليتيم قيمة اقتصادية عظيمة في الإسلام، ولكن يوجد إلى جانبها وعيد يحذر من أكل مال اليتيم لوجود هذه الظاهرة في الواقع، وستبقى موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن الأشياء تتميز بضدها.

وقس على هذا مختلف القيم الإسلامية، فرغم كونها مطلقة في أصولها، ربانية في مصدرها؛ فإن إنزالها على الواقع يحكمه التدرج والحسنى لنفي القيم السيئة بالحسنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»(39).
ثم إن الله ـ تعالى ـ لم يطلب من الإنسان مطلق الكمال في تمثل القيم الإسلامية، ولكنه طلب منه الصعود في سلمه على قدر العزم، ثم يسأل الله بعد ذلك أن يبلغه سؤله وأمله.

  • ج - العالمية والإنسية:

لا يختلف اثنان من ذوي الألباب أن العدل حسن والظلم سيء، وأن الكذب مشين والصدق مزين، والبخل والشح مكروهان، والسخاء والبذل مطلوبان؛ مهما اختلفت الملل والنحل.

فتلك وأضدادها قيم عالمية هي أصل الفطرة جاء بها الإسلام العالمي، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وقال ـ سبحانه ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

فقيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ليست للمسلمين بخصوصهم وإنما هي منفتحة على سائر الأمم والشعوب، ينهلون منها فتقوّم سلوكاتهم، وتعدل من اتجاهاتهم، فتكون هذه العالمية مدخلاً إلى الإسلام عند كثير من الأمم والشعوب والأفراد.

وقد أخذ محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذه القيم العالمية وجاء ليتممها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»(40)، والإتمام يعني أن الإسلام أقر قيماً إنسانية موجودة بالجبلة والفطرة لدى الناس مهما اختلفت مللهم ونحلهم، وذلك مدخل لهم كي ينتبهوا إلى قيم الإسلام الخالدة فيسارعوا إلى اعتناقه كاملاً غير منقوص إتماماً لنعمة الله عليهم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ونحن ننبه هنا إلى أمر جدّ مهم، وهو أن تمسك الإنسان بالقيم الإنسانية العالمية خارج إطار الإسلام والإيمان يفيده في دنياه ولا يفيده في آخرته بحسب النية والقصد، فالملتزم بالقيم الإنسانية يبتغي بذلك مرضاة الله ورضوانه يجد الثواب عنده يوم لقائه، ومن تمسك بهذه القيم إرضاء للضمير وابتغاء دنيا؛ فلن يبخسه ـ تعالى ـ حقه في دنياه، وماله في الآخرة من خلاق، قال ـ تعالى ـ: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ } [إبراهيم: 18]، وقال ـ تعالى ـ: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِـمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 18 - 20].

  • د - التكيف:

ذلكم أن القيم الإسلامية قابلة للتحقق في المجتمع بمختلف الوسائل والطرق، وتتكيف مع مختلف الأحوال والأزمان والأمصار دون أن يؤثر ذلك في جوهرها، فالعدل يتحقق في المجتمع عبر مؤسسات مختلفة قد تخلقها الدولة بحسب حاجتها وعلى قدر إمكاناتها؛ المهم أن يتحقق العدل، وقد يتحقق في مختلف مظاهر الحياة العامة داخل الأسرة وفي الأسواق وفي المنظمات والهيئات وغير ذلك بصور شــتى وبوسائل مختلفة، والأصـل في ذلك قــوله ـ تعالى ـ: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152].

ولذلك لم تضع التربية الإسلامية لقيمها قوالب منظمة جاهزة لا بد أن تفرغ فيها، وإنما أمرت بضرورة تحقق الجوهر بأشكال مختلفة تستجيب لحاجات الزمان والمكان والأحوال فأمرت بتحقيق الشورى في المجتمع ولم تحدد الكيفية والوسيلة، وأمرت بأداء الأمانات إلى أهلها مطلق الأمانات بعد حفظها ولم تحدد وسائل الحفظ؛ لأنها متغيرة وأمرت بالتكافل الاجتماعي، وتركت طرق تحقيقه مفتوحة على اجتهادات المقدمين عليه، وأمرت بالإنفاق في سبيل الله؛ مطلق سبيل الله ليعم الخير كلَّ مناحي الحياة، ويغطي حاجات الناس المتجددة.

ومن مظاهر التكيف في القيم الإسلامية؛ قابليتها للتداول بكل أنواع الخطاب من الوعظ والإرشاد إلى الخطابة، فالكتابة والنشر، إلى الوسائل السمعية البصرية، إلى التقنيات الحديثة للتواصل من إعلاميات وإنترنت وغيرها، ومعلوم أن كل خطاب يحمل قيمة من القيم. والقيم الإسلامية أولى أن تحملها وسائل التواصل هذه؛ إذ ينبغي أن تحمل إلى كل أهل عصر بما ساد عندهم من وسائل، حتى تكون قادرة على التأثير في سلوكياتهم والتعديل من اتجاهاتهم وتشكيل تصوراتهم.

ومن مظاهر التكيف أيضاً قدرة هذه القيم على الاستجابة لحالة متلقيها العمرية والنفسية والوجدانية والعقلية، فلكل أسلوبه وطريقه ومنهجه، فالمربون الناقلون للقيم الإسلامية لهم قدرات وطاقات، والمتعلمون لهم قدرات وطاقات أيضاً، ولهذا لم يكن للنظرية التربوية الإسلامية الحاملة للقيم خطاب واحد، وإنما يتنوع خطابها بفعل مرونته ويتكيف مع مختلف الحالات، فما اتجه علماء في أدب العالم والمتعلم يختلف من سياسة الصبيان إلى سياسة الغلمان، فسياسة من قوي عوده وعزم على طول الرحلة والطلب والتفرغ للعلم.. إلى غير ذلك.

  • هـ - الاستمرار:

ليست القيم الإسلامية ضرباً من التاريخ الذي نفتخر به حين تجلى في أبهى صوره زمن الرسالة الخاتمة، وإنما هي قيم تجد نفسها مستمرة في الواقع تضيق وتتسع مساحتها بحسب الجهد المبذول لنشرها والوسائل المستعملة في ذلك.

والذي يمكن أن يُدرس للتاريخ والعبرة هو تجليات هذه القيم في المجتمع عبر الدهور والأحقاب السالفة؛ لمعرفة كيفية تفاعلها مع مختلف السلوكيات، ومدى قدرتها على صناعة التحولات الكبرى في تاريخ البشرية والاستفادة من ذلك في بناء الحال والمستقبل.

وتستمد القيم الإسلامية استمراريتها من صلاحية مصادرها لكل زمان ومكان، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

ومن مظاهر الاستمرار في القيم الإسلامية تكرر حدوثها في سلوكيات الناس حتى تستقر، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً»(41)، فالصدّيق لا يطلب منه أن يصدق مرة ويكذب مرات، وإنما المطلوب أن يستمر هذا السلوك في تصرفاته طول حياته حتى يستحق هذا اللقب، يقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: «ومن الخصائص الأساسية في القيمة تكرار حدوثها بصفة مستمرة، فمن يصدق مرة أو مرات لا يوصف بأنه فاضل في سلوكه، وإنما تتأكد القيمة وتبرز الفضيلة الخلقية في سلوك الإنسان إذا تكرر حدوثها بصورة تجعلها عادة مستحكمة أو جزءاً من النسيج العقلي والسلوكي لصاحبها وعنواناً لهويته»(42).

ومن هنا كان تنديد القرآن بأولئك الذين لا يثبتون على اتباع طريق الهدى والحق، ويتراوح سلوكهم بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} [النساء: 137].

وكان تنديد القرآن بالنموذج البشري الذي لا يستقيم على فعل الخير ويؤدي منه القليل ثم يقعد عن مواصلته أو يكف عنه، {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} [النجم: 33 - 34] ؛ أي: «ضعف عن الاستمرار في العطاء أو كف عنه مع توفر مقوماته»(43).

ولذلك كانت المجاهدة والمثابرة لحمل النفس على استمرار التمسك بالقيم الإسلامية؛ حتى ترقى من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، فيبعد الإنسان الله كأنه يراه، وتلك أحلى ثمرات القيم الإسلامية التي لا تتحقق إلا بالتكرار والاستمرار.
تلكم نظرة مركزة على خصوصيات القيم الإسلامية ووسائل نقلها ونشرها، وكيفية إسهامها في تشكيل وإعادة تشكيل العقل المسلم.

إن هذا الإطار النظري حينما يصرف في شكل تطبيقات ميدانية في بناء مناهج التعليم؛ سيؤدي لا محالة إلى تجديد تربية مداركنا، وتغيير ما ترسب فينا من معلومات منقطعة عن القيم الأخلاقية والمعاني الغيبية تحت تأثير النمط المعرفي الحديث(44). ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تجديد التربية برجوعها إلى حضن القيم الفطرية: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

(*) رئيس المركز المغربي لدراسات الأبحاث التربوية الإسلامية، المدرسة العليا، للأساتذة تطوان، المغرب.
(1) العلمانية نشأتها وتطورها، د. سفر الحوالي، ص 596 وما بعدها.
(2) سؤال الأخلاق، ص 221.
(3) انظر: «أثر الاستغراب في التربية والتعليم»، د. عبد الله الشارف، ص 14، 324.
(4) د. محمود محمد سفر: دراسة في البناء الحضاري، كتاب الأمة، ع 21 سنة 1409هـ.
(5) د. لحسن مادي، السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل، ص 811.
(6) المصدر السابق نفسه.
(7) انظر تفاصيل المشروع نظرياً وتطبيقياً في كتاب القيم الإسلامية في المناهج الدراسية، خالد الصمدي، منشورات الإيسيسكو: 3002م.
(8) ج 5، ص 34.
(9) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مادة «قوم».
(10) ج 8، ص 362.
(11) ج 8 ، ص 131.
(12) في ظلال القرآن، ج 6، ص 3843، ط 5891م.
(13) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، مادة «قوم».
(14) ج 8، ص343.
(15) ج 8، ص 609، ط 1791م.
(16) أحكام القرآن، ج 4، ص 415، ط 1، 8891م.
(17) العمدة في غريب القرآن، مكي بن أبي طالب، ص 29.
(18) المرجع السابق، ص 253.
(19) سنن الدرامي، المقدمة، الحديث رقم 35.
(20) كتاب الدعوات، البخاري، رقم الحديث، 2485.
(21) فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، ص 992.
(22) تعليم القيم فريضة غائبة ـ مجلة المسلم المعاصر، أحمد مهدي عبد الحليم، ع 65/66، سنة 2991 ـ 3991م.
(23) رواه الإمام أحمد في المسند، مسند المكثرين.
(24) رواه البخاري في كتاب العلم.
(25) رواه البخاري في كتاب الدعوات.
(26) رواه البخاري في كتاب الآذان.
(27) رواه مسلم في كتاب الحج.
(28) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه.
(29) رواه البخاري في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث أنس.
(30) رواه البخاري في كتاب المناقب من حديث أبي هريرة.
(31) رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة من حديث أبي هريرة.
(32) رواه البخاري في كتاب الأدب من حديث أبي هريرة.
(33) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(34) ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج 1، ص 421.
(35) أحكام القرآن، أبو بكر ابن العربي، ج 4، ص 514.
(36) رواه البخاري في كتاب الجنائز.
(37) رواه البخاري في كتاب المظالم والغصب.
(38) رواه الترمذي في كتاب النكاح.
(39) رواه الترمذي في كتاب البر والصلة.
(40) رواه الإمام أحمد في المسند، مسند المكثرين.
(41) رواه الإمام أحمد في مسنده.
(42) تعليم القيم الفريضة الغائبة، مجلة المسلم المعاصر، أحمد مهدي عبد الحليم، العددان 65، 66، 2991م.
(43) المصدر السابق.
(44) سؤال الأخلاق، د. طه عبد الرحمن، ص 011.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-