حرب القيم

 

د. فـريد الأنصاري

كل أمة تستمد أخلاقها من قيمها، وتنبع القيم من عقيدتها..
وفساد الأخلاق يجعل الأمة على خطر عظيم، ولكن عندما يصل النخر إلى قيمها؛ فإنها تكون على شفا هاوية..
وقد كانت الحرب على الأمة الإسلامية في هذا المجال طيلة قرن كامل: حرباً أخلاقية، كان الناس يفسدون وينحرفون، ولكنهم في قرارة أنفسهم كانوا يشعرون بوخز الضمير الديني، كانوا يحسون أنهم يتجاوزون خطوطاً حمراء وثوابت عالية، لكن في العقدين الأخيرين حدثت تطورات خطرة؛ فقد تغير سمت الحرب وتغير اسمها، ولم يعد أعداء الأمة يرضون بانحراف الظاهر مع إنكار ـ ولو يسير ـ في المجتمع أو القلب، وفرق كبير بين مجتمع منحرف، ومجتمع إباحي، وفي إطار سعيهم إلى إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية، ونقلها من حالة الانحراف إلى حالة الإباحية؛ كانت حرب القيم..
فقد أصبحت القيم في وضع يُرثى له من الاختلال والاضطراب، خاصة مع تصادم الخطابين الإسلامي والعلماني، ويصف بعض المحللين الحالة الراهنة بـ مرحلة «تشويه الوعي»، وهذه الوضعية القيمية المختلة؛ يراد تطويرها للوصول بها إلى مرحلة «تغييب الوعي»، حيث تحل منظومة قيمية علمانية متكاملة محل المنظومة المختلة القائمة.. فهل يفلح كيدهم؟
سيماء المرأة في حرب القيم بين النفس والصورة
د. فـريد الأنصاري

◄ مقدمة:

السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد. وقد ورد ذلك في كتاب الله، لكن مقصوراً غير ممدود، أي بلا همز، هكـذا: (سِـيمَا). قال ـ تعالى ـ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وقال ـ سبحانه ـ: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273].

والسِّيمَاءُ في معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصل ما. فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر، فلا صدفة فيها ولا اعتباط(1).

واستعمالنا لهذا المصطلح في مجال القيم المتعلقة بالمرأة، والمتدافعة في معركة الحضارة؛ إنما هو لمحاولة الكشف عما ترمز إليه المرأة في الإسلام؛ نفساً وصورةً. وما تكون به أو لا تكون، في زمان (العولمة). فأما (نفساً) فباعتبارها (أنثى الإنسان) من الناحية الوجودية، وأما (صورةً) فباعتبارها هيأة خِلْقِيَّة، ذات تجليات مظهرية خاصة، وما حلاها ـ لذلك ـ الإسلام به من لباس، تتحقق إسلاميته بشروطه ومقاصده الشرعية.

وما معنى ذلك كله (النفس والصورة) من الناحية السيميائية، وما دلالته التعبيرية من الناحية التعبدية؟ إننا ننطلق من مبدأ قرآني عظيم: وهو أن لا شيء من موجودات هذا الكون الفسيح إلا له دلالة سيميائية، ومعنى رمزي لوجوده، وهو مسمى (حكمته) الخِلقية، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْـحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 16 - 18]. فما خلق الله شيئاً، وما جعله، ولا شرعه؛ إلا لحكمة، هي مغزى وجوده، أو جَعْلِه، أو تشريعه. ومن هنا كان من أسماء الله الحسنى اسمه ـ تعالى ـ: (الحكيم). فهو ـ سبحانه ـ (حكيم) خَلْقاً وتشريعاً. فإرادته الخلقية التكوينية، وإرادته التشريعية التكليفية؛ كلتاهما لا تتصرف إلا بحكمة بالغة. فخَلْق الأنثى على هيئتها كان بإرادته التكوينية، وسترها ـ تكليفاً بحدود معلومة من اللباس ـ كان بإرادته التشريعية. وكل ذلك من حكمة الخالق ـ جل وعلا ـ، وجماع ذلك كله أنه سيماء ربانية لحكمة بالغة.

فكم هو شنيع خطأ فهم أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس في الإسلام مسألة شكلية! وأي شكل في الوجود لا يعبّر عن مضمون؛ بدءاً بأبسط الأشياء حتى أعقدها! ودونك العلوم والفلسفات والحضارات عبر التاريخ، فانظر!

إن منطلق البحث السيميائي في اللباس الإسلامي، ونتيجته أيضاً، كلاهما مرتبط بأصول العقيدة أساساً! سواء تعلق ذلك بالرجال أو بالنساء على السواء، لكن لكل منهما سيماؤه الخاصة. وغلط مَنْ يحصر ذلك في مجال التشريع فقط!

ومن هنا يتبين مدى الخطر الذي تؤدي إليه (حركة التعري) من تدمير عقدي للإسلام! كما سترى بحول الله. إن واقع الأمة اليوم، في هذا المقتل الجوهري على جانب من الخطر عظيم. فلقد رأينا أن قضية اللباس بما ترمز إليه من دلالات سيميائية؛ هي حرب حضارية تُشن على الإسلام؛ لتدمير مواقعه الوجدانية في بنية التدين الاجتماعي. إن ذلك يعني سحب البساط من تحت كل أشكال العمل الديني التجديدي في البلاد الإسلامية، وجعله يضرب في الفراغ سدى!

إن هذا الخطر الخلقي الداهم ليس له علاقة بتفسيق الشباب فقط، ولكنه مدمر لبنية التدين كلها! إنه استراتيجية عالمية خبيثة لغزو العالم الإسلامي على مستويات متعددة، واحتلال الوجدان الإنساني فيه، وتدمير شخصيته على المستويين النفسي والاجتماعي معاً! وذلك أخطر أنواع الاحتلال، وأشد وجوه الاستخراب!

وبناء على ما سبق؛ نقسم مقالنا هذا ـ كما هو عنوانه ـ إلى قسمين: الأول يتعلق بسيماء النفس، والثاني يتعلق بسيماء الصورة. وبيان ذلك هو كما يلي:

القسم الأول: سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام:

لقد انطلق الخطاب القرآني للمرأة من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان، منذ كان خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية! وذلك قول الله ـ تعالى ـ: {وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]، فكان هذا التكليف الكوني العجيب: {إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْـجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب: 72].

لقد جاء هذا التكليف في سياق خطاب كوني، وُجِّهَ للسماوات والأرض وما بينهما، فتَصَدَّر الإنسان بما فطر عليه من مؤهلات؛ ليكون إمام العابدين لله الواحد القهار، وليكون ســيد السائرين إليه ـ تعالى ـ في الأرض وفي السماء. وليس بعيداً عن هذا القصد أمر الله ـ تعالى ـ ملائكته بالسجود لآدم، أول الخليقة من النفس الإنسانية، وهو يحمل في صلبه ذريته ذكراناً وإناثاً.

ومن هنا خاطب المولى ـ جل جلاله ـ المرأة في القرآن باعتبارها (عاملاً)، على سبيل التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة في المسؤولية الوجودية من حمل الأمانة الكبرى، كما مر في قوله ـ تعالى ـ: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195] .

وأما ما خالفت المرأة الرجل فيه من أحكام؛ فذلك راجع إلى الطبيعة التكاملية بين الذكورة والأنوثة، وليس إلى تنقيص خلقي تكويني في طبيعتها. فقد ينقص الرجل في شيء لتكمله المرأة، وقد تنقص المرأة في شيء ليكمله الرجل؛ سعياً لتكوين الحاجة الفطرية الطبيعية بينهما، ورغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة(2).

إن تشريع اللباس الإسلامي إنما كان ـ مذ كان ـ في هذا السياق الكوني العظيم، فليس فيه إذن شكليات وهامشيات، إنه جوهر من جواهر الحياة، وعمق من أعماق الوجود الإنساني في الخطاب القرآني! إنه سيماء لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، قال ـ عز وجـل ـ: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]. ومن ثَمَّ كان ذلك أول قصد إبليس بالتدمير والتخريب في المجتمع الإنساني الأول! فاقرأ وتدبر هذه الآية العجيبة! قال ـ تعالى ـ: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْـجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 26 - 27].

ذلك سر عجيب من أسرار اللباس في القرآن، فتدبر!

والمرأة إذ تكشف عن أطرافها، ومفاتنها الجسمانية بتسيب شهواني؛ فإنما معناه أنها تُبرز التمثال على حساب الطبيعة، وتمجد الفخار على حساب الروح! وتفر من تزيين حقيقة النفس إلى تزيين غلافها الخارجي فقط! فتخرج عن طبيعة الوجود البشري الذي قام على المفهوم النفسي في القرآن كما تبين، وتتنصل عن ماهيتها الوجودية ووظيفتها الكونية.
  • القيم التربوية لسيماء النفس لدى المرأة:
تقوم سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام على ثلاث قيم رئيسة، ذات أبعاد جمالية خاصة، هي من لطائف الأنثى خِلْقَةً، ومن أسرارها العميقة. وهي كما يلي:

أولاً: قيم جمالية الأنوثة:

الأنوثة هي سر الجاذبية الخِلْقية في المرأة. والأنوثة في الإسلام مفهوم تكاملي؛ ومن هنا كانت جماليته؛ أي أن به يُحَصِّل الرجل كمالَه، من حيث هو جنس بشري، وبدونه فهو ناقص أبداً. وكذلك المرأة في المقابل لا تكون إلا بالرجولة التي على الرجل أن يحفظها ويرعاها لها! و (الجمالية التكاملية) هي المذكورة في قوله ـ تعالى ـ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]؛ ومن هنا وجدنا الإسلام ينهى بشدة عن (تَرَجُّلِ المرأة) أي تشبهها بالرجل؛ لما فيه من فقدان الهوية الفطرية للتكاملية الإنسانية، ثم لما فيه من إخلال بالتوازن الجنسي، والجمالي في الخلق. فالأنوثة حقيقة وجودية ضرورية لاستمرار النسل من ناحية، وضرورة وجودية للشعور بمعنى الحياة لدى الجنسين؛ بما يكون من إنتاج للوظيفة البشرية في بناء الأسرة. ومن ثَمَّ؛ من وظيفة عمرانية في قيام الحضارات، واستمرار التاريخ إلى ما شاء الله. فكان الترجل النسوي لذلك تهديداً للوجود الإنساني وخرماً لتوازنه!

وقد وردت أحاديث عن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- في هذا الخصوص؛ من مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المُتَرَجِّلَةُ ـ المتشبهة بالرجال ـ، والدَّيُّوثُ! وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى»(3). ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الدَّيُّوثُ، والرَّجُلَةُ من النساء، ومدمن الخمر»(4). وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله الرَّجُلَةَ من النساء!»(5).

والترجل في المرأة قد يكون شكلياً كما باللباس، أو طريقة الكلام، أو المشي، أو نحو ذلك من الشكليات الظاهرة، وقد يكون بدنياً بتغيير خلق الله في نفسها، بالجراحات الطبية المحرمة التي تؤثر في طبيعتها الأنثوية، ووظيفتها الوجودية. وكل ذلك حرام بنص الأحاديث ومقاصد الشريعة. ومن هنا حرم الإسلام حتى مجرد التشبه بالرجل بله الترجل، كما حرم على الرجل التشبه بالنساء سواء! وذلك كما في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لَعَنَ اللهُ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء!»(6).

وقال في خصوص التشبه في اللباس: «لعن الله الرجلَ يلبس لبسةَ المرأة، والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجل»(7). فالأنوثة إذن؛ مقصد إسلامي وجودي وتشريعي، وكل خَرْم له هو خَرْم لحقيقة التدين ولحقيقة الحياة.

 ثانياً: قيم جمالية الحياء والتخفي:

الحياء ضد الفحش والتفحش، وضد البَذَاء، وجمالية الحياء هي من المقتضيات الفطرية للأنوثة، والحياء بطبيعته يميل إلى التخفي؛ لأن به يحفظ وجوده في النفس وفي المجتمع. إن الحياء كالزئبق، بمجرد ما ترفع عنه الغطاء يطير في الهواء ويتلاشى! ومن هنا كان لا حياء مع العري، وكان لا حياء مع البروز الفاضح. التخفي سر بقاء الحياء، والحياء سر بقاء الجمال! وإنما جمال الوردة ما لم تقطف! فإذا قطفت فركتها الأيدي ففقدت بهاءها، فلا جمال بعد! ومن هنا كانت الوردة الأجمل هي تلك المحصنة بين خضرة الأوراق وتيجان الأشواك!

والحياء عموماً مبدأ إسلامي كلي، عام في كل شيء، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، أو في الألبسة، أو في التصرفات وسائر الحركات. وهو معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الجامع المانع: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شَانَه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زَانَه»(8). كما أنه كان عاماً في كل إنسان، من حيث هو مسلم يحمل عقيدة معينة، وانتماء حضارياً متميزاً. ولذلك قرنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان في قوله: «إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر»(9)، ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذَاءُ من الجفاء، والجفاء في النار»(10).

ثم جعله بعد ذلك سلوكاً يومياً، وتعبداً عملياً، وربطه بالله جل وعلا؛ معرفةً بجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وجمال إنعامه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «استحيوا من الله ـ تعالى ـ حق الحياء! من استحيا من الله حق الحياء؛ فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلَى! ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء!»(11).

لقد قصدت بإيراد هذه النصوص أن أبين أن الحياء مقصد من أهم المقاصد الشرعية التي تداني ما سطره العلماء في مقاصد الشريعة. وتَتَبُّعُ هذا المعنى بالمنهج الاستقرائي في النصوص الشرعية؛ يجعل منه كلياً من أهم الكليات الخلقية في الإسلام.

ذلك ما يتعلق بالحياء مطلقاً في الإسلام؛ أعني من حيث هو خُلُقٌ إسلامي عام في الرجال والنساء على السواء، وإن كان وجوده في المرأة أجلى وأبين وأجمل.

إلا أن المرأة في الشريعة الإسلامية اختصت منه بلطائف ومعان وأحكام ليست على الرجل، ضبطاً وتشريعاً. فكثيرة هي الأعمال التي أنيطت بالمرأة دون الرجل؛ رعياً لمقصد الحياء! فكل ما أوجب عليها التستر الجسمي أو الحركي أو الصوتي؛ فهو راجع إلى هذا المعنى.

فأما التستر الجسمي فهو ما فرض الله عليها من اللباس الإسلامي، في محكم القرآن العظيم، من قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، وما فصّلته السنة النبوية في ذلك، من جزئيات بيانية توضيحية، من مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله»(12). ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله ـ عز وجل ـ عنها ستره»(13).

وأما التستر الحركي فهو ما فرضه الله عليها من الاتزان في المشي وفي الصلاة، وما حرمه عليها من التغنج في الشوارع، والأماكن التي يغشاها الرجال، قال ـ تعالى ـ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31]، ومنعها من إمامة الرجال في الصلاة؛ لما فيه من كشف لحركة جسمها ومفاتنه عند الركوع والسجود! ونحو ذلك في الشريعة كثير.

وأما التستر الصوتي فهو متعلق بتلحين أنغامها الصوتية خاصة، وما في معناه من تغنج صوتي، وليس متعلقاً بمطلق الصوت طبعاً! وذلك كمنعها من الأذان، وتجويد القرآن بمحضر الرجال الأجانب عنها. ومن باب أولى وأحرى منعها من الغناء للرجال، وتلحين الصوت عند الكلام العام؛ قصد التأثير الجنسي على الرجل من غير الزوج! وذلك كله إنما هو مقدمات الزنى. ويجمع هذه المعاني قول الله ـ تعالى ـ الصريح: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفًا} [الأحزاب: 32].

كل ذلك إنما كان رعياً لجمالية الحياء الأنثوية في المرأة، وحفظاً لفطرتها النفسية ولطائفها الوجدانية، وحمايتها من التسيب الخلقي الذي هو باب كل شر!

وعليه؛ فقد كان التخفي في الإسلام مطلباً تعبدياً للمرأة في كل شيء؛ حتى في صلاتها! وبهذا المنطق يجب فهم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي جعل صلاتها في بيتها أفضل ـ في الأجر والمثوبة ـ من صلاتها في المسجد، على عكس ما سنَّه للرجل تماماً. وذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها!»(14) وأوضح منه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لأن تصلي المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد»(15).

وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي؛ أنها جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك. قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي!»، فأَمَرَتْ؛ فَبُنِيَ لها مسجد في أقصى بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل(16).

كل هذا التخفي في العادات والعبادات؛ إنما هو لحفظ جمالية الحياء. ذلك المقصد الذي يشكل سراً من أسرار الجمال في الأنثى!

وبهذه النصوص والمقاصد؛ يدرك المتبصر مقدار المخالفة الشرعية، في جمالية الحياء والتخفي، بين مثال المرأة المسلمة وبين حالها في واقعها المعاصر! فانظر ـ رحمك الله ـ كم هي بذيئة حالة الاستعراض التي تمارسها المرأة اليوم على الملأ، في الشوارع والأماكن العامة، تقليداً لعادات اليهود والنصارى! بل لقد وصل الجهل بمثل هـذه الحقائـق إلى أن صـار كثير ممـن ينتسبن إلى التدين والعفاف؛ لا يجدن حرجاً في الخروج مع أزواجهن، مشياً على هيأة من التغنج الفاضح، والتلاصق المخجل! خاصة الأزواج الحديثي العهد بالزواج. وكأن كونهما مرتبطين بعَقد شرعي كاف لتسويغ حالة الاستهتار الخلقي التي يمارسانها على الملأ، من التخاصر والتمايل. فما بالك بمن دونهما من الساقطين والساقطات! لقد فقد الناس الإحساس بالحياء! وفسدت أذواقهم إلا قليلاً!

 ثالثاً: قيم جمالية الأمومة:

الأمومة في الإسلام مفهوم خاص، وكذلك سائر مفاهيم الأسرة، كالأبوة، والبنوة، والعمومة والخؤولة... إلخ.

يخطئ من يظن أن تلك المصطلحات كما وردت في النصوص الشرعية، من كتاب وسنة، هي بالمعنى البيولوجي التناسلي فقط! كلا! إنها مفهومات تعبدية! فالأبوة بالمعنى الجنسي، أو الأمومة بالمعنى التناسلي؛ كلاهما مفهوم بيولوجي له دلالة جنسية، يشترك فيها بالتساوي الإنسان مع سائر البهائم، والحيوانات الأهلية والوحشية!

إن المفهومات الأسرية في الإسلام لها دلالة متفرعة عن مفهوم (الرَّحِم) بمعناه الإسلامي. و (الرحم) مصطلح قرآني أصيل، مشتق من (الرحمة)، يدل على معنى ديني مقدس في الإسلام، وهو الرابطة التعبدية التي تربط الناس فيما بينهم؛ بعلاقات تناسلية مبنية على مبادئ الشريعة، فلا يدخلها من الفروع والأصول إلا من كان نتاج عقد شرعي كامل!

ومن هنا فقَدَ الزاني مفهومَ (الأبوة) لما وُلِدَ له في الحرام؛ فلم يكن (أباً) بهذا الاعتبار! ولذلك لم يَجُزْ أن يلحق ابن الزنى بأبيه البيولوجي في أي شيء؛ نسباً وإرثاً! لأن الأب في الإسلام إنما هو من كان له ولد شرعي من عقد شرعي.

والأصل في ذلك أن الله ـ تعالى ـ جعل الرحم التي هي رابطة الأسرة في الإسلام؛ مَعْنىً تعبدياً لا يجوز انتهاكه بتغيير أو تبديل، ولا بقطع صلة؛ أي قطع العلاقات بين الفروع والأصول، رأسياً أو أفقياً. بل جعل صلتها عملاً تعبدياً كسائر العبادات الأخروية المقرِّبة إلى الله تعالى. وجعل رتبتها التعبدية مقرونة في القرآن بتقـوى الله ذاته جل وعلا. وذلك قوله ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: أنا خلقتُ الرحمَ وشققتُ لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها قطعتُه، ومن بتَّهَا بتَتُّه!»(17)، ومثله قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن. قال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُه!»(18)، والشُّجْنَةُ هنا: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق والأغصان. وفي صحيح مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله!»(19)، فتجاوز مفهوم (الرحم) أن يكون مجرد غشاء من اللحم في بطن المرأة لحمل الجنين، بل تعدى هذا المفهوم للدلالة على العلاقة التعبدية بين أفراد الأسرة من الأصول والفروع رأسياً وأفقياً. وهذا سـر القوة والصمود في بقـاء الأسـرة ـ بالمعنى الإسلامي ـ عبر التاريخ، رغم كل أشكال التذويب الثقافي الذي تعرض له المسلمون في كل مكان!

إن الرحم نفسها بالمعنى البيولوجي، أي الغشاء الجنيني، هي راجعة في الاشتقاق اللغوي إلى معنى (الرحمة)؛ لما تتسم به الأم من هذا المعنى العظيم كلما حملت؛ فكانت لذلك مورد العطف والحنان! وإنما الرحمة مـن الله الرحمن الرحيم. هو ـ جل وعلا ـ يخلق ما يشاء كما يشاء.

وللدكتور عبد الوهاب المسيري تحليل دقيق للحركة النسوية في العالم العربي، يرجع به في نهاية المطاف إلى فضح الرغبة الغربية في تدمير نظام الأسرة الإسلامي؛ لما ذكرنا من اعتبارات، يقول: «والعالم الغربي الذي ساند الدولة الصهيونية ـ التي تحاول تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسياً وحضارياً ـ يساند بنفس القوة حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا... فالعالم الغربي الذي أخفق في عملية المواجهة العسكرية المباشرة مع العالم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مكلفة وطويلة، ولا طاقة له بها؛ ومن ثم فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد.

كما أدرك العالم الغربي أن نجاح مجتمعات العالم الثالث في مقاومته يعود إلى تماسكها، والذي يعود بدوره إلى وجود بناء أسري قوي، لا يزال قادراً على توصيل المنظومات القيمية، والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع؛ ومن ثم يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية، وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم ...

وإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع؛ فإن الأم هي اللبنة الأساسية في الأسرة؛ ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى! فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي ...، وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق، والضيق والملل، وعدم الطمأنينة في نفس المرأة، عن طريق إعادة تعريفها! بحيث لا يمكن أن تتحقق هويتُها إلا خارج إطار الأسرة! وإذا انسحبت المرأة من الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت! وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعماري والهيمنة الغربية!»(20).

ومن ثَمَّ حازت الأم في الشبكة الأسرية موقعاً مركزياً، لا يدانيها فيه أحد، ولذلك قال الله ـ تبارك وتعالى ـ في القرآن العظيم: {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ الْـمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فهو وإن وصى الإنسان بوالديه معاً؛ إلا أنه خص الأم بذكر وظيفتها البيولوجية والنفسية والتربوية؛ فكان لها بذلك خصوص تمييز، لا يلحقه الأب. وهو صريح قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه أبو هـريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك»(21).

ومن هنا كان للأمومة جمالية خاصة في الإسلام، تتحقق على المستوى التربوي في تنشئة الفتاة، وإعدادها النفسي؛ لتملأ الوجدان الاجتماعي كله بالحب والحنان؛ مما يرسي نوعاً من التوازن السيكولوجي في الأجيال، ويقوي النسيج الاجتماعي للأمة.

القسم الثاني: المرأة وسيماء الصورة في حرب القيم:

ونعني بسيماء الصورة هنا صورة الجسم، فكل الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، المتعلقة بلباس المرأة؛ إنما هي راجعة إلى الأصل الأول المبين في الفصل الأول، أي سيماء النفس، فوجب أن تكون الصورة خادمة للنفس وليس العكس، كما هي فلسفة الحضارة المادية في الغرب اليوم!

 الصورة سيماء حضارية:

يخطئ الذين يظنون أن الصورة ـ بما تحمله من ألبسة وعلامات ـ محايدة لا انتماء لها. بل هي رمز خطير من أهم رموز الانتماء الحضاري! إنها تعبر عن تصور ما للحياة والوجود والمصير بصورة واعية، أو غير واعية.

إن العري في الغرب اليوم، عري الرجل والمرأة كليهما، صورة تعبر عن فلسفة حضارية! فأوروبا وسليلتاها: أمريكا وأستراليا، تختزن مضموناً وثنياً قديماً، يرجع إلى العهد اليوناني القديم. لقد انهزمت المسيحية يوم تبناها قسطنطين إمبراطور روما، فانتقلت من الشرق مهدها الأول إلى الغرب؛ ذلك أن الغرب لم يستطع أن يتخلص من فكره الوثني القديم. فبدل أن تتمسح أوروبا توثنت المسيحية! أو بدل أن (تتنصر روما ترومت النصرانية) كما قال بعض مؤرخي الملل والنحل من المسلمين. وهذه أعظم مصيبة في تاريخ الديانة المسيحية! لقد فقدت طبيعتها الروحية إلى الأبد! قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له (قسطنطين)، فدخل في دين النصرانية. قيل: حيلة؛ ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام؛ من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح (دين قسطنطين)!»(22).

إن الفنان اليوناني القديم الذي لا يجد حرجاً في رسم أو نحت الصورة عارية تماماً، مع العناية الشديدة في نقش الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، في التماثيل والصور؛ إنما يستجيب لطبيعة الفلسفة الإغريقية القديمة. فكل ذلك له دلالة التفسير المادي للحياة، والتصوير الغرائزي للإنسان! وهو حس وثني غليظ، بمقتضاه عبد الإنسان الشهوات السلطانية والمالية والجنسية، سواء في عهد الفراعنة في مصر، أو في عهد اليونان القديم، حيث الآلهة هي مرجع التفكير، والاعتقاد الفلسفي والاجتماعي لدى الإنسان. ولذلك كان العهر جزءاً من فلسفة اليونان، وجزءاً من قيمهم الدينية. وقد فصّل العلامة المودودي في كتابه (الحجاب) هذا المعنى بما يكفي، لكنا نقتطف منه قوله ـ رحمه الله ـ: «وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم، إلى حد جعل كبار فلاسفتهم، وعلماء الأخلاق عندهم؛ لا يرون في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضة، يلام المرء عليها ويعاب!... وانتشرت فيهم عبادة أفروديت «Aphrodite» التي كان من قصتها عندهم في الأساطير «Mythology» أنها خادنت ثلاثة آلهة، مع كونها زوجة إله خاص! وأيضاً كان من أخدانها رجل من عامة البشر، علاوة على تلك الآلهة. ومن بطنها تولد كيوبيد «Kupid» إله الحب! نتيجة اتصالها بذلك الخدن البشري!»(23).

إن هذا المضمون ـ مع الأسف ـ لم تستطع المسيحية في أوروبا أن تقضي عليه، وإنما تكيفت معه وتبنته؛ استجابة لمحاباة الإمبراطور من جهة، واستجابة للعرقية الغربية اليونانية القديمة من جهة أخرى. ولكن الذي حدث هو تحول الأوثان من صورة إلى صورة! فبدل أن تصور الآلهة اليونانية شرعت في تصوير الآلهة المسيحية! فظهرت صورة العــذراء وصـورة المــسيح عليه الســلام ـ زعموا ـ وصور القديسين! وأثقلت بها الكنائس في كل مكان! وصار للمسيحية تجل وثني مع الأسف! هو الذي تطور ليعري الصورة البشرية الحية في الغرب اليوم كاملة! فتوجهت العقلية الغربية إلى التعري في كل مجالات الحياة! ومن هنا شهد الغرب ثقافة العري التي طبعت أدبه وفنونه، ومن ثم صدرها إلينا مع المثقف العربي المصنوع على النمط الأوروبي!

ولذلك فليس عبثاً أن يتجه الفن الإسلامي في العمارة إلى التجريد بدل التجسيد! من خلال اعتماد الخط العربي في الزخرفة والتعبير، والأشكال الهندسية الانحنائية، المتكاتفة والمتعاطفة، نقوشاً وأسواراً وأزقة، كتعاطف المصلين في الصف خلف الإمام. ثم الأشكال التجريدية في الأعمال من صيام وقيام. كل ذلك لأن التجريد هو الفضاء الأقدر على التعبير عن عقيدة التوحيد.

إن حركة العري الجنسية في الغرب اليوم ما هي إلا امتداد طبيعي للانتماء الحضاري اليوناني القديم! فهي تحمل في طياتها تقديس الشهوات، وعبادة الملذات. وبذلك صار للجسم/الصورة سلطة كبيرة في بناء التصورات وصناعة القرارت، في السياسة والتجارة والإعلام! وتلك هي الوثنية في صورتها الجديدة!

الصورة سيماء إعلامية تجارية:

وبهذه الخلفية الحضارية وُظِّفَتْ صورة المرأة، كاسية أو عارية، في الثقافية الإعلامية الغربية، فكانت بذلك رمزًا لترويج السلع والبضائع، والمنتوجات المختلفة، من خلال أبعاد صورتها الجسمانية، وما يتداعى عنها من غرائز جنسية، تستدعيها في نفسية المشاهد والمتلقي؛ ليكون بعد ذلك أحد المستهلكين للبضاعة التي مرت إلى عقله عبر قناة الجسد، جسد المرأة المشتهى!

إن هناك شيئاً يمكن تسميته بعلم النفس التجـاري! لكنه (علم) ـ إن صحت العبارة ـ نشأ في بلاد لا تعرف معنى لمفهوم الحرام! بل إنما تفتقت عنه عبقرية الشيطان اليهودي أساساً؛ ولذلك فقد جاء يحمل كل خصائص الرأسمالية المتوحشة. فصار صناعةً تستغل كل شيء، وتضحي بأي شيء: الدين والأخلاق والأعراض والقيم الإنسانية جملة؛ من أجل الوصول إلى غاية واحدة: هي الربح! فكان أن وظف السيمياء الأكثر تأثيراً في نفسية المستهلك الشهواني، وهي: جسد الأنثى، في صورته الجنسية!

فكانت هذه الصورة ـ مع الأسف ـ هي القناة الإشهارية الأولى، لكل البضاعة العالمية، من السيارة حتى الحذاء! ولم تعد صورة المرأة في الواقع النفسي التجاري العالمي؛ تتجاوز معنى مـومياء البلاستيك المعدة لعرض الأزياء على قارعة الطريق!

والصورة سيماء سياسية: وبنجاح السيماء التجارية في استغلال جسد المرأة بأبعاده الجنسية؛ انتقلت العدوى إلى مجال التدافع السياسي الصرف خاصة في الوطن العربي والإسلامي اليوم، حيث توظف الصورة العارية من خلال الأدب، والثقافة، والفن السينمائي، والمسرحي، والألبوم الغنائي، والموديل الفتوغرافي، وموضة الشارع المتحركة، حتى نمط العمل الإداري! كل ذلك لتدمير بنية التدين في المجتمعات الإسلامية، هذه البنية التي تعتبر خميرة ما يسمى (بالإسلام السياسي) باصطلاح أعدائه، أو (الصحوة الإسلامية)، أو (حركة تجديد الدين)، باصطلاح أبنائه. لقد استُغل السلاح النسوي استغلالاً خطراً، في إعادة صياغة الأسرة؛ وفق المقياس الأوروبي وقيمه الحضارية، ونقض أصول بناء الأسرة في القرآن بالتدريج. كل ذلك يحصل اليوم من خلال وسائل من أخطرها التطبيع على تداول الصورة العارية كموضة متحركة في بنية المجتمع العربي والإسلامي!(24)

والصورة سيماء قرآنية:

ومن هنا لم تكن عناية الإسلام بالصورة الجسمية فارغة من أي مضمون، أو مجرد شكليات، وجودها كعدمها، كلا! بل هي أيضاً تعبر عن انتماء حضاري، وموقف عقدي، ورؤية وجودية. إنها عمق مذهبي، والتزام ديني(25). ولذلك فليس عبثاً أن تجد القرآن نفسه وهو أعظم مصدر ديني في الإسلام ينص على قواعد اللباس، وقواعد التصرف الصوري (نسبة إلى الصورة)، على سبيل الإلزام حيناً، وعلى سبيل الإرشاد حيناً آخر.

إن رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم وزوجه حواء ـ عليهما السلام ـ، حيث كان لباس الجنة رمزاً للرضا الإلهي، وبمجرد ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري! فالعري هو رمز التمرد على الخالق. إنه إذن رمز الشيطان! قال ـ عز وجل ـ: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْـجَنَّةِ فَتَشْقَى * إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْـخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْـجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 117 - 122]. إن هذه الآيات تلخص قصة اللباس كيف بدأ في تاريخ الإنسان وفي تاريخ الدين كله. فآدم وزوجه ـ عليهما السلام ـ كانا على تمام النعمة في الجنة، أَكْلاً وشُرْباً ولباساً. فقوله ـ تعالى ـ: {وَلا تَعْرَى}؛ دال على أنه ـ عليه السلام ـ كان يتمتع بلباس الجنة هو وزوجه. قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن»(26). وقال ابن كثير في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى}: «إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر»(27). وقوله: {وَلا تَضْحَى}؛ أي لا تتعرض لحر الشمس. فهو في ظلالها وجمالها.

فصرح القرآن العظيم بعلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه؛ أنها الرغبة في تعريتهما التعرية التامة! حتى تظهر لهما سوءاتهما، فيريان ذلك من أنفسهما معاً! وليس أبعد في المنكر والخزي من أن يتعرى الإنسان، ويكشف عن عورته على ملأ الناس! إذن تمسخ طبيعته التي فطر عليها، من رتبة الإنسانية إلى دَرَك البهَمِيَّة، كما هي معظم شوارع هذا الزمان وتلفزيوناته! صحيح أن آدم وزوجه إنما كانا وحيدين في جنسهما آنذاك؛ إذ هما أول الخلق البشري. ولكن قصة آدم إنما كانت لوضع أصول التربية الفطرية للإنسان، والعهد إليه بميثاقها.

فالشيطان سعى قصداً إلى نقض هذه المقاصد، وتعرية الإنسان وتطبيعه على التعري، وخرق الحياء كقيمة إنسانية. ولذلك قال ـ عز وجل ـ في سورة الأعراف مبيناً: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْـخَالِدِينَ *وَقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَـمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْـجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأعراف: 20 - 22].

ومن هنا كانت الآية البصيرة ـ وكل آيات القرآن بصائر ـ الآية التي تحكم منطق اللباس في الإسلام، وتوجهه، وتمنحه مضمونه المقاصدي بالشمول الكلي، تحيل تعليل فطرة اللباس وطبيعته الإسلامية على قصة آدم نفسها، لكن بوضوح أبين، ودلالة أقوى، وهي قوله ـ تعالى ـ: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْـجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 26 - 27].

والذي نفسي بيده! لو تدبرت النساء اليوم هذه الآية وحدها لكفتهن! ولكن أكثرهن ـ مع الأسف ـ عَمْياوَاتُ القلوب، {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

ومن جمالية التعبير القرآني بهذه الآية البصيرة؛ أنه ـ تعالى ـ ذَكَر لباس الثياب، ثم كنَّى عنه بالريش؛ وذلك لما للطائر من جمال؛ إذ ينطلق بريشه محلقاً في الفضاء، أو مستقراً على الشجر، أو ماشياً على الأرض. وما أتعسه من طير فَقَدَ ريشه! أو نتفه مَنْ يعذبه به! ألا ذلك هو العذاب الأليم! وقرن ـ تعالى ـ هذا كله بلباس التقوى، وإنما القصد (بلباس التقوى) صلاح النفس، لا اللباس المادي الظاهر، ولكنه هنا سيق ليكون هو غاية اللباس المادي في الإسلام، والمقصد الأساس من تشريعه، فإنما اللباس ما عبَّر عن ورع صاحبه وتقواه؛ ذكراً كان أم أنثى.

ومن ثَمَّ كان العهد الذي أخذه الله على الإنسان بعدم عبادة الشيطان؛ يعود بنا إلى قصة العري والعصيان الآدمي، وذلك قول الله ـ جل جلاله ـ: {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61]. فكان الالتزام باللباس نوعاً من الوفاء العَقَدي لعهد الله وعدم الإشراك به، كما كان التعري نوعاً من الشرك والوثنية! لما فيه من إبراز وتقديس للجسمانية على حساب الروحانية؛ ومن هنا كانت أحكام اللباس في الإسلام متأصلة في عقيدة التوحيد! وهذا معنى من ألطف ما يكون، وسر من أعجب أسرار القرآن.. فتدبر!

في هذا الفضاء الكوني القرآني إذن؛ جاءت آية سورة الأحزاب في فرض نموذج لباس المرأة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، وآيات ســورة النور التي منــها قــوله ـ تعـالـى ـ: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَـا ظَهَـرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] .

وفي هذا الفضاء أيضاً جاء تمييز الرجال بألبستهم وصورهم، صحيح أن الإسلام لم يفرض نموذجاً عربياً أو عجمياً للباس، ولكنه فرض قواعد يجب أن تُحترم؛ سواء كان اللباس عربياً أو عجمياً، وقد لبس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللباس العجمي وأقره بين الصحابة، كالقَبَاطِي والجبة الرومية، وغير ذلك(28)؛ ما دامت تلك الألبسة لا تحمل دلالة دينية رمزية لغير المسلمين من ناحية، وما دامت من ناحية أخرى تستجيب لقواعد اللباس الرجالي في الإسلام.

فالأمر الوارد بإعفاء اللحية بصورة مخصوصة لا بأي صورة، وكذا الأمر بالتزام قواعد معينة عند كل لباس؛ كل ذلك يخدم هذه الأصول التشريعية والعقدية المنطلقة من قصة آدم، والساعية إلى تمييز الإنسان المسلم عن عالم الخطيئة والعصيان الشيطاني، الذي انحدرت إليه أمم المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. فقوله -صلى الله عليه وسلم- مثلاً: «خالفوا المشركين! أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى!»(29)، وفي رواية لمسلم: «خالفوا المجوس»؛ ليس لتشكيل صورة قائمة على مجرد فن الديكور! كلا! بل هو لتمييز الصورة الإسلامية في سيميائها الحضارية، وانتمائها العقدي. إنها تعبير عن التبرؤ من النموذج الشيطاني الذي جر إليه إبليس اللعين الأمم الضالة لتغيير خلق الله، كما حكى عنه القرآن العظيم مفصلاً بشكل عجيب! قال ـ تعالى ـ: {إن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إنَاثًا وَإن يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء: 117 - 119].

ومن ذلك حديث أبي أمامة قال: «خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار، حمّروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب!» قال: فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب!» قلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يَتَخَفَّفُونَ ولا ينتعلون!(30) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب!» فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عَثَانِينَهُمْ (يعني: لحاهم) ويُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (يعني: شواربهم)! قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم! وخالفوا أهل الكتاب!»(31).

وبهذا القصد نهى الرجال عن إسبال الثوب، وإرخائه إلى ما تحت الكعبين من الأقدام؛ لما كان يدل عليه من خيلاء وكبر في عادات العرب، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار!»(32). وقال -صلى الله عليه وسلم- مبيناً علة ذلك: «مَنْ جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»(33). ولنكتف بهذه الإشارات فيما يتعلق بسيمياء اللباس لدى الرجل؛ حتى لا نخرج عن غرض هذا المبحث المتعلق بسيمياء المرأة على الخصوص. وإنما القصد أن نبين أن اللباس عموماً في الإسلام، سواء منه ما تعلق بالرجال، أو ما تعلق بالنساء، له دلالة سيميائية ترجع في رمزيتها إلى مقاصد دينية تعبدية، تضرب حقيقتها في عمق التصنيف الاعتقادي، وتتشكل صورتها في صلب الانتماء الحضاري، والتميز الثقافي.

العري كبيرة من الكبائر:

فمن هنا إذن؛ كان الوعيد النبوي شديداً بالنسبة للمتعريات من المسلمات، ففي هذا الإطار السيميائي، والسياق الحضاري؛ جاءت الأوامر القرآنية والنبوية بالتزام صورة معينة للباس لدى النساء. وأنكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنكاراً رهيباً تعري المرأة. والعجيب أن ذلك الإنكار تعلق بصورة (كاريكاتورية) للباس المرأة؛ لم تكن قد ظهرت في زمانه -صلى الله عليه وسلم-، ولا عرفتها العرب. وإنما حدَّث عنها ـ عليه الصلاة والسلام ـ مطلاً على المستقبل من مشكاة النبوة، ومستبصراً للغيب، مما علمه الله. أي أنه كان يقرأ زماننا ويبصر عري نسائنا من قمة زمانه -صلى الله عليه وسلم-! فأنكر ذلك المستقبل الماضي في علـم الله، وحـذر من مجاراته والافتتان به؛ لِمَا عَلِم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من انتسابه الشيطاني، وتمرده على رب الكون! فرتب عليه وعيداً شديداً من عذاب الله! وتلك صفة كبائر الذنوب عموماً في الإسلام، والسياق قاطع بأن هذه منها! وقد اشتهر في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَهُمَا. قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»(34).

فهذا الحديث من دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم-، فقد وصف فيه ما لم يره بعين البصر، وإنما رآه بعين النبوة، مما سيكون في آخر الزمان وهو زماننا هذا. فكان وصفه العجيب كأدق ما يكون الوصف؛ لما عليه حال النساء اليوم، مما لم يسبق له مثيل في التاريخ! فهن فعلاً كما قال -صلى الله عليه وسلم- (كاسيات عاريات)؛ بمعنى أنهن يلبسن ما به يكون العري أشد! وهو شيء غريب فعلاً. ألا ترى أن نوع اللباس الأنثوي اليوم إنما هو لزيادة بيان تفاصيل العورة، ومواطن الفتنة من الجسم: خِرَقٌ رقيقة أو ناعمة تكشف وتشف، أو ترسم هيأة البدن على التمام والكمال، وتعري بعضه أو أغلبه تعرية تامة. فإذا المرأة في الشارع تسير عارية تماماً! إنها لو خرجت بلا ثوب مطلقاً لما فتنت كما تفتن الآن بقليل اللباس؛ مما يكون به عرض مواطن الفتنة في الجسم على أبين وجه، وعلى أدق توصيف! فأي شيطان هذا الذي يملي هندسة الشر على منتجي الموضة في العالم؟ ذلك هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (كاسيات عاريات!).

ثم إنهن بعد ذلك (مائلات مميلات)، ومعناه أنهن مائلات عن الصراط المستقيم أولاً، ثم هن مائلات في مشيتهن بالطرقات، يَسِرْنَ بنوع من الانحناء إلى شمال تارة، وإلى يمين تارة أخرى؛ إمعاناً في عرض أجسامهن العارية بأوضاع مختلفة، في المعرض المفتوح لأجساد النساء! ماذا بقي بعدُ من الكرامة لهؤلاء؟

وأما كونهن (مميلات) فهو أنهن يملن أعطافهن وأردافهن ـ إذا مشين ـ بتكسر ماجن، وتعهر فاضح. و (الإمالة) أيضاً هي أثر ذلك كله على قلوب الشباب خاصة، وقلوب الرجال عامة، من التأثير الشيطاني والغواية الإبليسية التي تميلهم عن الصراط المستقيم، وتخرجهم عن سبيل الهدى إلى سبل الضلال، وتخرجهم من النور الظلمات، أو من الظل إلى الحرور!

ثم هنّ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ»، ومعناه أن طريقة قص شعرهن، وشكل حلاقته؛ تجعل رؤوسهن أشبه ما تكون بأسنمة البُخْت المائلة. والبُخْت: جمع بُخْتِية، وهي الناقة. لكنها نوع خاص من الإبل، مُنَسَّلَةٌ من الجِمال العجمية. والأسْنِمَةُ: جمع سنام، وهو ذروة الناقة. وكثيراً ما تكون ذروة الناقة، أو الجمل؛ فعلاً مائلة إلى جانب معين، ثائرة الوبر، متناثرة الشعر، بشكل وحشي، أو قل (فوضوي) بالمعنى الفني المعاصر للكلمة! أليس النساء هنّ كذلك فعلاً؟ بلى والله! وبالضبط كما وصفهن النبيُّ! فَعُدَّ أنواع القَصَّات في حلاقة الموضة الجهنمية اليوم! لترى مدى صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الوصف الاستبصاري النبوي! عُدَّ إذن: القَصَّةَ المربَّعة! وقَصَّةَ الفرس! وقَصَّةَ الفتى! (للبنات طبعاً!) والقَصَّةَ الإيطالية! والقَصَّةَ الوحشية...! إلى آخر ما في جعبة إبليس من تحليقات شيطانية! ذلك هو والله! وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهنّ: (رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ)! وصدق نبي الله -صلى الله عليه وسلم-.

فإذا أضفت إلى هذا ما أخبر به ـ عليه الصلاة والسلام ـ في بداية هذا الحديث، وهو الصنف الأول من أهل النار، أي: (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ!) رأيت ما يسمى في العصر الحديث بـ (قوات مكافحة الشغب)، ورأيت (جلادي السجون)، وشرطة الاختطافات والاستنطاقات القسرية، ورأيت كيف يحملون معهم هراواتهم وسياطهم، وسائر أدوات التعذيب الميكانيكية والكهربائية؛ لتحطيم جماجم المستضعفين، وتهشيم عظام المظلومين في كثير من بلاد العالمين! مما لم يدر بخلد شياطين العهد النبوي! إذا أضفت ذلك إلى ذلك؛ علمت دقة التصوير النبوي لمدى خطورة الانحراف الذي عليه المرأة المسلمة اليوم!

فاقرئي الحديث ـ بُنَيَّتي ـ مرة أخرى، وتدبري! أليس كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ ينظر إلى زماننا هذا بالضبط، وبدقة متناهية؟ أليس كان ينظر من مشكاة النبوة إلى غيب يبعد عنه -صلى الله عليه وسلم- بأزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان؟ بلى والله! وقطعاً ستصدق نذارته كما صدقت نبوته. وإنما نذارته هنا هي قوله عن الفريقين: إنهم جميعاً: (صنفان من أهل النار)، وأن النساء الكاسيات العاريات: (لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)! أي أنه كان يصف البعد الرهيب الذي يفصل بين هؤلاء النسوة وبين ريح الجنة؛ لِمَا هن هاويات فيه من دركات الجحيم الضاربة في أعماقها والعياذ بالله!

ولقد روي هذا المعنى بنبوءات أخرى عجيبة، في أحاديث صحيحة، تتحدث عن موديلات السيارات الفاخرة التي تركبها النساء العاريات! فأبصَرَ منها النبي -صلى الله عليه وسلم- لقطة فيها من التناقض السلوكي، والانفصام النفسي والاجتماعي؛ ما نراه اليوم عياناً! وهو ذهاب هؤلاء الكاسيات العاريات مع أزواجهن إلى المساجد للصلاة أحياناً! زعموا! وهو ما يقع خاصة يوم الجمعة، وأحياناً لا يذهبن للصلاة، وإنما يتبعن موكب العرسان، على عادة بعضهم في إدخال العريس إلى المسجد، في جوقة من الزغاريد والغناء، والعري الفاضح الماجن. وهذا أمر نشاهده اليوم في مصيف الأعراس، في بعض المساجد المغربية! وهو من أقبح البدع وأسوئها! اقرأ هذا الحديث النبوي العجيب، وانظر إلى تلك السيارات الموصوفة منذ أزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان! قال -صلى الله عليه وسلم-: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف! العنوهن فإنهنّ ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم! كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم»(35).

وروي بلفظ آخر هو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المَياثِرِ(36)؛ حتى يأتوا أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم!»(37).

فتدبر هذا الخطاب الرهيب، والوعيد الشديد في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (العنوهنّ فإنهنّ ملعونات!) ما كان ليكون ذلك كذلك؛ لو لم يكن التعري خطيئة من أبشع الخطايا، وأخسها! ولو لم يكن مسخاً للفطرة الإنسانية، وتغييراً لخلق الله في السلوك النفسي والاجتماعي! إنه سيمياء الشيطان!

فالسِّتْرَ السِّــتْرَ بُنَيَّتي! فإنه ســـيماء الرحمن! قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ـ تعالى ـ حَيِيٌ سِتِّيرٌ، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر!»(38).

 خاتمة:

والخلاصة في هذه المسألة أنه يمكنك القول: إن هيأة المسلم في لباسه ومظهره ـ رجلاً كان أو امرأة ـ هي عبارة عن صلاة! بكل ما تحمله كلمة (صلاة) من معاني السير إلى الله خضوعاً وخشوعاً.
إن سيماء الصورة في الإسلام لغة كاملة؛ لغة من لغات الصلاة المودعة في أسرار هذا الملكوت! إنها تعبير عن منطق الطير، وصحف إبراهيم، وألواح موسى، ومزامير داود وإنجيل عيسى، وآيات هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ذلك الدين الواحد، ضل عنه المحرفون الذين بدلوا، وغيروا خلق الله، ونبذوا ستر الله، وانحازوا لعري إبليس! فهدى الله المسلمين إلى جمال الستر. ولكن أكثرهــم اليوم ـ مع الأسف ـ لا يعقلون!
(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، بجامعة السلطان المولى إسماعيل، المغرب.
(1) انظر: مختار الصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط، مادة: (سوم).
(2) وعلى هذا الوزان يفهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» متفق عليه. فليس المراد قطعاً الاستهانة بجنس الأنثى كلا! فحاشا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يصدر منه شيء من ذلك، والأنثى خلق الله السوي، وصنعه المتقن. وإنما المقصود هو النقص التكاملي، كما بيناه أعلاه، وهو هنا في خصوص هذا الحديث نقص يقابله فيض عاطفي نبيل نقص فيه الرجل، وكذا تفرغ بيولوجي لحمل سر الخلق الإلهي العظيم، وضمان استمرار الحياة! فكانت لها بذلك إجازات في الحيض وفي النفاس؛ لتأدية ذلك الدور الأمومي الذي فاقت به زوجها أضعافاً ثلاثة! كما هو واضح في حق الآباء على الأبناء. فتأمل!
(3) رواه أحمد والنسائي والحاكم عن ابن عمرو. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3071، في صحيح الجامع.
(4) رواه الطبراني عن عمار بن ياسر. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3062، في صحيح الجامع الصغير.
(5) رواه أبو داود، وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5096 في صحيح الجامع.
(6) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5100، في صحيح الجامع.
(7) رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5095، في صحيح الجامع.
(8) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5565، في صحيح الجامع.
(9) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3061، في صحيح الجامع.
(10) رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في شعبه عن أبي هريرة، كما رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أبي بكرة. ورواه الطبراني والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 9913، في صحيح الجامع.
(11) رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود. وحسنه الألباني. انظر: حديث رقم: 935، في صحيح الجامع.
(12) رواه أبو داود والترمذي عن عائشة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 2965، في صحيح الجامع.
(13) رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي عن أم سلمة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 8072، في صحيح الجامع.
(14) رواه أبو داود عن ابن مسعود، ورواه الحاكم عن أم سلمة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3383، في صحيح الجامع.
(15) رواه البيهقي في سننه عن عائشة. وحسنه الألباني. انظر: حديث رقم: 9305، في صحيح الجامع.
(16) رواه أحمد والطبراني. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري، ووثقه ابن حبان». ولذلك قال ابن حجر في فتح الباري: «وإسناد أحمد حسن».
(17) رواه أحمد، وأبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الرحمن بن عوف، كما رواه الحاكم عن أبي هريرة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 4134، في صحيح الجامع.
(18) رواه البخاري.
(19) رواه مسلم.
(20) مقال د. عبد الوهاب المسيري: «ما بين حركة تحرير المرأة، وحركة التمركز حول الأنثى: رؤية معرفية»، منشور بمجلة المنعطف المغربية، ص 39، عدد مزدوج: 51 ـ 61- 1241هـ ـ 0002م.
(21) متفق عليه.
(22) تفسير ابن كثير: في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {إذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ} [آل عمران: 55].
(23) الحجاب: 51، وانظر تفاصيل هذه الفلسفة فيما بعدها من صفحات!
(24) انظر: ذلك مفصلاً في كتابنا: الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب.
(25) يقول الدكتور أحمد الأبيض التونسي: (إن الدعوة للتمسك بالزي الإسلامي ليست دعوة شكلانية ظاهرية؛ لإيماننا أن اللباس ليس غلافاً خارجياً للجسد، بل هو كساء للجسد بمجموع القيم والمبادئ التي تحملها ثقافة معينة، ومن خلالها تقرأ الجسد وتُرَمِّزُه)، فلسفة الزي الإسلامي: 8 ـ 9.
(26) الجامع لأحكام القرآن: 11/352.
(27) مختصر تفسير ابن كثير، للصابوني: 3/ 861. طبعة دار الفكر بيروت.
(28) والقَبَاطِي، بفتح القاف، وكسر الطاء، كما هو عند ابن الأثير: جمع قِبْطِيَّة، وهي: ثوب من ثياب مصر القبطية رقيقة بيضاء، كأنها منسوبة إلى القبط. انظر كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: (حرف الجيم باب الجيم واللام). وشاهده ما رواه أسامة بن زيد قال: «كساني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبطية كثيفة مما أهداها له [هرقل] فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي. فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مُرْهَا فلتجعل تحتها غلالة؛ فإني أخاف أن تصف حجم عظامها!)، رواه أحمد والطبراني. قال الهيثمي: (وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات) مجمع الزوائد: 5/ 731. وفي سنن أبي داود عن دِحْيَةَ بن خليفة الكلبي أنه قال: «أُتِيَ رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- بقباطيَّ فأعطاني منها قبطية فقال: اصدعها صدعين (يريد شقها نصفين)، فاقطع أحدهما قميصاً، وأعط الآخر امرأتك تختمر به. فلما أدبر قال: وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوباً لا يصفها»، رواه أبو داود.
وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبس جبة رومية ضيقة الكُمَّين» رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. كما رواه بصيغ أخرى الإمام النسائي والبيهقي والطبراني. وروى ابن ماجه عن عبادة بن الصامت قال: «خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وعليه جبة رومية من صوف، ضيقة الكمين، فصلى بنا فيها، ليس عليه شيء غيرها!» وقال ابن حزم: «والصلاة جائزة في ثوب الكافر والفاسق ما لم يوقن فيها شيئاً يجب اجتنابه؛ لقول الله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]. وقد صح أن رسول الله صلى في جبة رومية. ونحن على يقين من طهارة القطن، والكتان، والصوف، والشعر، والوبر، والجلود، والحرير للنساء، وإباحة كل ذلك. فمن ادعى نجاسة أو تحريماً لم يصدق إلا بدليل من نص قرآن، أو سنة صحيحة! قال ـ تعالى ـ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119]، وقال ـ تعالى ـ: {إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْـحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]» المحلى: 4/ 57.
(29) متفق عليه.
(30) تَخَفَّفَ: لبس الخُفَّ، وهو: جلد يلبس للقدمين كالجوارب.
(31) رواه أحمد والطبراني وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر.
(32) رواه البخاري.
(33) متفق عليه.
(34) رواه مسلم.
(35) رواه أحمد وابن حبان والطبراني في الثلاث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 5/137: (رجال أحمد رجال الصحيح. وعبارة الطبراني قال: «سيكون في أمتي رجال يُركبون نساءَهم على سروج كأشباه الرحال»).
(36) المَيَاثِر: جمع مَيْثَرَة، وهي الأريكة الفخمة. والمقصود هنا أريكة السيارة.
(37) رواه الطبراني والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.
(38) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 1756 في صحيح الجامع.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-