الرؤى المتباينة عند القرويين في فهم القانون " دراسة سوسيولوجية لبعض عناصر الثقافة الشعبية "

دكتـور/ مهدى محمد القصاص قسم الإجتماع – كلية الآداب - جامعة المنصورة مقدمة يثير دور المجتمع المدنى وتنمية الوعى السياسى العديد من القضايا والإشكاليات على الصعيدين الشعبى والرسمى, كما أن هناك ثمة خلط بين العمل الطوعي في مجال المجتمع المدنى, والعمل السياسي, بعضه يرتبط بنشأة الجمعيات الأهلية وتطورها في مصر, وبعضه الآخر يعود الي القيود الأمنيه والقانونية علي العمل السياسي والحزبي مما انعكس علي فعاليات تطوير المجتمع المدني وتحقيق الحكم الراشد. وعلي الرغم من صعوبة عزل حركة المجتمع المدني عن الحركة الثقافية إلا أن تأثير العامل السياسي فيها كبير, خاصة بعد الانهيار في دول المنظومة الاشتراكية في سياق عملية نقد ومراجعة لهذه التجربة, ساعد في ذلك التغيرات التي أخذت بها بعض الدول العربية إزاء الديمقراطية (انتخابات الرئاسة في مصر 2005) والتحول إلي أنظمة السوق الحر وتشجيع القطاع الخاص ورفع شعارات حقوق الإنسان وقبول الآخر وتراجع نسبي لدور الدولة في مجالات العمل والصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. في الوقت نفسه زاد عدد مؤسسات المجتمع المدني (*) وتنوع نشاطها وتغير مفاهيم البعض منها وفلسفته لتطرح مفاهيم التنمية والمشاركة الشعبية والسياسية في إطار العولمة وما تتضمنه من أبعاد اقتصادية (الخصخصة واقرار حرية السوق) وسياسية (حقوق الانسان والديمقراطيه والتمكين السياسي كصيغ ومفاهيم للحكم الراشد) وثقافيه (منظمات ومواثيق اخلاقيه عالميه – قيم ثقافيه) وبروز الدعوة الي قيام مجتمع مدني عالمي.  ولعل ما جاء فى تقرير التنمية البشريه لمصر لعام 2005 من منح المواطنين حقوق المواطنة التي تعتبر بمثابه الأداة التي يستطيعون بها القيام بمسئولياتهم المقررة بمقتضي الاتفاق الجديد بين الدوله والمجتمع المدني وبينما يقتصر دور الدوله علي توفير بيئة ادارية مواتيه من اجل الاسراع بالتنمية, سيطالب المواطنون بحرية التعبير وحريه تشكيل التنظيمات والوصول الي المعلومات بما في ذلك حرية الصحافة. ويستطيع المجتمع المدني النشط سياسيا أن يجعل الحكومة أكثر استجابة لمتطلباته. وهذا لا يتم إلا بوجود أحزاب سياسة تمثل المواطنين وتصل إلي المناطق والفئات المحرومة والبعيدة, وكذلك بوجود مشرعين قادرين علي آداء وظيفتهم بكل دقة. ومن الواضح أن هناك رغبة قوية في التغيير, أبرزها الحماس القوي الذي أبداه الشارع المصري تجاه الانتخابات القومية في مصر, فضلا عن المطالب الصريحة بوضع الآليات السياسية والاداريه التي تكفل تحقيق الديمقراطية من خلال انتقال السلطة واللامركزية, لتحقيق النمو والاستقرار. هدف البحث وتساؤلاته: تمثل هدف البحث في محاولة عرض وتحليل طبيعة دور المجتمع المدني (الجمعيات الأهليه) ومساهمته في تنميه المجتمع سياسيا لتحقيق الحرية وأسس الحكم الراشد. ولتحقيق ذلك نطرح التساؤل التالي: ما دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية المحليه والحرية وصولا الي الحكم الراشد ؟ ويتضمن ذلك التعرف علي دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية المستديمه في ضوء عولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة. وذلك من خلال وعي أفراد المجتمع بدور المشاركة المجتمعيه وأهميتها كإحدي أدوات الحكم الراشد. وكذلك المناخ السياسى الذى يشجع على زيادة وعى أفراد المجتمع بأهمية المشاركة. فى منهجية الدراسة الميدانية: يأتى نمط البحث وصفيا تحليليا. وننطلق من تعريف المجتمع المدنى: بأنه المشاركة العامة للتنظيمات غير الحكومية وهى قائمة على عضوية اختيارية ولا تهدف إلى الربح ، وتضم النقابات المهنية والاتحادات والأحزاب والجمعيات وغيرها. هذا وقد تم اختيار عينة من عشر حالات لتطبيق دراسات الحالة الميدانية بطريقة عمدية ومعروفين لدى الباحث وتتمثل خصائصهم فى أنهم متعلمون ، تترواح أعمارهم مابين 30 – 45 عاماً ، من الذكور ، متزوجون ، ويعملون ويقيمون بدائرة كوم حمادة الانتخابية ، ولهم نشاط على المستوى الشعبى فى مجال خدمة البيئة المحلية و الخدمات الاجتماعية ، وينتمى 70% منهم إلى الحزب الوطنى ( الحزب الحاكم ) ولهم نشاط سياسى ملحوظ خاصة فى فترات الانتخابات ، كما شاركوا بفعالية فى انتخابات مجلس الشعب التى أجريت فى الربع الأخـير من العام 2005 ، بوصفهم منظمى الدعاية ومشاركين فاعلين مع مرشحهم ( ابن البلد ) المستقل ، أحدهم عن ( الفئات ) والآخر عن ( العمال ) عن دائرة ( مركز كوم حمادة – قرية بيبان – محافظة البحيرة ) والتى تقع غرب العاصمة القاهرة على مسافة 120 كيلو متر ، ويجمع بينهم هدف واحد هو نجاح مرشحهم رغم انتمائهم لأحزاب مختلفة ، وفى سبيل ذلك تم مخاطبة الناخبين بكل ما يحبون من أماني. أولا: المجتمع المدني والتنمية المجتمعية. يلعب المجتمع المدني ومنظماته دورا مهما في تنمية المجتمعات في مختلف المجالات خاصه المجال الخيري والمشاركة الاقتصادية والسياسية. ونعرض لذلك من خلال: 1 – مفهوم المجتمع المدنى وترقية الديمقراطية. يمكن تعريف المجتمع المدنى بثلاثة أساليب. الأول: فى سياق النظام الاقتصادى التقليدى: حيث يشير المفهوم للانتقال إلى المجتمع البرجوازي. وفى هذا السياق تعنى " المدنية " احترام الحرية الشخصية والملكية الخاصة ويستخدم رجال الاقتصاد هذا المفهوم للإشارة إلى المؤسسات غير التابعة للدولة التى تسهم فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ثانياً: يتم استخدام المفهوم فى سياق علاقته بالإصلاح السياسي والتحول إلي النظام الاجتماعي الحديث وفي سياق هذا التعريف ، يشير المجتمع المدنى على وجه الخصوص للمؤسسات غير التابعة للدولة التى تسعى للوصول للقوة والسلطة السياسية. ثالثاً: يستخدم مصطلح المجتمع المدنى أحيانا للإشارة إلى دقة وأهمية الفاعلين الاجتماعيين من غير ذوى السلطة مثل المنظمات الخاصة والمؤسسات الدينية وغيرها.  وليست هذه التعريفات الثلاثة منفصلة تماما عن بعضها. فهى تشترك فى التركيز على دور المواطن وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة. وعلى هذا يمكن تعريف المجتمع المدنى على أنه " مناخ الحديث الإجتماعى والتوجهات والحركات الاجتماعية المستقلة التى تسعى لتنظيم المجتمع " ويكون الهدف من هذه النشاطات زيادة قدرات وإمكانات المواطن وحمايته من الاستخدام غير المنضبط للسلطة من قبل الدولة أو أى جماعة تنظيمية أخرى (1). ويذهب " محمد خاتمى " إلى أن العالم الغربى ينبع – تاريخيا وتنظيريا – من نظام الدولة التى ترجع جذورة للثقافة الإغريقية والنظام السياسى للدولة الرومانية ، وأن المجتمع المدنى الذى نعتقد فيه ترجع جذورة التاريخية والتنظيرية إلى " المدينة المنورة ".  فالمجتمع المدنى الذى نراه – الذى يرتكز حول محورية الفكر الإسلامى والثقافة الإسلامية - لا مكان فيه للديكتاتورية الشخصية أو الجماعية أو حتى ديكتاتورية الأغلبية ففى سياق هذا المجتمع نجد الإنسان – ولإنسانيته فقط بغض النظر عن أى اعتبارات أخرى يتم احترامه واحترام حقوقه ويستمتع المواطنون فى المجتمع المدنى الإسلامى بالحق فى تحديد هويته الخاصة وتحديد من يحكموه وبالتالى محاسبتهم وتكون الحكومة فى مثل هذا المجتمع فى خدمة الناس وليست السيد عليهم ، ويتم محاسبتها بشكل فعلى من قبل من تحكمهم. وليس مجتمعنا المدنى مجتمعا للمسلمين وحدهم لكنه مجتمع يعترف بحقوق كل الأفراد تحت مظلة القانون ويرتبط تحديد هذه الحقوق بالواجبات الأساسية للحكومة بل يقف فى مقدمتها احترام حقوق الإنسان والالتزام بالمعايير الأخلاقية وأن هذا تواتر طبيعى لتقاليدنا ومعتقداتنا الدينية (2).  وترجع جذور الروابط بين المجتمع المـدنى والديمقراطية فى أدبيات البحث إلى الكتابات الليبرالية الأولى للكتاب الليبراليين. ومع ذلك فـقد نمت هذه الروابط بأشكال مؤثرة من قبل منظرين القرن العشرين مثل " Sidney Verba " " Gabriel Almond " الذين كانا يعتبرا دور المجتمع المدنى فى النظام الديمقراطى دور حيوى وفاعل ويرى هؤلاء الكتاب أن العنصر السياسى للعديد من منظمات المجتمع المدنى ييسر من الإدراك الأوضح لمفهوم المواطنة والذى يدعم مزيد من القدرة على الاختيار والتصويت والمشاركة فى السياسات ومحاسبة الحكومة لتحسن من آدائها ويتسنى الوصول إلى نتائج أفضل ويرى "Robert Putnam " أنه حتى المنظمات غير السياسية فى المجتمع المدنى لها دور حيويي فى تعزيز الديمقراطية وذلك لأنها تساعد على بناء رأس المال الاجتماعى والثقة والقيم المشتركة والتى يتم نقلها للمناخ السياسى وتساعد فى تـرابط المجتمع (3).  وتؤكد أكثر التعريفات المألوفة فى أدبيات البحث للمجتمع المدنى على الاتساع النسبى للفاعلين الاجتماعيين مثل الأسرة والجماعات المختلفة والمنظمات التطوعية وما إلى ذلك, والتى تكون مستقلة عن الدولة وتظهر نظم الحكم الغربية أبعاداً جديدة هامة بخلاف الاستقلالية عن الدولة, وأول هذه الأبعاد يشير إلى " الخصوصية " الواضحة والتى تعنى الانفصال الواضح والتام عن الدولة أما البعد الثانى فهو " وجودها " حيث أن هذا القطاع يتسم بتنوع المؤسسات التى تنظم العديد من نشاطاته وتحول دون أن يصبح مجرد كتلة اجتماعية لا شكل لها ( هلامية ). أما البعد الثالث فيتضمن " الانفتاح فى قطاعاته ، حيث لا يكون منعزلاً عن بعضه والبعد الرابع للمجتمع المدنى هو " الوصول المستقل للمعترك السياسى المركزى " وتوفر درجة من الالتزام بالوضع العام.  ومجمل هذه الشروط والأبعاد يؤكد على أنه ليس هناك جماعة اجتماعية أو فئة أو مؤسسة يحق لها أن تحتكر سلطة وموارد المجتمع بحيث تمنع إمكانية وصول الجماعات الأخرى لهذه السلطة. ومع هذا فإن ذلك ما حدث بدقة فى بعض النظم – مثل بعض نظم أمريكا اللاتينية – والتى تبنت توجهاً ديمقراطياً فى ظاهر الأمر ، إلا أن السلطة كانت مركزه فى يد مجموعة قليلة جداً. وعلى هذا ، فإن الدور الأساسى لحيوية النظم الديمقراطية وفاعليتها هو وجود العديد من القطاعات الاجتماعية المستقلة عن النظام السياسى ( الدولة ) ، ويكون بمقدور ممثليها الوصول للأطر السياسية الهامة ، فى ظل فهم واضح للقواعد الأساسية للعملية السياسية وتوفر درجة معينة من الالتزام به. إلا أن ذلك ليس كافياً فى حد ذاته للتأكد على استمرارية الأداء الوظيفى للمؤسسات الديمقراطية. فمن الضرورى دمج هذه القطاعات الاجتماعية المتعددة ومراكز السلطة المستقلة مع الروابط الأيديولوجية والمؤسساتية الموجودة بين هذه القطاعات والدولة وتحديد مدى استقلاليتها. وأهم هذه الروابط هو الأطر الدستورية للتمثيل السياسى ومؤسسات القضاء وأنماط التواصل وطبيعة تدفق وتوفر المعلومات السياسية أو مجالات التواصل والخطاب. وبقدر ترابط هذه الكيانات وبقائها مستقلة عن الدولة ، وبقدر السماح للقطاعات الإجتماعية دخول المعترك السياسى ، ومدى النجاح فى إجراء المحاسبة ، ستتحدد طبيعة واستمرارية الأداء الوظيفي للمؤسسات الديموقراطية تحت مظلة القانون والدستور (4).  2 – العولمة ودور المجتمع المدني فى تحقيق التنمية. إن إحساسنا بالواقع صار أمراً شديد النسبية في عصرنا الحالي. فالقوي الشديدة للعولمة والثقافة والاقتصاد وغيرهم والتي تتخذ شكل شركات عابرة للقارات وتدفق الهجرة قد أدت إلي خلط أوراق الدولة – والهوية والمواطنة. كما أن ارتفاع تيار الفردية صار محل اهتمام في ظل استمرار المجتمع في فقد وعيه الجماعي الذاتي – كما يبدو – وبالتالي مقدرته علي العمل السياسي. وفي مقابل ذلك نجد الشركات عابرة القارات (متعددة الجنسيات) التي ترسوا قواعدها في المجتمع العالمي قد كسبت أرضاً جديدة في العمل السياسي والقوة والنفوذ علي الحكومات القومية والبرلمانات. وكانت نتيجة ذلك, أن الوجه الرئيس للسياسة في مطلع الألفية الجديدة هو ظهور موضوعات اخترقت الواجهة الديموقراطية الوطنية للأمة وصارت بمثابة المحرك الرئيس للعمل السياسي (5).  وهناك العديد من التحديات التي تفرضها العولمة علي النظرية السياسية المعيارية وقد كانت النظرية السياسية الغربية التقليدية تفترض وجود المجتمعات المحددة التي تنعزل بحدودها عن الدول والمجتمعات الأخرى. فبالرغم من أن المفكرين السياسيين والقانونين قد اضطلعوا تاريخيا بطاقة هائلة في تشكيل نماذج معيارية محددة للعلاقات بين الدول, فقد اعتمدوا في ذلك إلي حد كبير علي الانفصال الواضح بين الشئون الداخلية المحلية والشئون الخارجية. وعلي هذا كان ينظر للحدود كأمر إيجابي حيث يوفر ميزة وإمكانية النجاح الداخلي للبلد في ظل انعزالها عن العالم الخارجي. أما الآن, فإن العولمة تفرض تحدياً أساسياً علي كل تلك الفرضيات التقليدية فلا يمكن لنا الآن وصف دولة علي أنها مكتفية ذاتياً بمواردها ويمكن لها أن تحيا في عزله عن العالم الخارجي في هذا السياق من الانفتاح وانتشار العلاقات الاجتماعية العابرة لحدود الدول. ففكرة محدودية المجتمع صارت فكرة غريبة وشاذة في ظل هذه التحولات الأخيرة (6).  وفي الولايات المتحدة يرتبط المجتمع المدني بشكل وثيق بالعدائية وعدم الثقة في الحكومة. وهي عملية ارتبطت بالرئيس كلينتون – علي الأقل بشكل رمزي – وإعلانه بعد انتخابات 1994 أن عصر الحكومة السوبر (super) قد ولي. فحقيقة الأمر, نجد أن الإحساس بأن الحكومة لم تعد تحظي بالثقة او الشفافية قد كان بمثابة الدافع والمحرك لجعل المجتمع المدني في قمة أجندة السياسيين والباحثين في الحقل السياسي.  ويأمل الليبراليون في دعمهم للمجتمع المدني أن يجدوا إجابات لتساؤلاتهم عن مشكلات المجتمع الأساسية كالفقر والعنصرية والمثبطات البيئية والتي لا تدعوا لمزيد من التدخل غير المرغوب للحكومة ومؤسساتها في حياه المواطنين. وعلي صعيد آخر نجد بعض الأراء النقديه توجه سهامها الي المنظمات غير الحكومية والتي يري الكثيرون انها تتجسد في المجتمع المدني. حيث يري أصحاب تلك الرؤي ان تلك المنظمات تزيد من الداء التي هي معنية بعلاجه (فهي الداء لا الدواء). وهم يرون ان تلك المنظمات مثالا للسلوك السلطوي والفساد وعدم المحاسبة. وهو الامر الذي عزا بالعديد ممن كانوا في طريقهم لتأييد فكرة المجتمع المدني كوسيلة للوصول الي الديموقراطية الي الابتعاد بأنفسهم عن هذا الأمر (7).  ويتفاعل البنك الدولي في مجال التنمية الدولية مع آلاف من منظمات المجتمع المدني (NGOs) في كافه أنحاء العالم من خلال وسائل ثلاث هي: أ – يُسهل البنك الحوار والشراكة بين المجتمع المدني والحكومات عن طريق تقديم الموارد والتدريب والمساندة الفنية. ب – يتشاور البنك مع منظمات المجتمع المدني بشأن القضايا والسياسات والبرامج. جـ – البنك يقيم شراكات مع منظمات المجتمع المدني لتقديم الخدمات والمساعدات (8).  ويقوم البنك الأمريكي الدولي للتنمية بفتح عملية حوار مستمرة وعمل علاقات بين الحكومات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات التنمية المانحه (المحلية والدولية) لتصميم وتنفيذ برامج التنمية الاجتماعية وذلك من خلال: تقوية المجتمع المدني ، خلق صيغة قانونية وحكومية قوية ، تحسين القبول لقطاع منظمات المجتمع المدني ، خلق شراكه بين الحكومه ومنظمات المجتمع المدني (9).  والسؤال هل حقيقي ما يقوم به المانحون بالمبالغة في التأكيد علي دور المجتمع المدني كقوة ديمقراطية تقف في وجه القوي القمعية؟ ان تلك المحاولات تحاول تشتيت الانتباه عن النوايا الحقيقية للشركات الرأسمالية وآثارها المدمرة علي المجتمع المدني. فالمانحون يقوموا بالإيهام بأن المجتمع المدني يحيا في تناغم وتناسق ويقتصر دورة كقوة مدعمه للنموذج الليبرالي للتنمية الرأسمالية والديمقراطية (10). والمجتمع المدنى له دور فاعل أيضاً داخل الوطن العربى بوجود الرسالات السماوية وقيم التعاون منذ القدم وتشير الدراسات الي ان الخبرة التاريخية والاجتماعية للمجتمع المصري بالمجتمع المدني أكدتها قيم ومبادئ الحضارة المصرية ، عبر التعاون والتكافل الاجتماعيين وهى تعطى أرضية لمزيد من التطوير لحركة المجتمع المدنى وفاعليته (11).  كما تشير نتائج الدراسات إلى تطور علاقة الدولة بالمجتمع المدنى فى كل من ( الأردن – اليمن – سوريا – موريتانيا ) حيث أثرت المتغيرات الدولية على الأوضاع فى المنطقة العربية والأحداث بها وعلى علاقة الدولة بالمجتمع المدنى من خلال مفاهيم حقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (12). وفى دراسة أخرى اهتمت بالمجتمع المدنى فى المجتمعات العربية وتأثير الظروف والتغيرات الدولية الاقتصادية والسياسية التى أثرت منذ بداية تشكيل العمل الأهلى العربى فى إطار ظروف غير مواتيه اقتصاديا وثقافيا وسياسيا مما دفع تنظيمات المجتمع المدنى الأهلى إلى تقديم المساعدات الخيرية (13).  كما كشفت دراسة أخرى عن الدور السلبى للجمعيات والمؤسسات فى ريف محافظة البحيرة فى مجال الرعاية أو التنمية أو الديمقراطية وعدم مواجهة مشكلات الجماهير واستثارة إيجابيتهم وتدريبهم على تحمل المسئولية والمشاركة فى صنع وتنفيذ القرارات المتعلقة بتنمية مجتمعاتهم المحلية. وأرجعت الدراسة ذلك إلى ضعف فعالية دور الجمعيات الأهلية وقلة خبرة قياداتها الشعبية وعدم معرفة دورها الحقيقى فى الممارسة (14). ثانياً: الوعى السياسى والحكم الراشد يلعب الوعى السياسى دوراً أساسياً فى تحقيق الديمقراطية وتفعيل المشاركة والتنمية المحلية والوطنية كعامل من عوامل الحكم الراشد ونعرض لذلك من خلال:- 1 – الوعى السياسى أساس الديمقراطية يحظى الوعى السياسى بمعنى واضح وعميق. فمن الخطأ الاعتقاد أن كلمة " سياسات " politics يمكن استنباط معناها من حالة الخداع الذاتى والاعتقاد بأن أخطاء الفرد خافية عن الآخرين وليس ذلك فقط ، فمن الخطأ أيضا النظر للسياسات على أنها مجرد العقل الحاذق الذى يتمتع بالقدرة على حماية الاهتمامات الخاصة للفرد ورفض اهتمامات الآخرين (15). ويعد الوعى السياسى ناتج من نواتج تواجد الانسان داخل دولة: فليس خفيا أن الترابط بين الدولة والقانون يتأتى عنه ترابطا موازيا بين الوعى السياسى والوعى القانونى (16). ومادامت الطبقات والدولة مستمرة ، فالعلاقات السياسية قائمة ، وبالتالى فإن الوعى السياسى يبقى أكثر أنواع الوعى الاجتماعى أهمية _ وتتحدد الصفات النوعية لهذا النوع من الوعى ( تغيره وتطوره ودوره فى المجتمع ) من خلال العلاقات السياسية (17).  ويمكن تعريف الوعى السياسى على أنه أسلوب الرؤية والاهتمام والفعل فى العالم. وهو يسير وفق تعهد بحقوق الانسان والعدالة وتفهم القوى وعدم المساواة فى النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ووفقاً للعلاقات والقيم. فهو يتعلق برفض الظلم والأنظمة والبناءات التى تمارس هذا الظلم ، لكن ليس رفض الأفراد. فهو فن احترام الآخر والعمل معه والنظر للآخر على أنه انسان تميزه قوى اجتماعية ويرتبط فى صراع مستمر من أجل احراز مكانه محترمة (18).  ويعد الوعى السياسى بالنسبة لدعاة العدالة الاجتماعية والمجتمع المدنى وسيلة وهدفا فهو كوسيلة يثير التحليل الناقد لديناميكيات القوة على مستويات متعددة. وهو كهدف فالمنوط منه بتطوير الوعى السياسى أن يوفر أساساً لنوع من المشاركة المقبولة والمعلومة للمواطن والتى تلزم لوضع الاهتمامات الهامة فى الحسبان. وعندما يصبح الفرد واعيا سياسيا ، فإن ذلك يساعد على إخفاء الشكوك الذاتية التى تعززها التبعية والتمييز ، كما يمكن الفرد من ادراك قوته الفردية والترابط مع الآخرين حتى يتسنى له مواجهة المشكلات العامة ، وهو ما يطلق عليه " Paulo freire " الوعى الناقد Critical consciousness ويتشابه مع ما يسميه الآخرون الوعى الاجتماعى لكن بمزيد من التأكيد على فهم علاقات القوى (19).  وتعد الصفات النوعية المميزة للوعى السياسى فى أن الوعى يعكس الاقتصاد بصورة مباشرة ويعكس أيضا المصالح الرئيسية للطبقات. وتعبر الأفكار السياسية عن نفسها فى النظريات السياسية المختلفة ، وبرامج الأحزاب السياسية ، والبيانات ، وسواها من الوثائق ويلعب الوعى السياسى أكثر الأدوار نشاطات فى المجتمع ، لأنه يمثل حلقة الوصل بين الاقتصاد ومختلف أنواع الوعى الاجتماعى (20). ويمكن تفسير السلوكيات السياسية وخصوصا الانتخابية بشكل سليم من خلال الوعى الاجتماعى ، أما تحليل السـلوكيات بالاستناد إلى الطبقات الاقتـصادية فإنه لا يزيل كل الغمـوض الذى يحيط بتلك السلوكيات (21). 2 - دراسات حول الوعى السياسى والملاحظ أن الجيل الحالى يبدو أكثر عزوفا عن ممارسة العمل السياسى ، ويتجه المتميزون فيه إلى التركيز على جوانب المهارات الفنية والتقنية متجنباً الوقوع تحت سيطرة الأيديولوجيات ، فى حين تعانى الغالبية الساحقة منه من مشاكل التهميش السياسى والاقتصادى (22). من هنا يأتى دور المجتمع المدنى وقد أشارت " أمانى قنديل " إلى دور الصفوة المثقفة فى قيادة الحركة الثقافية والسياسية والاجتماعية فى العالم العربى ، بهدف النهوض بمجتمعاتها فى ظل دعم منظمات المجتمع المدنى.  يؤكد ذلك تقرير التنمية البشرية فقد عكست الأرقام والنسب تدنى المشاركة السياسية فى انتخابات مجلس الشعب 2000 حيث بلغت نسبة المرشحين نحو 0.016% من جملة الناخبين ، ومن هؤلاء المرشحين نحو 3.1% من الاناث وكانت ظاهرة العزوف عن المشاركة أكثر وضوحاً فى عملية التصويت حيث بلغت نسبة المشاركة نحو 24.1% على مستوى الجمهورية (23). وهذا اختلف تماما فى انتخابات 2005 بعد مشاركة المجتمع المدنى. كما تشير نتائج الدراسات إلى أن هناك رغبة لدى أفراد المجتمع فى المشاركة السياسية ، ولكن عدم الثقة يحول دون ذلك. فالمشكلة ليست فى نقص الوعى السياسى ، وإنما اللامبالاة وعدم الثقة وحالة الاغتراب السياسى ، والنظرة السوداء المتشائمة ، وافتقاد القدوة وعدم وجود منظمات وأحزاب حقيقية تنظم عملية المشاركة (24). مما أضر ليس فقط بالسياسة إنما أيضا بتفاعل الشباب معها وعجز مؤسسات المجتمع المدنى فى القيام بدورها.  وفى دراسة مسحية قام بها "Golovakha and panina" فى عام 1990 على عينة من 542 شخص تمثل مجتمع البالغين فى " كييف بأوكرانيا " حيث قام الباحث بوضع حكمه على مستوى الثقافة السياسية وذلك بتقييم مقدار المعرفة القانونية للفرد فوجد أن 17% فقط كانت لديهم معرفة كافيه فى هذا المجال ، وأن أقل من نصف سكان أوكرانيا يقرأو عن السياسة فى الجرائد ، 7% فقط لهم مشاركة نشطة فى الحياة السياسية من خلال الأحزاب ونسبة 5% تشارك فى الاجتماعات واللقاءات السياسية ، 4% يشاركون بشكل مباشر فى الحركات السياسية العامة. وتظهر هذه النسب المتدنية مدى غياب الوعى السياسى لدى الشعب الأوكرانى (25).  وفى دراسة أخرى عن الوعى السياسى فى " ماليزيا " يذهب" Imel " إلى أن الأسلوب الذى يختاره الأفراد فى التصويت يتأثر بمرجعياتهم أو بناءات المعنى لديهم. ويحدث التغير فى بنية المعنى ( الفهم ) meaning structure عندما يمارس الأفراد عملية تعلم تحويلى Transformative learning وهى العملية التى يختبر المتعلمون من خلالها – بشكل ناقد – معتقداتهم وفرضياتهم وقيمهم فى ضوء اكتساب معارف جديدة والبدء فى عملية التغيرات الاجتماعية والشخصية.  وقد تم استخدام تقنيه Snow balling فى اختيار العينات ويرى الباحث أن تلك التقنية هى الأنسب لأنه لايمكنه تحديد الأفراد الذين استشعروا ارتفاع الوعى السياسى لديهم مالم تتوفر لديه المعلومات اللازمة لذلك وأخذت العينة من المتعلمين التي تتراوح أعمارهم مابين 35 – 45 عام متزوجون ويعولون أربع أطفال فى المتوسط ويعيشون ويعملون في وادي كلانج Klang Valley حيث تقع العاصمة كوالالامبور ، وللحكم على حدوث تحول فى الوعي السياسي لابد أن يتمتع المبحوث بأحد المعايير التالية:  أ - أن يكون غير عضويته لحزب سياسي. ب - لم يغير عضويته للحزب السياسي المنضم إليه ، لكنه صوت للحزب الآخر. جـ - تقدم ليسجل اسمه في التصويت وهو الشئ الذي لم يحدث أبداً من قبل بالرغم من كونه مسموحا به. د - صار منخرطاً بنشاط في الحملات الانتخابية وهو الأمر الذي لم يحدث أبدأ من قبل.  وجاءت أهم النتائج في أن الحدث السياسي له القدرة على استنفار حدوث تحول في المنظور إن تم تلقيه على أنه عامل تهديد للهوية الثقافية الجماعية كما أن القيم الثقافية والمعتقدات الدينية للمشاركين قد تيسر من حدوث هذا التحول في الوعي (26).  والملاحظ كما تشير الدراسات أنه إذا نظرنا إلى المجتمعات التي تتمتع بالرفاهية والازدهار ( التنمية المستديمة ) فسوف نجد أنها تلك المجتمعات التي تُقتسم فيها القوي السياسية المختلفة القوه وحق الوصول للحكم ولا يقتصر الأمر على مجموعة معينة من النخبة. وهناك علاقة بين توزيع السلطة وتوزيع الدخل فالمجتمع الذي يحظى بمقدار كبير من المساواة فى مستويات الدخول ومستوى المعيشة سيميل بالتأكيد للمساواه في توزيع الحقوق السياسية والعكس صحيح وبالتالى سيعمل على إيجاد مؤسسات توفر فرص متكافئة لأكبر عدد من المواطنين بعكس المجتمعات التي يختل فيها ميزان الدخل وتتسع الفجوة بين مواطنيه, سنجد تركيز القوه والسلطة في أيدي قله تعمل علي خدمه مصالحها بطبيعة الحال وبالتالي سنجد مؤسسات تمثل مصالحه الخاصة (27). ثالثاً: نتائج الدراسة الميدانية بتحليل نتائج الدراسة الميدانية أمكن استخلاص الآتى: أ - رغم إنتماء عدد كبير من حالات الدراسة الميدانية إلى الحزب الحاكم إلا أن مشاركتهم فى الإنتخابات كانت لدعم المرشحين المستقلين معللين ذلك بأن الحكومة ونوابها لا يقدمون الخدمات الأساسية لمجتمعهم المحلى من وظائف أو مشروعات إنتاجية وخدمية. ب - أن الناس أصبحت تمل وجوه بعض مرشحى الحزب من طوله سنوات إستئثارهم بمقعد الدائرة دون الإهتمام بمشكلاتها ، ومع ذلك يصر الحزب فى كل دورة جديدة أن يجعلهم على قائمة مرشحيه. جـ - أنه رغم تقاعس البعض وعزوفهم عن المشاركة فى فترات سابقة إلا أنهم الآن أحرص على المشاركة بل ويشجعون غيرهم ، وتبريرهم لذلك بأن المرشح هو مرشحهم ( ليس مفروضا عليهم ) وابن بلدنا وتم اقناعه بأن يرشح نفسه من أجل خدمة المجتمع المحلى. د - بفضل المناخ السياسى الجيد وزيادة نسب التعليم وثورة الاتصالات أتيح للجميع الفرصة فى أن يرى أنماط سياسية ونظم ديمقراطية فى مجتمعات أخرى مما أثر إيجابا على توجهات الإصلاح وأن هذه الطرق هى السبيل للنهوض بالمجتمع من خلال الجمعيات الأهلية المنظمة سياسياً وديمقراطياً كى تقترب من مواقع اتخاذ القرار وصنعه وتصبح مشاركة فى التخطيط ومنفذه ومتابعة له, ويعد هذا من بين السبل لتحقيق الحكم الراشد. وتشير حالات الدراسة الميدانية إلى ذلك وهاهى حالة منهم تقول: بعد أن أخفق الحزب الحاكم فى مصر فى تنمية الوعى السياسى لدى أفراد المجتمع وتلبية حاجات الجماهير الملحة لتحقيق مشاركتهم كان العزوف عن المشاركة هو السبيل فى السنوات السابقة أما الآن وخلال العقد الأخير ومع زيادة مساحة الديمقراطية كان لمنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية دور كبير فى زيادة وعى أفراد المجتمع بأهميتة المشاركة ، كما تبذل هذه الجمعيات والقائمين عليها كل الجهد مع أفراد المجتمع المحلى لمحاولة التخفيف من حده المشكلات الإجتماعية والصحية والمعيشية التى تواجههم وبالتالي اصبح لدى أفراد المجتمع المحلى اقتناع بأهمية التغيير وبدأت المقارنات بين نائب الدائرة من الحزب الوطنى الذى لم يراه الناس منذ فوزه بالمقعد وبين من يقدمون الخدمات ولا ينتظرون مقابل إلا من " الله عز وجل " من هنا كان تعاطف الناس على اختيار ابن بلدهم ( المرشح المستقل ) والذي يدعم الجمعيات الأهلية والخيرية وليس مرشح الحكومة وهذا ما لمسه الجميع بقوة فى نجاح عدد كبير من المستقلين وفى نسب الإقبال على التصويت العالية من الشيوخ والنساء والشباب لدرجة أننى رأيت زملاء لنا لم نراهم مـنذ سنوات طويلـة ( لأنهم يعملون ومستقرون فى القاهرة أو الاسكندرية ) أتو خصيصاً للإدلاء بأصواتهم.  وتذهب حالة أخرى إلى القول: علشان نغير لازم نعتمد على أنفسنا وعلى القاعدة العريضة من المجتمع المحلى والناس في كل بلد بفضل زيادة الوعى والمبادرات من الجمعيات الخيرية والأهلية الموجودة فى البلد خلت فيه وعى باهمية المشاركة لأن الحكومة بتطلع قراراتها في واد والناس فى واد آخر والخطاب السياسى فى كل مناسبة يركز على المشاركة والديمقراطية والحرية ويدلل على ذلك ويفتخر بتعدد حزبى بس دى زى قلتها وفيه فرق بين التعدد الحزبى وبين الديمقراطية كقيمة إنسانية وكمنهاج عمل سياسى وإجتماعى محدد الأهداف والدليل هو أن النظام السياسى لا يفى بالاحتياجات الملحة لجماهيرية فى المشاركة السياسية وصنع القرار وهناك كثير من الخطوط الحمراء علشان كده لازم نغير ولكن بطريقة منظمة وآليات محدده على مستوى التجمعات فى القرى والمدن الصغيرة وده أعتقد الناس والحكومة لمسته فى زيادة عدد المرشحين من المستقلين ونجاحهم وإحراجهم للحزب الوطنى ( الحزب الحاكم ).  وتشير حالة أخرى إلى أن نجاح الإخوان المسلمين فى مصر وحركة حماس فى فلسطين مرتبط بعملهم داخل مجتمعاتهم المحلية البسيطة وأنهم قريبين من الانسان البسيط ومشكلاته ويعيشون أفراحه وأحزانه وحاسين بما يعانيه الناس البسطاء لهذا السبب نجحوا وبصراحة نشطوا المجتمع وحركوا المياه الراكدة فى الأحزاب الكبرى وهذا المناخ لو استمر سوف يفرز بإستمرار عناصر وكوادر لديها فكر وقدرات تساهم فى الرقى بأمتنا العربية. التوصيات:- العمل على زيادة وعى المجتمع المصرى ( سلطه – مؤسسات – أفراد ) بأهمية ودور ومشاركة المجتمع المدنى فى تحقيق التنمية. التأكيد على أن دور المجتمع المدنى هو التعاون وليس التناحر مع الحكومة لتحقيق توجهات الإصلاح بهدف ترقية الديمقراطية. حث الدولة على توفير كافة الوسائل والآليات اللازمة لنجاح دور المجتمع المدنى (الجمعيات الأهلية) ، يزيل الهواجس ويحث المواطنين على التطوع والمشاركة لتحقيق التنمية الإجتماعية والسياسية والاقتصادية. المراجع 1 - Emergin Civil Sociely, 5, Feb, 2005, www.muse-jhu.edu / Journals / sais – review. 2 – mohammad khatemi, Islamic civil society, 3, Feb, 2005, www.nawaat.org / portail / sommaire. 3 – civil society, 4, may, 2006, www/ en. Wikipedia. Org / wiki / civil-society. Html. 4 – Civil society and Democracy in latin America, some comparative observations, 2002, www.Tau.ac. Illeiall IV-2 / index – html. 5 - Lia Tsaliki, The Global civil society: some theoretical considerations, Media and demoeracy Abstracts 2005. 6 - William scheuerman, Stanford Encyclopedia of philosophy, Indiana university, Bloomington, June, 21, 2002, plato. Stanford – edu/ 7 – omar G. Encarnacion, The Rise and falloff eivil sociely, Books orbis Bulletins published Article transcripts orbis, spring, 2003. 8 - البنك الدولي, التقرير السنوي, المجلد الاول، 2003, ص 18. 9 - international cenfer for not for profit law, September, 1998, E-mail – infoicnl @ icnl – org. 10 - Lynne Rienner, civil society and development and dilemmas and challenges, 8 may, 2002. 11 - عبد الباسط عبد المعطي, المجتمع المدني وأهداف التنمية البشرية فى المجتمع العربي, المؤتمر العلمي الأول حول الجمعيات الأهلية وتنمية المجتمعات المحلية في الوطن العربي, الأسكندرية, 1996, ص 34. 12 - محمود عودة وآخرون, واقع ومستقبل المنظمات الأهلية, الشبكة العربية للمنظمات الأهلية, ط1 ، دار المستقبل العربي, القاهرة, 2000. راجع أيضا: عبد الناصر جابي, الحركات الاجتماعية في الجزائر: بين أزمة الدولة الوطنية وشروخ المجتمع, في الحركات الاجتماعيه في العالم العربي, مركز البحوث العربية والأفريقية, مكتبة مدبولي, القاهرة, ط ا 2006, ص ص 293 – 320. 13 - شهيدة الباز, المنظمات الأهلية العربية علي مشارف القرن الحادي والعشرين, محددات الواقع وآفاق المستقبل, دار الكتب القومية, القاهرة, 1997 14 - غريب سيد أحمد, دور الجمعيات الأهلية في تنمية المجتمع المحلي بمحافظة البحيرة, في المؤتمر العلمي الاول حول الجمعيات الاهلية وتنمية المجتمعات المحلية في الوطن العربي, الاسكندرية 1996. 15 - Chogyam Trungpa, Political Consciousnss, October, 2004, Available at http://www. Makepovertyhistory. Org / 16 - Sergiy shevsov, Politicl and Law Consciousness and The conemporary state, 2005, Available at, http://www. Sapienti. Kiev.ua / newvision / sergiy – shevtsov. htm. 17 - أ. ك أوليدوف, الوعي الاجتماعي, ترجمة ميشيل كيلو, دار ابن خلدون, ط2,1982, ص79. 18 - Valerie Miller, political Consciousness: Aperpetual quest, May, 2002, Available at, www. Ngorc. Org. pk/ journal jun 2002 / vm.htm 19 - Valerie Miller, op. cit. 20 - أ. ك. أوليدوف, مرجع سابق, ص 74. 21 - شوميلبيه – جاندرو وكورفوازييه, مدخل إلي علم الاجتماع السياسي, ترجمة: إسماعيل الغزال, المؤسسه الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, ط1, بيروت, 1988, ص 50. 22 - أحمد تهامي عبد الحي, التوجهات السياسية للأجيال الجديدة, مجلة الديمقراطية, مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام, العدد 6, إبريل, 2002, ص 115. 23 - مصر: تقرير التنمية البشرية, التنمية المحلية بالمشاركة, معهد التخطيط القومي, 2003, ص9. 24 - أحمد تهامي عبد الحي, مرجع سابق, ص 117. 25 - Evgeniy Golovaha and Nataliya paning, Political Consciousness, Legitimacy, and personality, 2003, Availabeat, http://politicon.iatp.org. ua/eng/ go/ politcons. htm 26 - Mazalan Kamis and Mazanah Muhamed, Rising Political Consciousness: Transformationl Learning, Malaysia, May, 2002,Available at:ww:http:// ericfacility. org.  27 - The world Bank, Equity and Development, world development report, 2006, pp.107- 113.  (* ) وصل عدد جمعيات الرعاية التى تعمل فى ميدان واحد حسب ميادين النشاط وجمعيات التنمية فى مصر 10778 عام 2002/2003 المصدر ، الجهاز المركزى للتعبيئة العامة والإحصاء ، الكتاب الإحصائي السنوى ، يونيو ، 2005 ، ص 227.  الدكتور / مهدي محمد القصاص مدرس علم الاجتماع  كلية الآداب   جامعة المنصورة    1- فكرة البحث تؤكد ثورات العولمة ونتائجها أهمية التنوع الثقافي في الإبداع والتنافسية على الصعيد الكوكبي, وأن أي ثقافة تحمل في مضامينها توجهات للسلوك, يبرز بعضها ويجدد ويهمش بعضها الآخر حسب لحظات التطور التاريخي وبناء عليه نجد أن لكل إنسان رؤيته الثقافية التي تتجسد في تصوراته وفي سلوكه العملي وهذه الرؤية رغم طابعها الشخصي الذاتي إلا أنه اكتسبها من مجتمعه الذي يعيش فيه ولهذا ففهم ثقافة أي مجتمع- وما يعنينا هنا هو ثقافة القرويين- يعد أحد أهم المقاربات التي تساعد في فهم التباين لصور تعبير الناس عن فهمهم للقانون وطرائق تفكيرهم.  وفي هذا السياق تأتي الدراسة الراهنة التي تحاول أن تقرأ بعض مضامين عناصر الثقافة الشعبية المصرية وانعكاساتها على الوعي لدى القرويين مما يجعلهم يقبلون الثقافة الشعبية والعرف السائد في فترات تاريخية وما قاوموه أو أعادوا إنتاجه ليكون أكثر قدرة على تيسير تفاعلهم مع القانون. وهناك العديد من البحوث في الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع الثقافي ودراسات التراث الشعبي تناولت خصائص الثقافة الشعبية. إلا أن التأكيد على جذورها وما يطرأ عليها من تبديل فهي قليلة وإن اعتمدت على عملية وصف للثقافة ليس إلا.  الثقافة الشعبية دورية محكمة يصدرها المركز الحضاري لعلوم الإنسان والتراث الشعبي بالتعاون مع كلية الآداب - جامعة المنصورة إبريل 2002. أما كلمة شعبي (بمعنى) الدولة أو الأمة بالمعنى السياسي, الشعب بمعنى المحكوم خلافاً للحاكم والشعب بمعنى المضطهد أو المحروم أو مسميات أخرى كالعامة – العوام والدهماء وغيرها([1]).  إلا أننا نرى أن الثقافة الشعبية هي أسلوب أو طريقة إبداع محلي وإنتاج يجسد الواقع الاجتماعي الاقتصادي بكل ما فيه عبر تاريخه الطويل لهذا المجتمع أو ذاك ويحدد طريقته في التعامل وفق المعطيات القائمة والمتاحة وارتبطت تكنولوجيا بالمجتمعات البسيطة وتخلص إلى أن الثقافة الشعبية هي فن الحياة اليومي.  ومن الواضح أنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه فراغاً ثقافياً لدى أي إنسان أو في أي مجتمع فهناك ملاء ثقافي دائماً أياً كانت قيمة هذا الملاء الثقافي أو مستواه أو دلالته الاجتماعية. فالناس جميعا وبغير استثناء مثقفون وإن لم يمارسوا وظيفة المثقف في المجتمع. معنى ذلك أن لكل إنسان ثقافته التي تتمثل في رؤيته الفكرية للعالم وسلوكه العملي والاجتماعي والوجداني سواء كان واعياً بهذا أو غير واعي أو ما يسمونه خبره الحياة, لذلك فالناس في القرية حينما يتحدثون بعقلانية شديدة وتفنيد للأمور في حل مشكلة ما يظهراً كأبرع محلل مما يدفع من يسمعه نظراُ لفصاحته بسؤاله " إنته خريج إيه" يقول خريج كلية الحياة يؤكد ذلك المثال الذي ساقه الأستاذ "محمود أمين العالم " يصف فلاح بأنه فصيح وطيب حينما سأله يا سي الأفندي إيه معنى كلمة سلامات ؟ قلت له يا عم جمعه "التحية والأمان" فضحك عمى جمعه وقال ياسي محمود (سلا) ده كان أصله ملك ظالم قوي قوي فالما مات الناس فرحت وقالت لبعضها سلا مات سلا مات.  يقول أ / محمود وهنا وجدت فرصة للحديث وقلت (وهوّه الملك الظالم مات خلاص يا عم جمعه يعني الظلم مات خلاص يا عم جمعه) فرد عم جمعه وقال الظلم مالي البلد. فقلت له يعني سلا لسه ما متش؟ فلو كان سلا اسم ملك ظالم صحيح كان لازم الناس لما تتقابل مع بعضها تقول سلا لسه ما متش، سلا لازم يموت([2]).  ومن هنا فإن هؤلاء البسطاء يتبعون إجراءات قانونية أخرى اكتسبوها من خبرات حياتهم الطويلة دون دراسة لها وهذا الفهم هو الذي يتيح لهم الفرصة في الوصول إلى كبير العائلة لأنهم يشعرون أن كبير العائلة مسئول عنهم. فهذا جزء من بنيته الثقافة بصوره عامة كما هي في الواقع الحياتي المعاش وكما يراها الناس في القرية، يعني هذا أن الوعي متضمن في التطبيق الفعلي للدستور والقانون في الحياة اليومية كجزء أصيل من فعل أي حدث تحكمه الثقافة الاجتماعية بكافة صورها.  ولأن مصر شأنها شأن كثير من أرجاء الوطن العربي, قد رزحت تحت وطأه حكام غزاه أجانب أتوا بجيوشهم يمتصون ثرواتها ويقهرون أبناءها منذ أن حطت جيوش (قمبيز) أرضها حتى جلاء الإنجليز فقد ترسخ في وعي الحكام والمحكومين معا مشروعية غيبة قيمتي "العدل والحرية والمصلحة المجتمعية في تشريعات الحكام" وارتبطت نصوص القانون في مجموعها إلى الحفاظ على أمن الحاكم وهيبته وتأمين وانسياب ثروة البلاد إلى خزائنه([3]).  لذا فإن العادة التاريخية للمصريين في مواجهة القانون الرسمي الظالم أن يصطنعوا لهم قانوناً فعلياً De- facto آخر يطبقونه من وراء ظهور الحكام بمعنى فهم خاص للقانون وهذا هو المخرج الوحيد من وجهة نظرهم.  ولأن القانون هو قانون السلطة الحاكمة الذي يتباين إلى حد كبير مع تصور العرف التقليدي للحقوق والواجبات وما يرتبط بها من قيم ومثل ولعل خير مثال على ذلك الموال القصصي "أدهم الشرقاوى".  موال الأدهم(*) الذي لاقى شيوعا حتى نهاية الخمسينيات وخاصة في منطقتنا "كوم حمادة وإيتاى البارود" والقصة مبنيه على واقعة حقيقة حدثت عام 1921. غير أن التنويعات المعروفة لرواية الموال الشعبي تجمع على تجاوز للواقعة التاريخية الفعلية لتعيد صياغتها صياغة تجلى فيها رؤية التصور الشعبي للعلاقات الاجتماعية السائدة وخاصة علاقة الجماعة الشعبية بالسلطة الحاكمة وأدواتها التنفيذية.  ويتناول الموال حادثة خروج أدهم الشرقاوي على القانون، نتيجة استشعاره عدم كفاية حكم المؤسسة القانونية الرسمية ولا الجزاء الذي وقعته على قاتل عمه ومن ثم يأخذ هو على عاتقه تنفيذ الحكم الذي تفرضه معايير القيم التقليدية. ثم يتصاعد تمرده ومواجهاته مع السلطة وأدواتها وإظهار عجزها عن أن تطوله إلى أن تجد أن الخيانة هي سبيل الوصول الوحيد إليه. وهذا ليس ثأراً كما يفهمه البعض بدليل أنه وهوه يخُرج أنفاسه الأخيرة قال. منين أجيب ناس لمعناه الكلام يتلوه...؟! أمانة يا عيلة الشرقاوى محدّ بعدّيه لا أخ لي ولا عم, يأخذ التار بعدية أمانة يا من عشت بعدي ما تأمنشن لصاحب..دنيا غروره وهكذا ([4]).  2- الإجراءات المنهجية هذه الدراسة استطلاعية تهدف إلى معرفة دور بعض عناصر الثقافة الشعبية في تشكيل الرؤى الخاصة للإنسان القروي نحو طريقة حل قضاياه الحياتية المختلفة وتفرض عليه أشكال متعددة لطريقة فهمه للقانون وعلى هذا تتركز الدارسة في محاولة للإجابة على سؤال أساسي وهو هل تسهم الثقافة الشعبية بدورها في فرض رؤى أو فهم خاص للقانون "إدراكاً وتفسيراً وممارسة" لدى الإنسان في الريف ؟ وما هي مؤشرات ذلك ؟ وهذا يتطلب معرفة إلى أي مدى تتباين رؤى القرويين في فهم القانون وهل تتباين الرؤى بتباين الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للسكان.  ونعرض لذلك ميدانيا من خلال تحليل المضمون لعدد من دراسات الحالة بلغت عشر حالات ممثله لطبقات المجتمع اختيرت بطريقة عمدية تمت دراستهم دراسة متعمقة للتعرف على الأحداث والخبرات التي تشكل نوع من التباين في فهم القانون في قرية مصرية تقع في شمال غرب الدلتا (قرية بيبان – مركز كوم حمادة – محافظة البحيرة) وفكرة الدراسة تأتي من خلال المشاهدات الواقعية لصور تعبير الناس في القرية عن فهمهم للقانون ومعناه من خلال قناعات خاصة وإدراكهم وطريقة ممارستهم له في المواقف المختلفة.  وإذا كان هدف الدراسة استطلاعي فالسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا افترض الباحث أن الرؤى متباينة نجد أن موضوع البحث لا يأتي من فراغ وإنما وفق مؤشرات ورؤى وملاحظات وحالة المجتمع وحضوري لبعض المجالس العرفية. تؤثر بالطبع على اختيار الباحث لهذا الموضوع أو ذاك كما أن الباحث مولداً ونشأه يعيش في هذا المجتمع. ولكن السؤال كيف توظف الثقافة الشعبية لتحقيق فهم حقيقي للقانون وطريقة تطبيقه خاصة وأن الدولة بمؤسساتها الرسمية تقر المجالس العرفية ولجان حل المنازعات.  3- الإطار النظري هناك تأكيد واتجاه متزايد في الولايات المتحدة يهدف إلى إعادة صياغة إطار مفاهيمي جديد يمكن أن يحمل إجابات محتملة عن الشكوك الكثيرة التي أثيرت حول قيمة النظرية القانونية المؤسسة على ما يعرف بالواقعية القانونية Legal Realism وعليه ظهرت العديد من الدراسات الواقعية التي تدور حول ما يعرف بالقانون في سياق التأثير والفعل الثقافي والاجتماعي والتي اهتمت بشكل خاص بنظم وتوضيح خطوط الالتقاء والاتصال بين القانون والثقافة الشعبية Law and popular culture كما ركزت بعض الدراسات الثقافية والسوسيولوجية بشكل خاص على ما يعرف بأسباب وسوابق السلوك الانحرافي أو الجنوح Deviance antecedents وفيه ركز على بعض المؤشرات الأولية للعلاقة بين القانون والثقافة الشعبية والتي يمكن من خلالها تتبع مسارات التشريع لسوسيولوجيا القانون, وعلى الرغم من الندرة في الكتابات في مجال القانون والثقافة الشعبية يمكن أن نشير بشكل خاص إلى "Allan Hunt " الذي يعد أحد الرواد الأول للتنظير في مجال القانون والمجتمع أما كتابة سوسيولوجيا القانون والذي صدر عام 1994 والذي إهتم فيه بشكل خاص بالأسس القانونية والتاريخية للحداثة والثقافة الشعبية مؤكدا على تأثير جماعات المصلحة وما تستند إليه من ثقافة نوعية تنتظم في مجموعة من الأعراف والتقاليد الشعبية التي تؤثر على عملية التشريع القانوني مما أدى إلى ظهور حقل معرفي جديد في علم الاجتماع له رؤاه النظرية وأدواته التحليلية أطُلق عليه "القانون والثقافة الشعبية " ونجد أن كمون القانون في الثقافة الشعبية هو الذي دفع "David Lange " أستاذ القانون بجامعة ديوك Duke university إلى الاعتقاد بأن الألفية الجديدة ستزيح كل أشكال ضوابط السلوك وصياغة المعنى من مكان الصدارة لتجعلها وراء الفرد ([5])  وإذا كان القانون يتألف من حصيلة ضخمة من البنود يفهمها الناس حسب خبراتهم ودرايتهم الشخصية بالقانون – أي أن هناك اختلاف في فهم الناس للقانون – فمثلاً- رجل القانون ودافع الضرائب والغني واللص والمالك لأي عقار يفهم القانون بشكل مختلف عن غيره. ويقصد بالوعي القانوني Legal consciousness كيفية فهم هؤلاء الناس للقانون وطرق تطبيقية. حيث تشير كلمة "الوعي" إلى الشكل الطبيعي والمعتاد الذي يتناول من خلاله الناس القانون متمثلا في سلوكهم وأحاديثهم وإدراكهم للعالم من حولهم. وبناء على ذلك لا تعنى كلمة الوعي هنا مجرد الأفعال المتعمدة والمقصود ولكن العادات والتقاليد السائدة أيضا, ويعرفJean comaroff الوعي بأنه إدراك متضمن في التطبيق الفعلي للدستور والقانون في الحياة اليومية, كجزء أصيل من فعل أي حدث تحكمه الثقافة الاجتماعية بكافة صورها([6]).  وعلى ذلك فالوعي له تعريفات متعددة بتعدد الطرق التي يتحدث بها الناس في تفاعلهم اليومي ويتصرفون من خلالها وفى مضمون كلامهم أو أفعالهم ذاتها. فكما يعرفه Bourdiew (الوعي متضمن في المعرفة التطبيقية والفعلية التي يتصرف من خلالها الناس) فالوعي القانوني يتم بدءاً من الذهاب للمحكمة وإلى الحديث عن كافة صور وأشكال الحقوق والواجبات. ويتنامى الوعي من خلال الخبرات الفردية, التي يكتسبها الفرد في ممارساته اليومية المعتادة. وعلى ذلك فالوعي يطرأ عليه تعديل من تراكم الخبرات المتقابلة فأي شخص يتجه للمحكمة من أجل قضية ما قد يغير رأيه إذا رأى أن ما يحدث أو ما سيحدث ليس هو المقصود من وراء الذهاب للمحكمة وحينئذ يتغير معنى الوعي لديه. فالناس يتسمون بالقدرة على التغير والتشكل وهذا ينتج عنه تعديل وتغيير لوعيهم وإدراكهم لما يكتسبونه من خبرات. فالوعي القانوني ذاته تواجهه متناقضات كثيرة. فمبدأ أن الكل سواسية أمام القضاء, لا يتم مراعاته عند النظر للمشكلات والقضايا.  وقد تم إجراء العديد من الأبحاث المتعلقة بفهم القانون واتجاهات الناس ومواقفهم منه وذلك من خلال مسح شامل أجراه (sarat) وتلك الأبحاث تعطي صورة عن مدى بساطة فهم الناس لطبيعة القانون. حيث تفترض أن لكل فرد تصور شخصي لحقائق وبنود القانون.  فالوعي القانوني – كجزء من النسيج الثقافي للمجتمع – هو إجماع بين خصوصية موقف ما وعمومية الفهم لهذا الموقف. وعلى ذلك ففهم القانون ليس ثابتاً بل متغيراً باكتساب الخبرات, وتوضح نتائج الأبحاث أن موقف أي إنسان من القانون يحدد من خلال معرفته وخبراته وتصرفاته, حيث تزداد من خلال الاستفسار وليس من خلال افتراضات وهمية حول حدث ما للسيطرة الثقافية والقانون([7]) فالغرض من القانون ليس فرض قواعد وضوابط وعقاب بل يتعدى ذلك لوضع إطار وشكل قانوني ينظم العلاقات والتفاعلات داخل المجتمع. حيث يمدنا بتصنيف وتحديد لكل ما يدور داخل المجتمع. فالتعبيرات القانونية هي محددات ثقافية للإنسان العادي نفسه وللعاملين بالقانون أيضاً حيث يتمكن الجميع من القيام بعمله بشكل منظم ومن هذا المنظور فقد يوصف القانون بأنه "لغة التخاطب" أي أنه وسيلة للتعبير عن الأقوال والأفعال والعلاقات ويستخدم تعبير التخاطب كما سبق واستخدمه (Foucault) وعلى ذلك فالقانون يرسخ مفاهيم. ويفتت أخرى وليس الحديث عنه سهلاً أو متواتراً. بل إنه معقد حيث يتضمن عقوبات, تسلسل تاريخي, تصنيفات للسلوك, ممارسات, دوافع الفرد والجماعة, مسئولية نظام حكومي....وهكذا وهذا الغموض والتعقيد وتلك التناقضات هي السبب في تضارب التفاسير للقانون فيما بعد عند تطبيقه وتناوله([8]).  ففي المجتمعات الصغيرة المتجانسةhomogeneous نجد أن تناغم السلوك تدعمه حقيقة أن خبره التنشئة الاجتماعية تكون واحدة بالنسبة لكل أفراد المجتمع. فالمعايير الاجتماعية تميل لأن تكون متناغمة بالنسبة لكل فرد من الأفراد وتدعمها بقوة التقاليد. والضبط الاجتماعي في مثل هذا المجتمع يعتمد بصوره أساسية على العقاب الذاتي. حتى بالنسبة للحالات عندما تكون هناك حاجة لجزاءات خارجية فإنها نادراً ما تشتمل على عقاب رسمي. فالمنحرفين يكونون موضع لميكانزمات الضبط الاجتماعي الغير رسمية مثل القيل والقال والسخرية. أما بالنسبة للمجتمعات المعقدة الغير متجانسة heterogeneous مثل الولايات المتحدة نجد أن الضبط الاجتماعي يعتمد بصورة كبيرة على المعايير المشتركة فمعظم الأفراد يتصرفون بطرق مقبولة اجتماعياً وكما هو الحال في المجتمعات البسيطة نجد أن الخوف من الطرد من العائلة واستهجان الأصدقاء والجيران عادة ما يكون ملائماً لكي يجعل المنحرف يراجع نفسه. إلا أن التنوع الكبير في السكان, ونقص الاتصال المباشر بين القطاعات المختلفة في المجتمع وغياب القيم المتشابهة والاتجاهات ومستويات السلوك والصراعات التنافسية بين الجماعات ذات المصالح المختلفة فكل ذلك قد أدى إلى حاجة متزايدة للميكانزمات الرسمية للضبط الاجتماعي ويتسم الضبط الاجتماعي بالخصائص الآتية.  القواعد الظاهرة للسلوك الاستخدام المخطط للجزاءات لكي تدعم القواعد. جهات رسمية محدده لتفسير وتطبيق القواعد وغالباً ما تضع هذه القواعد وفى المجتمعات الحديثة هناك العديد من المناهج للضبط الاجتماعي وهما الجانب الرسمي والغير رسمي ويعتبر القانون أحد أشكال الضبط. ويذهب" رسكوباند Roscoe pound " إلى أن القانون في أحد معانيه هو شكل معين (خاص) للضبط الاجتماعي في المجتمع المنظم سياسياً وأنه تطبيق للضبط الاجتماعي من خلال التطبيق المنظم للقوة في هذا المجتمع([9]). يشير الضبط الاجتماعيsocial control إلى الطريقة التي من خلالها يبقي أعضاء المجتمع على النظامorder في المجتمع ومن خلالها يمكن التنبؤ بسلوك الأفراد. وهناك أشكال عديدة للضبط الاجتماعي ويعد القانون أحد هذه الأشكال. كما تتمثل وسائل الضبط الاجتماعي اللارسمي في وظائف الطرائق الشعبيةFolkways (المعايير الراسخة للممارسات العامة مثل تلك التي تتمثل في أنماط خاصة للزي والاتيكيت Etiquette, والأنماط الخاصة لاستخدام اللغة كما أنها تتمثل في الأعراف mores (المعايير المجتمعية المرتبطة بالشعور العميق بالثواب أو الخطأ والقواعد المحددة للسلوك والتي لا يمكن انتهاكها بسهولة). وتتكون هذه الوسائل الغير رسمية للضبط من تكنيكات Techniques والتي بواسطتها يتمكن الأفراد الذين يعرف كل منهم الآخر على أساس شخصي أن يثنوا على أولئك الذين يزعنون (يستجيبون) لتوقعاتهم كما أنهم يظهرون عدم الرضا بالنسبة لؤلئك الذين لا يستجيبون لتوقعاتهم. ويمكن ملاحظة هذه التكنيكات في سلوكيات معينه مثل السخرية Ridicule , والقيل والقال gonip , والانتقادات criticisms أو التعبير بالرأي.  إن القيل والقال أو الخوف من القيل والقال يعد أحد الوسائل الفعالة التي يستخدمها أعضاء المجتمع لإجبار الأفراد على التوافق مع المعايير. وعلى العكس من وسائل الضبط الاجتماعي الرسمية نجد أن وسائل الضبط الغير رسمية لا تمارس من خلال الميكانزمات الرسمية للجماعة. وأنه لا يوجد هناك أشخاص معينون يجبرون الأفراد على تنفيذ هذه الميكانزمات.  وتميل الميكانزماتMechanism الغير رسمية للضبط الاجتماعي لكي تكون أكثر فاعلية في الجماعات والمجتمعات التي تكون فيها العلاقات هي علاقات الوجه للوجه وتكون العلاقات قوية, وحيث يكون تقسيم العمل بسيط نسبياً فعلى سبيل المثال نجد أن "إميل دوركايم" يرى أنه في المجتمعات البسيطة مثل المجتمعات القروية القبليةThihal –villager أو المدن الصغير نجد أن المعايير الشرعية تكون متوافقة بصورة كبيرة مع المعايير الاجتماعية وذلك بالمقارنة بالمجتمعات الكبيرة والمعقدة. وهناك أدله في التراث السوسيولوجي تؤيد فكرة أن الضبط الاجتماعي غير رسمي يكون أقوى في المجتمعات الأصغر والتي تكون مجتمعات متناغمة Homogeneous وذلك بالمقارنة بالمجتمعات الأكبر التي تكون مجتمعات غير متناغمة Heterogeneous ([10]).  ويعتبر بعض علماء الاجتماع أن دورهم الأساسي يتمثل في وصف وتفسير الظواهر الاجتماعية بصورة موضوعيه. وأنهم يهتمون بفهم الحياة الاجتماعية والعمليات الاجتماعية وأنهم يقومون بأبحاثهم ذات الطبيعة الامبيريقيه. وإنهم يقبلون من الناحية العلمية فقط هذه الأفكار النظرية التي يمكن إثبات حقيقتها عن طريق التجريب ويوجههم في ذلك فكرة "ماكس فيبر”عن علم الاجتماع بأنه العلم الذي يسعى لفهم الفعل الاجتماعي بصورة تأويليه وذلك بهدف شرح أو تفسير السبب في ضوء النتيجة. وأنهم يعتقدون أن اكتشاف القوانين السببية هو الهدف النهائي لعلم الاجتماع ولكن فهم أهداف الناس يعد محورياً. هذا ويعد مفهوم “الرمزيةSymbolism في نظر عدد كبير من المفكرين مهماً للاستعانة به في تحليل السلوك والعلاقات الاجتماعية بحيث كاد المفهوم يرادف مفهوم الثقافةCulture وهناك أيضاً نوع من التطابق بين مفهوم أنساق الرموز systems of symbols وأنساق الثقافة في بعض الكتابات على الأقل فالرموز هي التي تعين طبيعة المجال ومداه ووحداته الأساسية كما ترسم حدود التمايز والتفاوت بين هذه الوحدات المختلفة ثم تربط بين وحدات المجال الواحد بحيث تؤلف كلاً whole متسقاً ومتسانداً, بينما تؤلف الأنساق المختلفة بعد ذلك الثقافة كلها. فالثقافة في نظره أداة فكرية وتصورية لتصنيف مختلف المجالات والميادين القائمة في هذا العالم وتبين الطريقة التي ترتبط بها هذه الميادين بعضها ببعض. وهذا معناه في أخر الأمر أن نسق الثقافة الكلي السائدة في أن مجتمع من المجتمعات يؤلف العالم كما يراه أعضاء ذلك المجتمع, وأنه -أي النسق الثقافي– يتميز بذلك عن مستوى الفعل action ([11])  وإذا كانت الثقافة مجموعة من الرموز والصور الرمزية فإنه يتعين على الباحث الأنثروبولوجي أن يحدد ويعين أنساقها الرمزية, وهذا يقتضي محاولة فهم وجهة نظر الأهالي أنفسهم لتعرف ما يقصدونه أو ما يرمون إليه من أفعالهم وتصرفاتهم ولن يتيسر ذلك بإتباع المناهج وأساليب وطرائق البحث المستخدمة في العلوم الطبيعية والتي تبحث عن القوانين وعن الأمثلة والحالات التي توصل إلى تلك القوانين ومن هنا كان "جيرتز" يرى أن ما يجب أن يهدف إليه الباحث الأنثروبولوجي هو الوصول إلى تفسير تأويلي Interpretive explanation وهو تفسير يتطلب التركيز على معنى العادات والنظم والأفعال والتقاليد بالنسبة للأهالي الذين يمارسون تلك العادات والتقاليد وتصدر عنهم تلك الأفعال ويخضعون لتلك النظم. وليس من شأن التفسير التأويلي أن يبحث عن القوانين وإنما هو يهدف إلى " فك unpacking " العالم الذهني المتصور الذي يعيش فيه الناس. ومن هنا كان يتعين على علماء الأنثروبولوجيا أن يبحثوا عن تفسيرات للثقافة ترد الأفعال إلى معانيها أو تربط الأفعال بتلك المعاني بدلا من محاولة رد السلوك إلى محددات تطورية أو انتشارية أو سوسيوبيولوجية كثيراً ما تنتهي إلى إصدار أحكام مبهمة وغامضة, أو غير واضحة على أقل تقدير([12]).  مما سبق يؤكد أهمية الوعي القانوني مما يتطلب توضيح لهذا المفهوم. 4- الوعي القانوني يمثل الوعي القانوني دوراً مهماً في حياة البشر والمجتمع. فالبشر يتمسكون في حياتهم الاجتماعية بأصول وقواعد سلوك معينة, تظهر تاريخياً وتتغير مع تطور المجتمع. فالوعي القانوني. هو مجموع الآراء والأفكار القانونية السائدة في المجتمع. التي تفصح عن علاقة أعضاء الجماعة بالنظام القانوني النافذ, وعن فهمهم لما يعد مطابقا للقانون أو مخالفاً له. فالوعي القانوني بهذا المعنى هو الجانب الذاتي الموضوعي الذي يعي القانون كما هو موجود في الواقع. والوعي القانوني باعتباره جزءاً من الوعي الاجتماعي العام يصاغ ويتشكل بالتبعية للواقع المادي الاقتصادي للمجتمع, وبقدر ما يكون النظام القانوني معارضاً لمصالح الجماهير العاملة بقدر ما تكون الفجوة بين الوعي القانوني والنظام القانوني والعكس صحيح([13]).  فالقانون كالسياسية نتاج للتقسيم الطبقي للمجتمع وهو أكثر عناصر البنية الفوقية أهمية، ويتصل اتصالاً مباشراً بالوعي السياسي ولكنه يتميز عنه. فالوعي القانوني هو جملة الآراء التي تعكس علاقة البشر بالحق القائم والتصورات التي يملكها البشر حول حقوقهم وواجباتهم، وحول شرعية أو عدم شرعية هذا السلوك أو ذاك، والحق هو إرادة الطبقة المسيطرة المرفوعة إلى قانون، والقوانين تصدرها الدولة، لذا فإن القانون يعتبر إجراء سياسيا([14]). لذا تتطلب الاستفادة من الحماية التي يوفرها القانون للأشخاص وعياً قانونياً من جانب هؤلاء الأفراد، ويتضمن هذا الوعي القانوني إحساس الشخص بأن له حقوقا، وأنه يستطيع تأكيدها عن طريق القانون ومعرفة بكيفية وأسلوب استخدام القانون لتحقيق مصالحة. وفضلاً عن ذلك، فإن الوعي القانوني يشتمل أيضاً على القدرة على العمل الإيجابي. فالشخص الذي يتمتع بالوعي القانوني لا يعرف حقوقه فقط، ولكنه يقدم على اتخاذ الخطوات العملية القانونية عندما يشعر أن من صالحه عمل ذلك([15]).  ويرى "بولانتزاس" أن القانون ليس سوى جزء عضوي من النظام القمعي ومن تنظيم العنف الذي تمارسه كل دولة, فالدولة تصدر القواعد وتعلن القوانين لتصنع حقلاً أولى من الأوامر والنواهي والرقابة ولتخلق مجالاً تطبيقياً للعنف وموضوعاً له ([16])  ولكن هناك تياراً يؤكد أن التشديد على القسر في أعمال القانون هو إساءة فهم تامة لدوره فالناس يطيعون القانون لا لأنهم مرغمون على ذلك بالقوة, بل لأنهم يقبلونه أو على الأقل يذعنون له, وأن هذا القبول وليس تهديد القوة هو الذي يجعل النظام القانوني فعالاً (3). لذا يجب الأخذ في الاعتبار بصفة دائمة العلاقة الوثيقة بين الشكل القانوني وبين مضمونه الاجتماعي والاقتصادي في موقف تاريخي محدد. لهذا فإن نفس القاعدة القانونية ؛ إذ تنطبق في مواقف اجتماعية واقتصادية متباينة, قد تحمل معنى مختلف نسبياً (4).  بيد أن الأمر لا يتعلق فقط بالعلاقة مع القانون. يقول " فاربر" (إذا كان الوعي القانون لا يعني سوى علاقة المواطنين بقوانين الدولة ومتطلباتها الحقوقية, فإنه سيكون من المستحيل تمييزه عن الوعي السياسي. غير أن الوعي القانوني, هو معرفة تنصب على مجال خاص من الحياة الاجتماعية. إنها معرفة لسائر الظواهر القانونية. وبشكل رئيسي لتصورات حقوق المواطنين وواجباتهم, وهذه لا يمكن أن تحصر في حقوق وواجبات سياسية فقط). فعلى سبيل المثال: فان الشعور الأخلاقي بالعدل أو الظلم يعبر عن العلاقة مع النظام الاجتماعي والسياسي القائم ومع القوانين, وفعالية هذه أو تلك من المؤسسات والتنظيمات وسلوك البشر([17]).  وتشير نتائج الدراسات الميدانية في هذا الصدد إلى طبيعة فهم الناس للقانون وطرق تعاملهم معه التي اكتسبوها من خلال تفاعلهم الحياتي اليومي في ظل شعورهم بغياب الديمقراطية لتحقيق قيمة العدل في ظل واقع تسوده الوساطات وجماعات الضغط على اختلافها ويجسدها المثل الشعبى والحكم والأقوال على سبيل المثال (المحاكم معاكم كسبنها خسرانها) ونعرض هنا لعدد من الدراسات الميدانية ففي دراسة للدكتور سمير نعيم أحمد تناولت الوسطاء وعملية الوساطة في حي بولاق بالقاهرة([18]). فقد جاءت اتجاهات عينة البحث من المتنازعين نحو التقاضي ونظام المحكمة على النحو التالي (أنها استهلاك للوقت, مكلفة جداً بالنسبة لنا, مفسدة, يترتب عليها تداعيات, معقده جداً, ليست ملاءمة لأوضاعنا الخاصة, شديدة البيروقراطية, تحتاج لإصلاح, تخلق مشكلات جديدة, لا تتمشى مع القانون الإسلامي, تتحيز للأغنى والأقوى, إن قراراتها ليست مجبرة Enforceable)  وتقدم (اند هلEnid Hill) تفسيراً لوجود مثل هذه الأنساق القانونية اللارسمية في البلدان النامية والبلدان الرأسمالية تتمثل في رغبة بعض الجماعات في التعامل مع مشكلاتها القانونية خارج نطاق القانون الرسمي, كما أن هذه الجماعات تقابل بحاجز يتمثل في زرائعية Instrumentalities الدولـة بالنسبة للعدل, ويرجع السبب في ذلك أساسا أن النسق القانوني يتعامل معهم ويؤثر فيهم على أنه أداه للسيطرة الطبقية([19]). إلا أن عجز استخدام الأساليب لسكنى حي بولاق في الحصول على حقهم بالقانون محكوم أيضاً بعجزهم في تحقيق مستوى اقتصادي أفضل داخل المجتمع وكذلك عدم الاستفادة من مختلف الخدمات العامة (الإسكان, التعليم, الصحة, المياه النقية. الخ) وجميعها تمثل ظروف الحياة الضاغطة, كالفقر, ونقص الخدمات في بولاق. وهناك عدد من الأدلة الإمبيريقية الملائمة التي توضح أن الناس في حي بولاق لا يخلقون ويبقون على نسقهم القانوني الغير رسمي للتعامل مع المشكلات القانونية فحسب ولكن يخلقون ويبقون على أنساق أخرى أيضا للتعامل مع مشكلاتهم الأخرى. فيقيمون نظام اقتصادي خاص بهم (الجمعية) Credit System لافتقارهم إلى طريقة للوصول إلى النظم البنكية الرسمية, ولديهم نظامهم الأمني الخاص بهم ولهم نظمهم التعليمية الخاصة (التدريب على مهنه) ولهم نظامهم الصحي.  وتشير نتائج دراسة ميدانية أخرى أجريت على مجتمع ريفي بمحافظة الشرقية حول "أساليب حل النزاع ودور كبار السن في القرية المصرية" إلى رضاء كافة أطرف النزاع عن حل نزاعاتهم عن طريق المجالس العرفية لما تتمتع به من مصداقية وثقه وحياد وديمقراطية وأن أحكام هذه المجالس لها قوة الأحكام القضائية ولا تقل عنها. إلا أن الدراسة تؤكد على ضرورة تطوير نظام العمل بالمجالس العرفية كآلية لحل المنازعات الريفية ووجوب حضور بعض رجال القضاء الرسمي لهذه الجلسات إذا اقتضى الأمر([20]).  دراسة ميدانية أخرى تناولت "الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية" لدى الشباب من الجنسين المنتمين إلى طبقات مختلفة (الطبقة العاملة– الطبقة البرجوازية الصغيرة– الطبقة البرجوازية المتوسطة) ومناطق مختلفة (ريفية– حضرية– عشوائية) وقد أظهرت أهم النتائج حول طبيعة الوعي الاجتماعي لطبقات العينة الثلاث غياب موقف طبقي واحد محدد لكل طبقة من الطبقات وازدياد الوعي وارتقاءه كلما ارتقى المستوى الاقتصادي الاجتماعي وأن التميع الطبقي الحادث في المجتمع المصري أثر على طبيعة الوعي الطبقي والاجتماعي وأكسبه تميعاً خاصاً به([21]).  دراسة ميدانية ثالثة تناولت "الوعي القانوني لدى اليابانيين والنزاعات الاجتماعية" وقد أخذ هذا الموضوع اهتمام كبير من الباحثين وكان من نتائج الأبحاث التي أجريت حول هذا الموضوع توضح أن اليابانيين يعارضون التقاضي أمام المحاكم ولا يميلون إليه, حيث أنهم يعتقدون أن الحق والواجب كلمات مطلقة المعنى وقد أثارت هذه النتائج نقاشات وجدل كبير لأنهم ينظرون للوعي القانوني بوصفه مجموع الاتجاهات والقيم حول القانون الياباني. وقد جاءت بنتائج غير واضحة ومحدده وذلك لعدم دقة تحديد مفهوم الوعي القانوني, والنزاعات الاجتماعية كما أنها لم تربط بين وعي المبحوثين, ووضعهم الطبقي وعلاقته بالمجتمع الياباني ككل وكذلك دوره في المنظومة الرأسمالية العالمية, وانتهت إلى المطالبة بضرورة تنمية وزيادة الوعي لدى المواطنين([22])  ودراسة أخرى تناولت "الوعي بالمشكلات وكيفية علاجها" واهتمت بشكل خاص بأشكال الوساطة التي تعالج المشكلات والتي وصلت إلى المحاكم والوعي الاجتماعي بها, وقد أجرى البحث في ولاية ماساشوستس في مدينتين (Salem, Combridge) ويهدف إلى أن المدعين يصلون بمشاكلهم للمحاكم على أنها آخر المطاف, وذلك عندما يطلبون العدل, وليس مجرد التصالح وجاءت أهم النتائج تشير إلى أن عمليات الصلح التي تمت ترتبط بنظام المجتمع بعيداً عن القانون والرسميات الخاصة به إلا أن الصلح كان يتم تحت سمع وبصر المحكمة والملاحظ أن التعامل مع الظاهرة والمشكلات ونوعها تعامل آنى وبالتالي جاءت ردود الأفعال وقرار التصالح دون تفسير حيث لم يتضح طبيعة تفكيرهم وسبب وصول مشكلاتهم في الأصل إلى المحاكم فماذا يريد هؤلاء الناس, ولماذا تصل بهم القضية لتلك الدرجة وما هو وعيهم الاجتماعي وفهمهم للقانون([23])  أما عن الدراسة الميدانية التي أجريت في قرية الدراسة فقد توصل الباحث إلى عدد من النتائج فمن خلال تحليل مضمون استجابات حالات الدراسة الميدانية لوحظ أن هناك اتفاقاً أساسياً بين حالات الدراسة حول أهمية ودور القانون ولكن التباين جاء في فهمه وطريقة وأسلوب النظر لتحقيق العدالة فنسبة 70% اقروا بأن اعتذار الآخر له إذا قام بالتعدي على حق من حقوقه والاعتراف بخطأه أمام الجميع مهما كانت الخسائر المادية أو المعنوية تعد أفضل نتيجة حصل عليها داخل المجتمع المحلي من أي شيء آخر يقرره القضاء.  وهذا يتفق والنتائج التي توضح أن اليابانيين يعارضون التقاضي أمام المحاكم ولا يميلون إليه([24]) وجاءت هذه النتائج على النقيض من نتائج بحث أجري عن المجتمع الأمريكي وذهب إلى تفضيل الأمريكان للذهاب بمشكلاتهم إلى المحاكم ([25]).  أما نسبة الـ 30% فترى أن الحصول على الحق عن طريق القانون يمثل حسب قولهم الأدب الشرعي لأن هناك نوعية من الناس لا تجدي معها الأساليب السلمية.  كما أظهرت النتائج أن من لديهم قناعة بأنهم في وضع طبقي متدني فقد انعكس هذا على الصورة الذهنية لديهم حول القانون صحيح أن لديهم فهم ورؤية محدده بأن لهم حقوق أساسية يكفلها لهم القانون إلا أن عجز الأساليب هي التي تقف عقبة كما أنها عملية لا تتم فجأة حيث تتدخل فيها عوامل داخلية ترتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع والبدائل التي يرونها لحياتهم والأفكار العامة التي تعكس الجوانب الثقافية كما ذهب إلى ذلك جيرتز([26]) ومستويات وأنماط السلوك وقيم الحياة لديهم فعلى حد قول إحدى الحالات (أنه مفيش حد يتكلم عليه بشيء ردي أو يعرف عنه حاجة ولو حدثت أي مشادة تسمع البعض يقول ده مش بتاع خناقات ولا مشاكل ده ميعرفش طريق قسم الشرطة منين) يعني هذا أن عدم الذهاب إلى قسم الشرطة يدل على أنه رجل حسن السير. إلا أن الجديد في الأمر أن قبول أي طرف من الأطراف للحل العرفي السائد يرجع في جزء كبير منه إلى طول الوقت الذي تستغرقه المحاكم في نظر القضايا وما يصاحب ذلك من تكاليف اقتصادية مرتفعة ومصاحبات ذلك كما أن النتائج غير مضمونة وتخضع لاعتبارات أخرى بين المحامين....الخ.  وهناك اتجاه عملى يسود بين القرويين في أن المحاكم لا تحل المشكلات بل تبدأها وأن الأفضل التسوية بالتراضي بالنسبة لحل أي مشكلة داخل نطاق القرية عن طريق كبار السن على جميع المستويات وبين طبقات المجتمع. وسلبية بالنسبة للجوء إلى المحاكم والملاحظ أن غالبية الحالات– ماعدا الحالات الكيدية التي يتم فيها ابتداع الكثير من الأساليب للنيل من الخصم– يهدفون إلى تحقيق العدل أو الحصول على حقوقهم – أيا كانت الوسيلة– وأن مشاعرهم سلبية تجاه القانون الرسمي وأجهزته.  عن أهمية القانون فقد جاءت استجابات الحالات مؤكدة أهمية القانون لما له من دور أساسي في تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع ورد المظالم إلى أهلها إلى غير ذلك من وظائف القانون كما فهمه كل مبحوث من خلال تعليمه وخبراته وموقعه في نمط الإنتاج السائد والملاحظ أن هناك تقبل شكلي عن طريق الكلام كي يظهر الشخص نفسه بمظهر مقبول اجتماعياً. وذهبت حالتان إلى أن القانون غير مهم ولكن الأهم هو المعارف والوساطة أو وجود محامي جيد أو الاعتماد على الوضع المادي أو العائلي.  أما عن طاعة القانون لأنه يحوز قبول البشر أم أن القوة تدعمه فقد جاءت استجابات الحالات مؤكدة أنه إذا كان القانون ترجمة لعادات وتقاليد المجتمع ولا يتعارض مع الشرع والأخلاق السائدة فإنه يحوز قبولاً من الناس أما إذا تعارض القانون مع ما سبق ومع مصالح البشر فإنهم يخرجون عليه دون النظر إلى التهديد بالقوة, فاقتناع الناس بالقاعدة القانونية يؤدي إلى احترامهم لها والعمل بها. ويؤكد ذلك دراسة ميدانية أجريت حول ظاهرة تعاطي الحشيش([27]) حيث أبدى الناس عدم اقتناع بالقاعدة القانونية وعدم احترامهم لها لذا لم تنخفض نسبه جرائم المخدرات على الرغم من تشديد العقوبة عليها....فالخوف من العقوبة القانونية يعتبر علامة قليلة الأهمية. وقد فسرت هيئة البحث هذا بأن القانون في واد والمتعاطيين في واد آخر, وخلص إلى وجود فجوة بين التشريع وبين الرأي العام والواقع الاجتماعي, فالمشرع يخطئ إذ يلجأ إلى العقاب دون بذل أي جهود صادقة لدراسة الواقع الذي يؤدي إلى المشكلة ومحاولة تغييره بأساليب اجتماعية (مقبولة) قبل الالتجاء إلى قوة القانون وأوامره وعقوباته القاسية. ودون محاولة جادة لإقناع المجتمع على أسس علمية سليمة بخطورة المشكلة وآثارها الضارة بالمجتمع بأكمله إن المشرع أحياناً في حمايته لمصلحة اجتماعية يتخذ اتجاهاً لا يتجاوب مع ضمير المجتمع, فتحدث فجوه بين المشرع واضع القاعدة القانونية وبين جماهير المكلفين بهذه القاعدة. وبذلك تسود رؤى متباينة في الفهم لدى القرويين.  أما عن التباين في الرؤية إلى القانون وقيمته في الماضي والحاضر فقد أجاب 60% بأن القانون في الماضي كان ينال احترام الجميع والمحافظة على النفس من الوقوع تحت طائلة القانون يدعم ذلك الأسرة الممتدة ودورها في التنشئة من خلال مقولات مثل" وأن هذا عيب في حقي أو الخوف على سمعه العائلة أو الأصول كذا" حسب ما جاء على لسان المبحوثين لذا فكان اللجوء إلى قسم الشرطة في أضيق الحدود أو يكاد يكون منعدم. صحيح أن معرفة الناس بالقانون لم تكن تمثل أهمية ربما لالتزام الناس في ظل علاقات الود والتدين والأخلاق الحسنه والضمير والحلال والحرام واستهجان أفراد المجتمع للخارجين عليه لدرجة أن من يعاقب بالحبس مثلاً أو يأتي بفعل مشين كان لا يستطيع أن يواجه الناس مرة أخرى ويسافر إلى مكان إقامة أخرى يؤكد ذلك ما توصلت إليه دراسة دكتور "حامد عمار"([28])  أما الآن فأصبح القانون هين على النفس ليس هناك تبجيل له بل إذا تكلمت مع أحد ولو أقرب الأقارب وتنصحه بأن هذا خطأ لا يسمع لك ويقول "إيه اللي ماشي صح" يعني هذا أنه واعي ويفهم موقفه وأنه يعترف بخطئه بل ويبرره بأنه ليس وحده وإنما هو سلوك عادي ومقبول بين الناس هذه الأيام.  أما نسبه 40% فقد جاءت آرائهم على عكس ما ذكر بالنسبة للقانون ففي الماضي كان هناك خوف من القانون ورجاله إما لقلة التعليم أو الوعي لذلك كان الرضا بأي حل بعيد عن القانون, أما الآن فأصبح كل شيء بالقانون وزاد إدراك الناس ومعرفتهم به ولا يقبل العذر بالجهل بالقانون. إلا أن جميع الحالات تفضل وتدعم نظره الاحترام داخل القرية إلى كبير العائلة وهو أشبه بالقاضي فجميع أفراد العائلة ترجع إليه في حل مشاكلهم داخل محيط الأسرة والعائلة ومن العيب أننا نقف أمام بعضنا البعض في المحاكم, أما إذا كان الخلاف بين العائلات فيتم اللجوء إلى شخص يكون "مرضي" تقبله العائلتين إلا أنه وفي ظل ثورة المعلومات تغيرت بعض القيم وفقدت التقاليد والأعراف لبعض مكانتها إلا أن الجميع حتى ولو وصل الأمر بهم إلى الشرطة يتم الجلوس إلى مائدة المفاوضات والصلح داخل القرية إلى أن يتم حل الخلاف وتقديم محضر صُلح وينتهي الموضوع وهذا ما تؤكده نتائج الأبحاث السابقة التي عرضنا لها من قبول الوساطات ومحاولة الحل بعيداً عن المحاكم وتفضيل اللجوء إلى التراضي كما ذهب إلى ذلك نتائج بحث الوسطاء وعمليه الوساطة.  نخلص مما سبق إلى أن فهم القرويين للقانون يتباين بتباين المتحقق من هذا الفهم والعائد منه وأن هذا الفهم يتغير من فترة زمنية وأخرى وقد يتم تعديله بتغير المواقف إذا لم يكن يحقق الاستفادة لصاحبه. 1- راجع : أعمال المؤتمر الثاني للمركز الحضاري لعلوم الإنسان بعنوان : الثقافة الشعبية والتنمية , كلية الآداب جامعة المنصورة , 19-21 أكتوبر 1999. والمنشور أعماله مايو 2000 . 1- محمود أمين العالم. أزمة ثقافة أم أزمة حكم ؟! مجلة قضايا فكرية , الكتاب الأول, يوليو , 1985 , ص ص 9- 15 . 2- محمد نور فرحات، المصريون والقانون: رؤية لبعض الأبعاد التاريخية للازمة القانونية المعاصرة في مجلة قضايا فكرية ، مرجع سابق. 1- عبد الحميد حواس , الحكومة في الثقافة الشعبية. دراسة في مجلة قضايا فكرية , مرجع سابق , ص ص160-169 * هناك العديد من الأمثلة في التراث الشعبي المصري من بينها على سبيل المثال: قصة ياسين وبهية. 1- Steve Redhead , unpopular cultures : The birth of Law and popular culture , Manchester university press , New York , U.S.A , 1995,pp.17-31 1- sally Engle Merry , Getting Justice and Getting Even: Legal consciousness among working – class Americans , Chicago and London , U. S.A, 1990 , p.3 2- Ibid , pp. 3-6. 1- sally Engle , op. cit , pp. 8-9 1- Steven Vago , Low and society , prentice Hall , Englewood cliffs , New jersey , U.S.A , 1991 , pp .12-13 . 1- Steven Vago , op. cit , pp .135-137 (1) أحمد أبو زيد , الرموز والرمزية : دراسة في المفهومات , المجلة الاجتماعية القومية , المجلد الثامن والعشرون , العدد الثاني , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية القاهرة , مايو 1991 , ص ص141-143 (1) المرجع السابق..، ص ص 148-149. 2- محمد نور فرحات , الفكر القانوني والواقع الاجتماعي , دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981، ص 291 3- PHENG cheaqh, David Fraser and Judith Grbich, Think through the Body of the Law , New York. 1996, P. 10 . راجع أيضا: - Robert post , Law and the Order of culture , University of California press , U.S.A , 1991 - Austin sarat and Thomas R .kearns , Law in Everyday Life , university Of Michigan press , U.S.A , 1986 (1) سمير نعيم أحمد , علم الاجتماع القانوني , دار المعارف , ط 2 , 1982 , ص 172. (2) نيكولاس بولانتزاس , نظرية الدولة , ترجمة : ميشيل كيلو , دار التنوير , لبنان. 1987 , صـ 72. (3) دنييس لويد , فكرة القانون, تعريب: سليم الصويص. سلسلة عالم المعرفة , الكويت , نوفمبر,1981. ص45. (4) محمد نور فرحات, الفكر القانوني والواقع الاجتماعي, مرجع سابق, ص ص67-68 1- أ.ك أوليدوف, الوعي الاجتماعي , ترجمة ميشيل كيلو، درا بن خالدون، بيروت، ط2، 1982، ص ص 81-85 2- SAMIR Naim , Mediators and the Mediation process in the Boulak District of Cairo , In Disputes and the Law , Edited by : Maureen Cain and Kolman Kulcsar , Akademiai Kiado , Budapest , 1985 , P.51 1- Ibid , p .52 2- عزة أحمد صيام , مشاركة كبار السن في إدارة شئون القرية : مع إشارة خاصة إلى أساليب حل النزاع , في مؤتمر : القرية المصرية : الواقع والمستقبل , 10-12 أبريل 1994 , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية, 1996 1- أشرف فرج أحمد , الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية : لدى عينات من الشباب المصري , رسالة دكتوراه , غير منشورة , كلية الآداب جامعة عين شمس , 1996 2- Miyazawa –s., Taking kawahima seriously : A Review of Japanese Research on Japanese Legal Consciousness and pisputing Behavior, Law – and Society Review , 1987 , pp. 219 –241 1- Sally Engle Merry ,op. cit , pp .15 –19 2- Miyazawa –s., op. cit . 3- Sally Engle Merry ,op. cit . 1- أحمد أبو زيد , الرمز والرمزية, مرجع سابق , ص ص 148-149 1- دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية , بالقاهرة , عن ظاهرة تعاطى الحشيش في الفترة من عام 1958-1962. نقلا عن سمير نعيم أحمد , علم الاجتماع القانوني , مرجع سابق , ص ص 156-159 1- حامد عمار، التنشئة الاجتماعية في قرية سكوا، ترجمة: غريب سيد أحمد وآخرون، دار المعرفة الجامعية، 1989.

دكتـور/ مهدى محمد القصاص قسم الإجتماع – كلية الآداب - جامعة المنصورة مقدمة يثير دور المجتمع المدنى وتنمية الوعى السياسى العديد من القضايا والإشكاليات على الصعيدين الشعبى والرسمى, كما أن هناك ثمة خلط بين العمل الطوعي في مجال المجتمع المدنى, والعمل السياسي, بعضه يرتبط بنشأة الجمعيات الأهلية وتطورها في مصر, وبعضه الآخر يعود الي القيود الأمنيه والقانونية علي العمل السياسي والحزبي مما انعكس علي فعاليات تطوير المجتمع المدني وتحقيق الحكم الراشد. وعلي الرغم من صعوبة عزل حركة المجتمع المدني عن الحركة الثقافية إلا أن تأثير العامل السياسي فيها كبير, خاصة بعد الانهيار في دول المنظومة الاشتراكية في سياق عملية نقد ومراجعة لهذه التجربة, ساعد في ذلك التغيرات التي أخذت بها بعض الدول العربية إزاء الديمقراطية (انتخابات الرئاسة في مصر 2005) والتحول إلي أنظمة السوق الحر وتشجيع القطاع الخاص ورفع شعارات حقوق الإنسان وقبول الآخر وتراجع نسبي لدور الدولة في مجالات العمل والصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. في الوقت نفسه زاد عدد مؤسسات المجتمع المدني (*) وتنوع نشاطها وتغير مفاهيم البعض منها وفلسفته لتطرح مفاهيم التنمية والمشاركة الشعبية والسياسية في إطار العولمة وما تتضمنه من أبعاد اقتصادية (الخصخصة واقرار حرية السوق) وسياسية (حقوق الانسان والديمقراطيه والتمكين السياسي كصيغ ومفاهيم للحكم الراشد) وثقافيه (منظمات ومواثيق اخلاقيه عالميه – قيم ثقافيه) وبروز الدعوة الي قيام مجتمع مدني عالمي.  ولعل ما جاء فى تقرير التنمية البشريه لمصر لعام 2005 من منح المواطنين حقوق المواطنة التي تعتبر بمثابه الأداة التي يستطيعون بها القيام بمسئولياتهم المقررة بمقتضي الاتفاق الجديد بين الدوله والمجتمع المدني وبينما يقتصر دور الدوله علي توفير بيئة ادارية مواتيه من اجل الاسراع بالتنمية, سيطالب المواطنون بحرية التعبير وحريه تشكيل التنظيمات والوصول الي المعلومات بما في ذلك حرية الصحافة. ويستطيع المجتمع المدني النشط سياسيا أن يجعل الحكومة أكثر استجابة لمتطلباته. وهذا لا يتم إلا بوجود أحزاب سياسة تمثل المواطنين وتصل إلي المناطق والفئات المحرومة والبعيدة, وكذلك بوجود مشرعين قادرين علي آداء وظيفتهم بكل دقة. ومن الواضح أن هناك رغبة قوية في التغيير, أبرزها الحماس القوي الذي أبداه الشارع المصري تجاه الانتخابات القومية في مصر, فضلا عن المطالب الصريحة بوضع الآليات السياسية والاداريه التي تكفل تحقيق الديمقراطية من خلال انتقال السلطة واللامركزية, لتحقيق النمو والاستقرار. هدف البحث وتساؤلاته: تمثل هدف البحث في محاولة عرض وتحليل طبيعة دور المجتمع المدني (الجمعيات الأهليه) ومساهمته في تنميه المجتمع سياسيا لتحقيق الحرية وأسس الحكم الراشد. ولتحقيق ذلك نطرح التساؤل التالي: ما دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية المحليه والحرية وصولا الي الحكم الراشد ؟ ويتضمن ذلك التعرف علي دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية المستديمه في ضوء عولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة. وذلك من خلال وعي أفراد المجتمع بدور المشاركة المجتمعيه وأهميتها كإحدي أدوات الحكم الراشد. وكذلك المناخ السياسى الذى يشجع على زيادة وعى أفراد المجتمع بأهمية المشاركة. فى منهجية الدراسة الميدانية: يأتى نمط البحث وصفيا تحليليا. وننطلق من تعريف المجتمع المدنى: بأنه المشاركة العامة للتنظيمات غير الحكومية وهى قائمة على عضوية اختيارية ولا تهدف إلى الربح ، وتضم النقابات المهنية والاتحادات والأحزاب والجمعيات وغيرها. هذا وقد تم اختيار عينة من عشر حالات لتطبيق دراسات الحالة الميدانية بطريقة عمدية ومعروفين لدى الباحث وتتمثل خصائصهم فى أنهم متعلمون ، تترواح أعمارهم مابين 30 – 45 عاماً ، من الذكور ، متزوجون ، ويعملون ويقيمون بدائرة كوم حمادة الانتخابية ، ولهم نشاط على المستوى الشعبى فى مجال خدمة البيئة المحلية و الخدمات الاجتماعية ، وينتمى 70% منهم إلى الحزب الوطنى ( الحزب الحاكم ) ولهم نشاط سياسى ملحوظ خاصة فى فترات الانتخابات ، كما شاركوا بفعالية فى انتخابات مجلس الشعب التى أجريت فى الربع الأخـير من العام 2005 ، بوصفهم منظمى الدعاية ومشاركين فاعلين مع مرشحهم ( ابن البلد ) المستقل ، أحدهم عن ( الفئات ) والآخر عن ( العمال ) عن دائرة ( مركز كوم حمادة – قرية بيبان – محافظة البحيرة ) والتى تقع غرب العاصمة القاهرة على مسافة 120 كيلو متر ، ويجمع بينهم هدف واحد هو نجاح مرشحهم رغم انتمائهم لأحزاب مختلفة ، وفى سبيل ذلك تم مخاطبة الناخبين بكل ما يحبون من أماني. أولا: المجتمع المدني والتنمية المجتمعية. يلعب المجتمع المدني ومنظماته دورا مهما في تنمية المجتمعات في مختلف المجالات خاصه المجال الخيري والمشاركة الاقتصادية والسياسية. ونعرض لذلك من خلال: 1 – مفهوم المجتمع المدنى وترقية الديمقراطية. يمكن تعريف المجتمع المدنى بثلاثة أساليب. الأول: فى سياق النظام الاقتصادى التقليدى: حيث يشير المفهوم للانتقال إلى المجتمع البرجوازي. وفى هذا السياق تعنى " المدنية " احترام الحرية الشخصية والملكية الخاصة ويستخدم رجال الاقتصاد هذا المفهوم للإشارة إلى المؤسسات غير التابعة للدولة التى تسهم فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ثانياً: يتم استخدام المفهوم فى سياق علاقته بالإصلاح السياسي والتحول إلي النظام الاجتماعي الحديث وفي سياق هذا التعريف ، يشير المجتمع المدنى على وجه الخصوص للمؤسسات غير التابعة للدولة التى تسعى للوصول للقوة والسلطة السياسية. ثالثاً: يستخدم مصطلح المجتمع المدنى أحيانا للإشارة إلى دقة وأهمية الفاعلين الاجتماعيين من غير ذوى السلطة مثل المنظمات الخاصة والمؤسسات الدينية وغيرها.  وليست هذه التعريفات الثلاثة منفصلة تماما عن بعضها. فهى تشترك فى التركيز على دور المواطن وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة. وعلى هذا يمكن تعريف المجتمع المدنى على أنه " مناخ الحديث الإجتماعى والتوجهات والحركات الاجتماعية المستقلة التى تسعى لتنظيم المجتمع " ويكون الهدف من هذه النشاطات زيادة قدرات وإمكانات المواطن وحمايته من الاستخدام غير المنضبط للسلطة من قبل الدولة أو أى جماعة تنظيمية أخرى (1). ويذهب " محمد خاتمى " إلى أن العالم الغربى ينبع – تاريخيا وتنظيريا – من نظام الدولة التى ترجع جذورة للثقافة الإغريقية والنظام السياسى للدولة الرومانية ، وأن المجتمع المدنى الذى نعتقد فيه ترجع جذورة التاريخية والتنظيرية إلى " المدينة المنورة ".  فالمجتمع المدنى الذى نراه – الذى يرتكز حول محورية الفكر الإسلامى والثقافة الإسلامية - لا مكان فيه للديكتاتورية الشخصية أو الجماعية أو حتى ديكتاتورية الأغلبية ففى سياق هذا المجتمع نجد الإنسان – ولإنسانيته فقط بغض النظر عن أى اعتبارات أخرى يتم احترامه واحترام حقوقه ويستمتع المواطنون فى المجتمع المدنى الإسلامى بالحق فى تحديد هويته الخاصة وتحديد من يحكموه وبالتالى محاسبتهم وتكون الحكومة فى مثل هذا المجتمع فى خدمة الناس وليست السيد عليهم ، ويتم محاسبتها بشكل فعلى من قبل من تحكمهم. وليس مجتمعنا المدنى مجتمعا للمسلمين وحدهم لكنه مجتمع يعترف بحقوق كل الأفراد تحت مظلة القانون ويرتبط تحديد هذه الحقوق بالواجبات الأساسية للحكومة بل يقف فى مقدمتها احترام حقوق الإنسان والالتزام بالمعايير الأخلاقية وأن هذا تواتر طبيعى لتقاليدنا ومعتقداتنا الدينية (2).  وترجع جذور الروابط بين المجتمع المـدنى والديمقراطية فى أدبيات البحث إلى الكتابات الليبرالية الأولى للكتاب الليبراليين. ومع ذلك فـقد نمت هذه الروابط بأشكال مؤثرة من قبل منظرين القرن العشرين مثل " Sidney Verba " " Gabriel Almond " الذين كانا يعتبرا دور المجتمع المدنى فى النظام الديمقراطى دور حيوى وفاعل ويرى هؤلاء الكتاب أن العنصر السياسى للعديد من منظمات المجتمع المدنى ييسر من الإدراك الأوضح لمفهوم المواطنة والذى يدعم مزيد من القدرة على الاختيار والتصويت والمشاركة فى السياسات ومحاسبة الحكومة لتحسن من آدائها ويتسنى الوصول إلى نتائج أفضل ويرى "Robert Putnam " أنه حتى المنظمات غير السياسية فى المجتمع المدنى لها دور حيويي فى تعزيز الديمقراطية وذلك لأنها تساعد على بناء رأس المال الاجتماعى والثقة والقيم المشتركة والتى يتم نقلها للمناخ السياسى وتساعد فى تـرابط المجتمع (3).  وتؤكد أكثر التعريفات المألوفة فى أدبيات البحث للمجتمع المدنى على الاتساع النسبى للفاعلين الاجتماعيين مثل الأسرة والجماعات المختلفة والمنظمات التطوعية وما إلى ذلك, والتى تكون مستقلة عن الدولة وتظهر نظم الحكم الغربية أبعاداً جديدة هامة بخلاف الاستقلالية عن الدولة, وأول هذه الأبعاد يشير إلى " الخصوصية " الواضحة والتى تعنى الانفصال الواضح والتام عن الدولة أما البعد الثانى فهو " وجودها " حيث أن هذا القطاع يتسم بتنوع المؤسسات التى تنظم العديد من نشاطاته وتحول دون أن يصبح مجرد كتلة اجتماعية لا شكل لها ( هلامية ). أما البعد الثالث فيتضمن " الانفتاح فى قطاعاته ، حيث لا يكون منعزلاً عن بعضه والبعد الرابع للمجتمع المدنى هو " الوصول المستقل للمعترك السياسى المركزى " وتوفر درجة من الالتزام بالوضع العام.  ومجمل هذه الشروط والأبعاد يؤكد على أنه ليس هناك جماعة اجتماعية أو فئة أو مؤسسة يحق لها أن تحتكر سلطة وموارد المجتمع بحيث تمنع إمكانية وصول الجماعات الأخرى لهذه السلطة. ومع هذا فإن ذلك ما حدث بدقة فى بعض النظم – مثل بعض نظم أمريكا اللاتينية – والتى تبنت توجهاً ديمقراطياً فى ظاهر الأمر ، إلا أن السلطة كانت مركزه فى يد مجموعة قليلة جداً. وعلى هذا ، فإن الدور الأساسى لحيوية النظم الديمقراطية وفاعليتها هو وجود العديد من القطاعات الاجتماعية المستقلة عن النظام السياسى ( الدولة ) ، ويكون بمقدور ممثليها الوصول للأطر السياسية الهامة ، فى ظل فهم واضح للقواعد الأساسية للعملية السياسية وتوفر درجة معينة من الالتزام به. إلا أن ذلك ليس كافياً فى حد ذاته للتأكد على استمرارية الأداء الوظيفى للمؤسسات الديمقراطية. فمن الضرورى دمج هذه القطاعات الاجتماعية المتعددة ومراكز السلطة المستقلة مع الروابط الأيديولوجية والمؤسساتية الموجودة بين هذه القطاعات والدولة وتحديد مدى استقلاليتها. وأهم هذه الروابط هو الأطر الدستورية للتمثيل السياسى ومؤسسات القضاء وأنماط التواصل وطبيعة تدفق وتوفر المعلومات السياسية أو مجالات التواصل والخطاب. وبقدر ترابط هذه الكيانات وبقائها مستقلة عن الدولة ، وبقدر السماح للقطاعات الإجتماعية دخول المعترك السياسى ، ومدى النجاح فى إجراء المحاسبة ، ستتحدد طبيعة واستمرارية الأداء الوظيفي للمؤسسات الديموقراطية تحت مظلة القانون والدستور (4).  2 – العولمة ودور المجتمع المدني فى تحقيق التنمية. إن إحساسنا بالواقع صار أمراً شديد النسبية في عصرنا الحالي. فالقوي الشديدة للعولمة والثقافة والاقتصاد وغيرهم والتي تتخذ شكل شركات عابرة للقارات وتدفق الهجرة قد أدت إلي خلط أوراق الدولة – والهوية والمواطنة. كما أن ارتفاع تيار الفردية صار محل اهتمام في ظل استمرار المجتمع في فقد وعيه الجماعي الذاتي – كما يبدو – وبالتالي مقدرته علي العمل السياسي. وفي مقابل ذلك نجد الشركات عابرة القارات (متعددة الجنسيات) التي ترسوا قواعدها في المجتمع العالمي قد كسبت أرضاً جديدة في العمل السياسي والقوة والنفوذ علي الحكومات القومية والبرلمانات. وكانت نتيجة ذلك, أن الوجه الرئيس للسياسة في مطلع الألفية الجديدة هو ظهور موضوعات اخترقت الواجهة الديموقراطية الوطنية للأمة وصارت بمثابة المحرك الرئيس للعمل السياسي (5).  وهناك العديد من التحديات التي تفرضها العولمة علي النظرية السياسية المعيارية وقد كانت النظرية السياسية الغربية التقليدية تفترض وجود المجتمعات المحددة التي تنعزل بحدودها عن الدول والمجتمعات الأخرى. فبالرغم من أن المفكرين السياسيين والقانونين قد اضطلعوا تاريخيا بطاقة هائلة في تشكيل نماذج معيارية محددة للعلاقات بين الدول, فقد اعتمدوا في ذلك إلي حد كبير علي الانفصال الواضح بين الشئون الداخلية المحلية والشئون الخارجية. وعلي هذا كان ينظر للحدود كأمر إيجابي حيث يوفر ميزة وإمكانية النجاح الداخلي للبلد في ظل انعزالها عن العالم الخارجي. أما الآن, فإن العولمة تفرض تحدياً أساسياً علي كل تلك الفرضيات التقليدية فلا يمكن لنا الآن وصف دولة علي أنها مكتفية ذاتياً بمواردها ويمكن لها أن تحيا في عزله عن العالم الخارجي في هذا السياق من الانفتاح وانتشار العلاقات الاجتماعية العابرة لحدود الدول. ففكرة محدودية المجتمع صارت فكرة غريبة وشاذة في ظل هذه التحولات الأخيرة (6).  وفي الولايات المتحدة يرتبط المجتمع المدني بشكل وثيق بالعدائية وعدم الثقة في الحكومة. وهي عملية ارتبطت بالرئيس كلينتون – علي الأقل بشكل رمزي – وإعلانه بعد انتخابات 1994 أن عصر الحكومة السوبر (super) قد ولي. فحقيقة الأمر, نجد أن الإحساس بأن الحكومة لم تعد تحظي بالثقة او الشفافية قد كان بمثابة الدافع والمحرك لجعل المجتمع المدني في قمة أجندة السياسيين والباحثين في الحقل السياسي.  ويأمل الليبراليون في دعمهم للمجتمع المدني أن يجدوا إجابات لتساؤلاتهم عن مشكلات المجتمع الأساسية كالفقر والعنصرية والمثبطات البيئية والتي لا تدعوا لمزيد من التدخل غير المرغوب للحكومة ومؤسساتها في حياه المواطنين. وعلي صعيد آخر نجد بعض الأراء النقديه توجه سهامها الي المنظمات غير الحكومية والتي يري الكثيرون انها تتجسد في المجتمع المدني. حيث يري أصحاب تلك الرؤي ان تلك المنظمات تزيد من الداء التي هي معنية بعلاجه (فهي الداء لا الدواء). وهم يرون ان تلك المنظمات مثالا للسلوك السلطوي والفساد وعدم المحاسبة. وهو الامر الذي عزا بالعديد ممن كانوا في طريقهم لتأييد فكرة المجتمع المدني كوسيلة للوصول الي الديموقراطية الي الابتعاد بأنفسهم عن هذا الأمر (7).  ويتفاعل البنك الدولي في مجال التنمية الدولية مع آلاف من منظمات المجتمع المدني (NGOs) في كافه أنحاء العالم من خلال وسائل ثلاث هي: أ – يُسهل البنك الحوار والشراكة بين المجتمع المدني والحكومات عن طريق تقديم الموارد والتدريب والمساندة الفنية. ب – يتشاور البنك مع منظمات المجتمع المدني بشأن القضايا والسياسات والبرامج. جـ – البنك يقيم شراكات مع منظمات المجتمع المدني لتقديم الخدمات والمساعدات (8).  ويقوم البنك الأمريكي الدولي للتنمية بفتح عملية حوار مستمرة وعمل علاقات بين الحكومات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات التنمية المانحه (المحلية والدولية) لتصميم وتنفيذ برامج التنمية الاجتماعية وذلك من خلال: تقوية المجتمع المدني ، خلق صيغة قانونية وحكومية قوية ، تحسين القبول لقطاع منظمات المجتمع المدني ، خلق شراكه بين الحكومه ومنظمات المجتمع المدني (9).  والسؤال هل حقيقي ما يقوم به المانحون بالمبالغة في التأكيد علي دور المجتمع المدني كقوة ديمقراطية تقف في وجه القوي القمعية؟ ان تلك المحاولات تحاول تشتيت الانتباه عن النوايا الحقيقية للشركات الرأسمالية وآثارها المدمرة علي المجتمع المدني. فالمانحون يقوموا بالإيهام بأن المجتمع المدني يحيا في تناغم وتناسق ويقتصر دورة كقوة مدعمه للنموذج الليبرالي للتنمية الرأسمالية والديمقراطية (10). والمجتمع المدنى له دور فاعل أيضاً داخل الوطن العربى بوجود الرسالات السماوية وقيم التعاون منذ القدم وتشير الدراسات الي ان الخبرة التاريخية والاجتماعية للمجتمع المصري بالمجتمع المدني أكدتها قيم ومبادئ الحضارة المصرية ، عبر التعاون والتكافل الاجتماعيين وهى تعطى أرضية لمزيد من التطوير لحركة المجتمع المدنى وفاعليته (11).  كما تشير نتائج الدراسات إلى تطور علاقة الدولة بالمجتمع المدنى فى كل من ( الأردن – اليمن – سوريا – موريتانيا ) حيث أثرت المتغيرات الدولية على الأوضاع فى المنطقة العربية والأحداث بها وعلى علاقة الدولة بالمجتمع المدنى من خلال مفاهيم حقوق الإنسان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (12). وفى دراسة أخرى اهتمت بالمجتمع المدنى فى المجتمعات العربية وتأثير الظروف والتغيرات الدولية الاقتصادية والسياسية التى أثرت منذ بداية تشكيل العمل الأهلى العربى فى إطار ظروف غير مواتيه اقتصاديا وثقافيا وسياسيا مما دفع تنظيمات المجتمع المدنى الأهلى إلى تقديم المساعدات الخيرية (13).  كما كشفت دراسة أخرى عن الدور السلبى للجمعيات والمؤسسات فى ريف محافظة البحيرة فى مجال الرعاية أو التنمية أو الديمقراطية وعدم مواجهة مشكلات الجماهير واستثارة إيجابيتهم وتدريبهم على تحمل المسئولية والمشاركة فى صنع وتنفيذ القرارات المتعلقة بتنمية مجتمعاتهم المحلية. وأرجعت الدراسة ذلك إلى ضعف فعالية دور الجمعيات الأهلية وقلة خبرة قياداتها الشعبية وعدم معرفة دورها الحقيقى فى الممارسة (14). ثانياً: الوعى السياسى والحكم الراشد يلعب الوعى السياسى دوراً أساسياً فى تحقيق الديمقراطية وتفعيل المشاركة والتنمية المحلية والوطنية كعامل من عوامل الحكم الراشد ونعرض لذلك من خلال:- 1 – الوعى السياسى أساس الديمقراطية يحظى الوعى السياسى بمعنى واضح وعميق. فمن الخطأ الاعتقاد أن كلمة " سياسات " politics يمكن استنباط معناها من حالة الخداع الذاتى والاعتقاد بأن أخطاء الفرد خافية عن الآخرين وليس ذلك فقط ، فمن الخطأ أيضا النظر للسياسات على أنها مجرد العقل الحاذق الذى يتمتع بالقدرة على حماية الاهتمامات الخاصة للفرد ورفض اهتمامات الآخرين (15). ويعد الوعى السياسى ناتج من نواتج تواجد الانسان داخل دولة: فليس خفيا أن الترابط بين الدولة والقانون يتأتى عنه ترابطا موازيا بين الوعى السياسى والوعى القانونى (16). ومادامت الطبقات والدولة مستمرة ، فالعلاقات السياسية قائمة ، وبالتالى فإن الوعى السياسى يبقى أكثر أنواع الوعى الاجتماعى أهمية _ وتتحدد الصفات النوعية لهذا النوع من الوعى ( تغيره وتطوره ودوره فى المجتمع ) من خلال العلاقات السياسية (17).  ويمكن تعريف الوعى السياسى على أنه أسلوب الرؤية والاهتمام والفعل فى العالم. وهو يسير وفق تعهد بحقوق الانسان والعدالة وتفهم القوى وعدم المساواة فى النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ووفقاً للعلاقات والقيم. فهو يتعلق برفض الظلم والأنظمة والبناءات التى تمارس هذا الظلم ، لكن ليس رفض الأفراد. فهو فن احترام الآخر والعمل معه والنظر للآخر على أنه انسان تميزه قوى اجتماعية ويرتبط فى صراع مستمر من أجل احراز مكانه محترمة (18).  ويعد الوعى السياسى بالنسبة لدعاة العدالة الاجتماعية والمجتمع المدنى وسيلة وهدفا فهو كوسيلة يثير التحليل الناقد لديناميكيات القوة على مستويات متعددة. وهو كهدف فالمنوط منه بتطوير الوعى السياسى أن يوفر أساساً لنوع من المشاركة المقبولة والمعلومة للمواطن والتى تلزم لوضع الاهتمامات الهامة فى الحسبان. وعندما يصبح الفرد واعيا سياسيا ، فإن ذلك يساعد على إخفاء الشكوك الذاتية التى تعززها التبعية والتمييز ، كما يمكن الفرد من ادراك قوته الفردية والترابط مع الآخرين حتى يتسنى له مواجهة المشكلات العامة ، وهو ما يطلق عليه " Paulo freire " الوعى الناقد Critical consciousness ويتشابه مع ما يسميه الآخرون الوعى الاجتماعى لكن بمزيد من التأكيد على فهم علاقات القوى (19).  وتعد الصفات النوعية المميزة للوعى السياسى فى أن الوعى يعكس الاقتصاد بصورة مباشرة ويعكس أيضا المصالح الرئيسية للطبقات. وتعبر الأفكار السياسية عن نفسها فى النظريات السياسية المختلفة ، وبرامج الأحزاب السياسية ، والبيانات ، وسواها من الوثائق ويلعب الوعى السياسى أكثر الأدوار نشاطات فى المجتمع ، لأنه يمثل حلقة الوصل بين الاقتصاد ومختلف أنواع الوعى الاجتماعى (20). ويمكن تفسير السلوكيات السياسية وخصوصا الانتخابية بشكل سليم من خلال الوعى الاجتماعى ، أما تحليل السـلوكيات بالاستناد إلى الطبقات الاقتـصادية فإنه لا يزيل كل الغمـوض الذى يحيط بتلك السلوكيات (21). 2 - دراسات حول الوعى السياسى والملاحظ أن الجيل الحالى يبدو أكثر عزوفا عن ممارسة العمل السياسى ، ويتجه المتميزون فيه إلى التركيز على جوانب المهارات الفنية والتقنية متجنباً الوقوع تحت سيطرة الأيديولوجيات ، فى حين تعانى الغالبية الساحقة منه من مشاكل التهميش السياسى والاقتصادى (22). من هنا يأتى دور المجتمع المدنى وقد أشارت " أمانى قنديل " إلى دور الصفوة المثقفة فى قيادة الحركة الثقافية والسياسية والاجتماعية فى العالم العربى ، بهدف النهوض بمجتمعاتها فى ظل دعم منظمات المجتمع المدنى.  يؤكد ذلك تقرير التنمية البشرية فقد عكست الأرقام والنسب تدنى المشاركة السياسية فى انتخابات مجلس الشعب 2000 حيث بلغت نسبة المرشحين نحو 0.016% من جملة الناخبين ، ومن هؤلاء المرشحين نحو 3.1% من الاناث وكانت ظاهرة العزوف عن المشاركة أكثر وضوحاً فى عملية التصويت حيث بلغت نسبة المشاركة نحو 24.1% على مستوى الجمهورية (23). وهذا اختلف تماما فى انتخابات 2005 بعد مشاركة المجتمع المدنى. كما تشير نتائج الدراسات إلى أن هناك رغبة لدى أفراد المجتمع فى المشاركة السياسية ، ولكن عدم الثقة يحول دون ذلك. فالمشكلة ليست فى نقص الوعى السياسى ، وإنما اللامبالاة وعدم الثقة وحالة الاغتراب السياسى ، والنظرة السوداء المتشائمة ، وافتقاد القدوة وعدم وجود منظمات وأحزاب حقيقية تنظم عملية المشاركة (24). مما أضر ليس فقط بالسياسة إنما أيضا بتفاعل الشباب معها وعجز مؤسسات المجتمع المدنى فى القيام بدورها.  وفى دراسة مسحية قام بها "Golovakha and panina" فى عام 1990 على عينة من 542 شخص تمثل مجتمع البالغين فى " كييف بأوكرانيا " حيث قام الباحث بوضع حكمه على مستوى الثقافة السياسية وذلك بتقييم مقدار المعرفة القانونية للفرد فوجد أن 17% فقط كانت لديهم معرفة كافيه فى هذا المجال ، وأن أقل من نصف سكان أوكرانيا يقرأو عن السياسة فى الجرائد ، 7% فقط لهم مشاركة نشطة فى الحياة السياسية من خلال الأحزاب ونسبة 5% تشارك فى الاجتماعات واللقاءات السياسية ، 4% يشاركون بشكل مباشر فى الحركات السياسية العامة. وتظهر هذه النسب المتدنية مدى غياب الوعى السياسى لدى الشعب الأوكرانى (25).  وفى دراسة أخرى عن الوعى السياسى فى " ماليزيا " يذهب" Imel " إلى أن الأسلوب الذى يختاره الأفراد فى التصويت يتأثر بمرجعياتهم أو بناءات المعنى لديهم. ويحدث التغير فى بنية المعنى ( الفهم ) meaning structure عندما يمارس الأفراد عملية تعلم تحويلى Transformative learning وهى العملية التى يختبر المتعلمون من خلالها – بشكل ناقد – معتقداتهم وفرضياتهم وقيمهم فى ضوء اكتساب معارف جديدة والبدء فى عملية التغيرات الاجتماعية والشخصية.  وقد تم استخدام تقنيه Snow balling فى اختيار العينات ويرى الباحث أن تلك التقنية هى الأنسب لأنه لايمكنه تحديد الأفراد الذين استشعروا ارتفاع الوعى السياسى لديهم مالم تتوفر لديه المعلومات اللازمة لذلك وأخذت العينة من المتعلمين التي تتراوح أعمارهم مابين 35 – 45 عام متزوجون ويعولون أربع أطفال فى المتوسط ويعيشون ويعملون في وادي كلانج Klang Valley حيث تقع العاصمة كوالالامبور ، وللحكم على حدوث تحول فى الوعي السياسي لابد أن يتمتع المبحوث بأحد المعايير التالية:  أ - أن يكون غير عضويته لحزب سياسي. ب - لم يغير عضويته للحزب السياسي المنضم إليه ، لكنه صوت للحزب الآخر. جـ - تقدم ليسجل اسمه في التصويت وهو الشئ الذي لم يحدث أبداً من قبل بالرغم من كونه مسموحا به. د - صار منخرطاً بنشاط في الحملات الانتخابية وهو الأمر الذي لم يحدث أبدأ من قبل.  وجاءت أهم النتائج في أن الحدث السياسي له القدرة على استنفار حدوث تحول في المنظور إن تم تلقيه على أنه عامل تهديد للهوية الثقافية الجماعية كما أن القيم الثقافية والمعتقدات الدينية للمشاركين قد تيسر من حدوث هذا التحول في الوعي (26).  والملاحظ كما تشير الدراسات أنه إذا نظرنا إلى المجتمعات التي تتمتع بالرفاهية والازدهار ( التنمية المستديمة ) فسوف نجد أنها تلك المجتمعات التي تُقتسم فيها القوي السياسية المختلفة القوه وحق الوصول للحكم ولا يقتصر الأمر على مجموعة معينة من النخبة. وهناك علاقة بين توزيع السلطة وتوزيع الدخل فالمجتمع الذي يحظى بمقدار كبير من المساواة فى مستويات الدخول ومستوى المعيشة سيميل بالتأكيد للمساواه في توزيع الحقوق السياسية والعكس صحيح وبالتالى سيعمل على إيجاد مؤسسات توفر فرص متكافئة لأكبر عدد من المواطنين بعكس المجتمعات التي يختل فيها ميزان الدخل وتتسع الفجوة بين مواطنيه, سنجد تركيز القوه والسلطة في أيدي قله تعمل علي خدمه مصالحها بطبيعة الحال وبالتالي سنجد مؤسسات تمثل مصالحه الخاصة (27). ثالثاً: نتائج الدراسة الميدانية بتحليل نتائج الدراسة الميدانية أمكن استخلاص الآتى: أ - رغم إنتماء عدد كبير من حالات الدراسة الميدانية إلى الحزب الحاكم إلا أن مشاركتهم فى الإنتخابات كانت لدعم المرشحين المستقلين معللين ذلك بأن الحكومة ونوابها لا يقدمون الخدمات الأساسية لمجتمعهم المحلى من وظائف أو مشروعات إنتاجية وخدمية. ب - أن الناس أصبحت تمل وجوه بعض مرشحى الحزب من طوله سنوات إستئثارهم بمقعد الدائرة دون الإهتمام بمشكلاتها ، ومع ذلك يصر الحزب فى كل دورة جديدة أن يجعلهم على قائمة مرشحيه. جـ - أنه رغم تقاعس البعض وعزوفهم عن المشاركة فى فترات سابقة إلا أنهم الآن أحرص على المشاركة بل ويشجعون غيرهم ، وتبريرهم لذلك بأن المرشح هو مرشحهم ( ليس مفروضا عليهم ) وابن بلدنا وتم اقناعه بأن يرشح نفسه من أجل خدمة المجتمع المحلى. د - بفضل المناخ السياسى الجيد وزيادة نسب التعليم وثورة الاتصالات أتيح للجميع الفرصة فى أن يرى أنماط سياسية ونظم ديمقراطية فى مجتمعات أخرى مما أثر إيجابا على توجهات الإصلاح وأن هذه الطرق هى السبيل للنهوض بالمجتمع من خلال الجمعيات الأهلية المنظمة سياسياً وديمقراطياً كى تقترب من مواقع اتخاذ القرار وصنعه وتصبح مشاركة فى التخطيط ومنفذه ومتابعة له, ويعد هذا من بين السبل لتحقيق الحكم الراشد. وتشير حالات الدراسة الميدانية إلى ذلك وهاهى حالة منهم تقول: بعد أن أخفق الحزب الحاكم فى مصر فى تنمية الوعى السياسى لدى أفراد المجتمع وتلبية حاجات الجماهير الملحة لتحقيق مشاركتهم كان العزوف عن المشاركة هو السبيل فى السنوات السابقة أما الآن وخلال العقد الأخير ومع زيادة مساحة الديمقراطية كان لمنظمات المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية دور كبير فى زيادة وعى أفراد المجتمع بأهميتة المشاركة ، كما تبذل هذه الجمعيات والقائمين عليها كل الجهد مع أفراد المجتمع المحلى لمحاولة التخفيف من حده المشكلات الإجتماعية والصحية والمعيشية التى تواجههم وبالتالي اصبح لدى أفراد المجتمع المحلى اقتناع بأهمية التغيير وبدأت المقارنات بين نائب الدائرة من الحزب الوطنى الذى لم يراه الناس منذ فوزه بالمقعد وبين من يقدمون الخدمات ولا ينتظرون مقابل إلا من " الله عز وجل " من هنا كان تعاطف الناس على اختيار ابن بلدهم ( المرشح المستقل ) والذي يدعم الجمعيات الأهلية والخيرية وليس مرشح الحكومة وهذا ما لمسه الجميع بقوة فى نجاح عدد كبير من المستقلين وفى نسب الإقبال على التصويت العالية من الشيوخ والنساء والشباب لدرجة أننى رأيت زملاء لنا لم نراهم مـنذ سنوات طويلـة ( لأنهم يعملون ومستقرون فى القاهرة أو الاسكندرية ) أتو خصيصاً للإدلاء بأصواتهم.  وتذهب حالة أخرى إلى القول: علشان نغير لازم نعتمد على أنفسنا وعلى القاعدة العريضة من المجتمع المحلى والناس في كل بلد بفضل زيادة الوعى والمبادرات من الجمعيات الخيرية والأهلية الموجودة فى البلد خلت فيه وعى باهمية المشاركة لأن الحكومة بتطلع قراراتها في واد والناس فى واد آخر والخطاب السياسى فى كل مناسبة يركز على المشاركة والديمقراطية والحرية ويدلل على ذلك ويفتخر بتعدد حزبى بس دى زى قلتها وفيه فرق بين التعدد الحزبى وبين الديمقراطية كقيمة إنسانية وكمنهاج عمل سياسى وإجتماعى محدد الأهداف والدليل هو أن النظام السياسى لا يفى بالاحتياجات الملحة لجماهيرية فى المشاركة السياسية وصنع القرار وهناك كثير من الخطوط الحمراء علشان كده لازم نغير ولكن بطريقة منظمة وآليات محدده على مستوى التجمعات فى القرى والمدن الصغيرة وده أعتقد الناس والحكومة لمسته فى زيادة عدد المرشحين من المستقلين ونجاحهم وإحراجهم للحزب الوطنى ( الحزب الحاكم ).  وتشير حالة أخرى إلى أن نجاح الإخوان المسلمين فى مصر وحركة حماس فى فلسطين مرتبط بعملهم داخل مجتمعاتهم المحلية البسيطة وأنهم قريبين من الانسان البسيط ومشكلاته ويعيشون أفراحه وأحزانه وحاسين بما يعانيه الناس البسطاء لهذا السبب نجحوا وبصراحة نشطوا المجتمع وحركوا المياه الراكدة فى الأحزاب الكبرى وهذا المناخ لو استمر سوف يفرز بإستمرار عناصر وكوادر لديها فكر وقدرات تساهم فى الرقى بأمتنا العربية. التوصيات:- العمل على زيادة وعى المجتمع المصرى ( سلطه – مؤسسات – أفراد ) بأهمية ودور ومشاركة المجتمع المدنى فى تحقيق التنمية. التأكيد على أن دور المجتمع المدنى هو التعاون وليس التناحر مع الحكومة لتحقيق توجهات الإصلاح بهدف ترقية الديمقراطية. حث الدولة على توفير كافة الوسائل والآليات اللازمة لنجاح دور المجتمع المدنى (الجمعيات الأهلية) ، يزيل الهواجس ويحث المواطنين على التطوع والمشاركة لتحقيق التنمية الإجتماعية والسياسية والاقتصادية. المراجع 1 - Emergin Civil Sociely, 5, Feb, 2005, www.muse-jhu.edu / Journals / sais – review. 2 – mohammad khatemi, Islamic civil society, 3, Feb, 2005, www.nawaat.org / portail / sommaire. 3 – civil society, 4, may, 2006, www/ en. Wikipedia. Org / wiki / civil-society. Html. 4 – Civil society and Democracy in latin America, some comparative observations, 2002, www.Tau.ac. Illeiall IV-2 / index – html. 5 - Lia Tsaliki, The Global civil society: some theoretical considerations, Media and demoeracy Abstracts 2005. 6 - William scheuerman, Stanford Encyclopedia of philosophy, Indiana university, Bloomington, June, 21, 2002, plato. Stanford – edu/ 7 – omar G. Encarnacion, The Rise and falloff eivil sociely, Books orbis Bulletins published Article transcripts orbis, spring, 2003. 8 - البنك الدولي, التقرير السنوي, المجلد الاول، 2003, ص 18. 9 - international cenfer for not for profit law, September, 1998, E-mail – infoicnl @ icnl – org. 10 - Lynne Rienner, civil society and development and dilemmas and challenges, 8 may, 2002. 11 - عبد الباسط عبد المعطي, المجتمع المدني وأهداف التنمية البشرية فى المجتمع العربي, المؤتمر العلمي الأول حول الجمعيات الأهلية وتنمية المجتمعات المحلية في الوطن العربي, الأسكندرية, 1996, ص 34. 12 - محمود عودة وآخرون, واقع ومستقبل المنظمات الأهلية, الشبكة العربية للمنظمات الأهلية, ط1 ، دار المستقبل العربي, القاهرة, 2000. راجع أيضا: عبد الناصر جابي, الحركات الاجتماعية في الجزائر: بين أزمة الدولة الوطنية وشروخ المجتمع, في الحركات الاجتماعيه في العالم العربي, مركز البحوث العربية والأفريقية, مكتبة مدبولي, القاهرة, ط ا 2006, ص ص 293 – 320. 13 - شهيدة الباز, المنظمات الأهلية العربية علي مشارف القرن الحادي والعشرين, محددات الواقع وآفاق المستقبل, دار الكتب القومية, القاهرة, 1997 14 - غريب سيد أحمد, دور الجمعيات الأهلية في تنمية المجتمع المحلي بمحافظة البحيرة, في المؤتمر العلمي الاول حول الجمعيات الاهلية وتنمية المجتمعات المحلية في الوطن العربي, الاسكندرية 1996. 15 - Chogyam Trungpa, Political Consciousnss, October, 2004, Available at http://www. Makepovertyhistory. Org / 16 - Sergiy shevsov, Politicl and Law Consciousness and The conemporary state, 2005, Available at, http://www. Sapienti. Kiev.ua / newvision / sergiy – shevtsov. htm. 17 - أ. ك أوليدوف, الوعي الاجتماعي, ترجمة ميشيل كيلو, دار ابن خلدون, ط2,1982, ص79. 18 - Valerie Miller, political Consciousness: Aperpetual quest, May, 2002, Available at, www. Ngorc. Org. pk/ journal jun 2002 / vm.htm 19 - Valerie Miller, op. cit. 20 - أ. ك. أوليدوف, مرجع سابق, ص 74. 21 - شوميلبيه – جاندرو وكورفوازييه, مدخل إلي علم الاجتماع السياسي, ترجمة: إسماعيل الغزال, المؤسسه الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, ط1, بيروت, 1988, ص 50. 22 - أحمد تهامي عبد الحي, التوجهات السياسية للأجيال الجديدة, مجلة الديمقراطية, مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام, العدد 6, إبريل, 2002, ص 115. 23 - مصر: تقرير التنمية البشرية, التنمية المحلية بالمشاركة, معهد التخطيط القومي, 2003, ص9. 24 - أحمد تهامي عبد الحي, مرجع سابق, ص 117. 25 - Evgeniy Golovaha and Nataliya paning, Political Consciousness, Legitimacy, and personality, 2003, Availabeat, http://politicon.iatp.org. ua/eng/ go/ politcons. htm 26 - Mazalan Kamis and Mazanah Muhamed, Rising Political Consciousness: Transformationl Learning, Malaysia, May, 2002,Available at:ww:http:// ericfacility. org.  27 - The world Bank, Equity and Development, world development report, 2006, pp.107- 113.  (* ) وصل عدد جمعيات الرعاية التى تعمل فى ميدان واحد حسب ميادين النشاط وجمعيات التنمية فى مصر 10778 عام 2002/2003 المصدر ، الجهاز المركزى للتعبيئة العامة والإحصاء ، الكتاب الإحصائي السنوى ، يونيو ، 2005 ، ص 227.  الدكتور / مهدي محمد القصاص مدرس علم الاجتماع  كلية الآداب   جامعة المنصورة    1- فكرة البحث تؤكد ثورات العولمة ونتائجها أهمية التنوع الثقافي في الإبداع والتنافسية على الصعيد الكوكبي, وأن أي ثقافة تحمل في مضامينها توجهات للسلوك, يبرز بعضها ويجدد ويهمش بعضها الآخر حسب لحظات التطور التاريخي وبناء عليه نجد أن لكل إنسان رؤيته الثقافية التي تتجسد في تصوراته وفي سلوكه العملي وهذه الرؤية رغم طابعها الشخصي الذاتي إلا أنه اكتسبها من مجتمعه الذي يعيش فيه ولهذا ففهم ثقافة أي مجتمع- وما يعنينا هنا هو ثقافة القرويين- يعد أحد أهم المقاربات التي تساعد في فهم التباين لصور تعبير الناس عن فهمهم للقانون وطرائق تفكيرهم.  وفي هذا السياق تأتي الدراسة الراهنة التي تحاول أن تقرأ بعض مضامين عناصر الثقافة الشعبية المصرية وانعكاساتها على الوعي لدى القرويين مما يجعلهم يقبلون الثقافة الشعبية والعرف السائد في فترات تاريخية وما قاوموه أو أعادوا إنتاجه ليكون أكثر قدرة على تيسير تفاعلهم مع القانون. وهناك العديد من البحوث في الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع الثقافي ودراسات التراث الشعبي تناولت خصائص الثقافة الشعبية. إلا أن التأكيد على جذورها وما يطرأ عليها من تبديل فهي قليلة وإن اعتمدت على عملية وصف للثقافة ليس إلا.  الثقافة الشعبية دورية محكمة يصدرها المركز الحضاري لعلوم الإنسان والتراث الشعبي بالتعاون مع كلية الآداب - جامعة المنصورة إبريل 2002. أما كلمة شعبي (بمعنى) الدولة أو الأمة بالمعنى السياسي, الشعب بمعنى المحكوم خلافاً للحاكم والشعب بمعنى المضطهد أو المحروم أو مسميات أخرى كالعامة – العوام والدهماء وغيرها([1]).  إلا أننا نرى أن الثقافة الشعبية هي أسلوب أو طريقة إبداع محلي وإنتاج يجسد الواقع الاجتماعي الاقتصادي بكل ما فيه عبر تاريخه الطويل لهذا المجتمع أو ذاك ويحدد طريقته في التعامل وفق المعطيات القائمة والمتاحة وارتبطت تكنولوجيا بالمجتمعات البسيطة وتخلص إلى أن الثقافة الشعبية هي فن الحياة اليومي.  ومن الواضح أنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه فراغاً ثقافياً لدى أي إنسان أو في أي مجتمع فهناك ملاء ثقافي دائماً أياً كانت قيمة هذا الملاء الثقافي أو مستواه أو دلالته الاجتماعية. فالناس جميعا وبغير استثناء مثقفون وإن لم يمارسوا وظيفة المثقف في المجتمع. معنى ذلك أن لكل إنسان ثقافته التي تتمثل في رؤيته الفكرية للعالم وسلوكه العملي والاجتماعي والوجداني سواء كان واعياً بهذا أو غير واعي أو ما يسمونه خبره الحياة, لذلك فالناس في القرية حينما يتحدثون بعقلانية شديدة وتفنيد للأمور في حل مشكلة ما يظهراً كأبرع محلل مما يدفع من يسمعه نظراُ لفصاحته بسؤاله " إنته خريج إيه" يقول خريج كلية الحياة يؤكد ذلك المثال الذي ساقه الأستاذ "محمود أمين العالم " يصف فلاح بأنه فصيح وطيب حينما سأله يا سي الأفندي إيه معنى كلمة سلامات ؟ قلت له يا عم جمعه "التحية والأمان" فضحك عمى جمعه وقال ياسي محمود (سلا) ده كان أصله ملك ظالم قوي قوي فالما مات الناس فرحت وقالت لبعضها سلا مات سلا مات.  يقول أ / محمود وهنا وجدت فرصة للحديث وقلت (وهوّه الملك الظالم مات خلاص يا عم جمعه يعني الظلم مات خلاص يا عم جمعه) فرد عم جمعه وقال الظلم مالي البلد. فقلت له يعني سلا لسه ما متش؟ فلو كان سلا اسم ملك ظالم صحيح كان لازم الناس لما تتقابل مع بعضها تقول سلا لسه ما متش، سلا لازم يموت([2]).  ومن هنا فإن هؤلاء البسطاء يتبعون إجراءات قانونية أخرى اكتسبوها من خبرات حياتهم الطويلة دون دراسة لها وهذا الفهم هو الذي يتيح لهم الفرصة في الوصول إلى كبير العائلة لأنهم يشعرون أن كبير العائلة مسئول عنهم. فهذا جزء من بنيته الثقافة بصوره عامة كما هي في الواقع الحياتي المعاش وكما يراها الناس في القرية، يعني هذا أن الوعي متضمن في التطبيق الفعلي للدستور والقانون في الحياة اليومية كجزء أصيل من فعل أي حدث تحكمه الثقافة الاجتماعية بكافة صورها.  ولأن مصر شأنها شأن كثير من أرجاء الوطن العربي, قد رزحت تحت وطأه حكام غزاه أجانب أتوا بجيوشهم يمتصون ثرواتها ويقهرون أبناءها منذ أن حطت جيوش (قمبيز) أرضها حتى جلاء الإنجليز فقد ترسخ في وعي الحكام والمحكومين معا مشروعية غيبة قيمتي "العدل والحرية والمصلحة المجتمعية في تشريعات الحكام" وارتبطت نصوص القانون في مجموعها إلى الحفاظ على أمن الحاكم وهيبته وتأمين وانسياب ثروة البلاد إلى خزائنه([3]).  لذا فإن العادة التاريخية للمصريين في مواجهة القانون الرسمي الظالم أن يصطنعوا لهم قانوناً فعلياً De- facto آخر يطبقونه من وراء ظهور الحكام بمعنى فهم خاص للقانون وهذا هو المخرج الوحيد من وجهة نظرهم.  ولأن القانون هو قانون السلطة الحاكمة الذي يتباين إلى حد كبير مع تصور العرف التقليدي للحقوق والواجبات وما يرتبط بها من قيم ومثل ولعل خير مثال على ذلك الموال القصصي "أدهم الشرقاوى".  موال الأدهم(*) الذي لاقى شيوعا حتى نهاية الخمسينيات وخاصة في منطقتنا "كوم حمادة وإيتاى البارود" والقصة مبنيه على واقعة حقيقة حدثت عام 1921. غير أن التنويعات المعروفة لرواية الموال الشعبي تجمع على تجاوز للواقعة التاريخية الفعلية لتعيد صياغتها صياغة تجلى فيها رؤية التصور الشعبي للعلاقات الاجتماعية السائدة وخاصة علاقة الجماعة الشعبية بالسلطة الحاكمة وأدواتها التنفيذية.  ويتناول الموال حادثة خروج أدهم الشرقاوي على القانون، نتيجة استشعاره عدم كفاية حكم المؤسسة القانونية الرسمية ولا الجزاء الذي وقعته على قاتل عمه ومن ثم يأخذ هو على عاتقه تنفيذ الحكم الذي تفرضه معايير القيم التقليدية. ثم يتصاعد تمرده ومواجهاته مع السلطة وأدواتها وإظهار عجزها عن أن تطوله إلى أن تجد أن الخيانة هي سبيل الوصول الوحيد إليه. وهذا ليس ثأراً كما يفهمه البعض بدليل أنه وهوه يخُرج أنفاسه الأخيرة قال. منين أجيب ناس لمعناه الكلام يتلوه...؟! أمانة يا عيلة الشرقاوى محدّ بعدّيه لا أخ لي ولا عم, يأخذ التار بعدية أمانة يا من عشت بعدي ما تأمنشن لصاحب..دنيا غروره وهكذا ([4]).  2- الإجراءات المنهجية هذه الدراسة استطلاعية تهدف إلى معرفة دور بعض عناصر الثقافة الشعبية في تشكيل الرؤى الخاصة للإنسان القروي نحو طريقة حل قضاياه الحياتية المختلفة وتفرض عليه أشكال متعددة لطريقة فهمه للقانون وعلى هذا تتركز الدارسة في محاولة للإجابة على سؤال أساسي وهو هل تسهم الثقافة الشعبية بدورها في فرض رؤى أو فهم خاص للقانون "إدراكاً وتفسيراً وممارسة" لدى الإنسان في الريف ؟ وما هي مؤشرات ذلك ؟ وهذا يتطلب معرفة إلى أي مدى تتباين رؤى القرويين في فهم القانون وهل تتباين الرؤى بتباين الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للسكان.  ونعرض لذلك ميدانيا من خلال تحليل المضمون لعدد من دراسات الحالة بلغت عشر حالات ممثله لطبقات المجتمع اختيرت بطريقة عمدية تمت دراستهم دراسة متعمقة للتعرف على الأحداث والخبرات التي تشكل نوع من التباين في فهم القانون في قرية مصرية تقع في شمال غرب الدلتا (قرية بيبان – مركز كوم حمادة – محافظة البحيرة) وفكرة الدراسة تأتي من خلال المشاهدات الواقعية لصور تعبير الناس في القرية عن فهمهم للقانون ومعناه من خلال قناعات خاصة وإدراكهم وطريقة ممارستهم له في المواقف المختلفة.  وإذا كان هدف الدراسة استطلاعي فالسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا افترض الباحث أن الرؤى متباينة نجد أن موضوع البحث لا يأتي من فراغ وإنما وفق مؤشرات ورؤى وملاحظات وحالة المجتمع وحضوري لبعض المجالس العرفية. تؤثر بالطبع على اختيار الباحث لهذا الموضوع أو ذاك كما أن الباحث مولداً ونشأه يعيش في هذا المجتمع. ولكن السؤال كيف توظف الثقافة الشعبية لتحقيق فهم حقيقي للقانون وطريقة تطبيقه خاصة وأن الدولة بمؤسساتها الرسمية تقر المجالس العرفية ولجان حل المنازعات.  3- الإطار النظري هناك تأكيد واتجاه متزايد في الولايات المتحدة يهدف إلى إعادة صياغة إطار مفاهيمي جديد يمكن أن يحمل إجابات محتملة عن الشكوك الكثيرة التي أثيرت حول قيمة النظرية القانونية المؤسسة على ما يعرف بالواقعية القانونية Legal Realism وعليه ظهرت العديد من الدراسات الواقعية التي تدور حول ما يعرف بالقانون في سياق التأثير والفعل الثقافي والاجتماعي والتي اهتمت بشكل خاص بنظم وتوضيح خطوط الالتقاء والاتصال بين القانون والثقافة الشعبية Law and popular culture كما ركزت بعض الدراسات الثقافية والسوسيولوجية بشكل خاص على ما يعرف بأسباب وسوابق السلوك الانحرافي أو الجنوح Deviance antecedents وفيه ركز على بعض المؤشرات الأولية للعلاقة بين القانون والثقافة الشعبية والتي يمكن من خلالها تتبع مسارات التشريع لسوسيولوجيا القانون, وعلى الرغم من الندرة في الكتابات في مجال القانون والثقافة الشعبية يمكن أن نشير بشكل خاص إلى "Allan Hunt " الذي يعد أحد الرواد الأول للتنظير في مجال القانون والمجتمع أما كتابة سوسيولوجيا القانون والذي صدر عام 1994 والذي إهتم فيه بشكل خاص بالأسس القانونية والتاريخية للحداثة والثقافة الشعبية مؤكدا على تأثير جماعات المصلحة وما تستند إليه من ثقافة نوعية تنتظم في مجموعة من الأعراف والتقاليد الشعبية التي تؤثر على عملية التشريع القانوني مما أدى إلى ظهور حقل معرفي جديد في علم الاجتماع له رؤاه النظرية وأدواته التحليلية أطُلق عليه "القانون والثقافة الشعبية " ونجد أن كمون القانون في الثقافة الشعبية هو الذي دفع "David Lange " أستاذ القانون بجامعة ديوك Duke university إلى الاعتقاد بأن الألفية الجديدة ستزيح كل أشكال ضوابط السلوك وصياغة المعنى من مكان الصدارة لتجعلها وراء الفرد ([5])  وإذا كان القانون يتألف من حصيلة ضخمة من البنود يفهمها الناس حسب خبراتهم ودرايتهم الشخصية بالقانون – أي أن هناك اختلاف في فهم الناس للقانون – فمثلاً- رجل القانون ودافع الضرائب والغني واللص والمالك لأي عقار يفهم القانون بشكل مختلف عن غيره. ويقصد بالوعي القانوني Legal consciousness كيفية فهم هؤلاء الناس للقانون وطرق تطبيقية. حيث تشير كلمة "الوعي" إلى الشكل الطبيعي والمعتاد الذي يتناول من خلاله الناس القانون متمثلا في سلوكهم وأحاديثهم وإدراكهم للعالم من حولهم. وبناء على ذلك لا تعنى كلمة الوعي هنا مجرد الأفعال المتعمدة والمقصود ولكن العادات والتقاليد السائدة أيضا, ويعرفJean comaroff الوعي بأنه إدراك متضمن في التطبيق الفعلي للدستور والقانون في الحياة اليومية, كجزء أصيل من فعل أي حدث تحكمه الثقافة الاجتماعية بكافة صورها([6]).  وعلى ذلك فالوعي له تعريفات متعددة بتعدد الطرق التي يتحدث بها الناس في تفاعلهم اليومي ويتصرفون من خلالها وفى مضمون كلامهم أو أفعالهم ذاتها. فكما يعرفه Bourdiew (الوعي متضمن في المعرفة التطبيقية والفعلية التي يتصرف من خلالها الناس) فالوعي القانوني يتم بدءاً من الذهاب للمحكمة وإلى الحديث عن كافة صور وأشكال الحقوق والواجبات. ويتنامى الوعي من خلال الخبرات الفردية, التي يكتسبها الفرد في ممارساته اليومية المعتادة. وعلى ذلك فالوعي يطرأ عليه تعديل من تراكم الخبرات المتقابلة فأي شخص يتجه للمحكمة من أجل قضية ما قد يغير رأيه إذا رأى أن ما يحدث أو ما سيحدث ليس هو المقصود من وراء الذهاب للمحكمة وحينئذ يتغير معنى الوعي لديه. فالناس يتسمون بالقدرة على التغير والتشكل وهذا ينتج عنه تعديل وتغيير لوعيهم وإدراكهم لما يكتسبونه من خبرات. فالوعي القانوني ذاته تواجهه متناقضات كثيرة. فمبدأ أن الكل سواسية أمام القضاء, لا يتم مراعاته عند النظر للمشكلات والقضايا.  وقد تم إجراء العديد من الأبحاث المتعلقة بفهم القانون واتجاهات الناس ومواقفهم منه وذلك من خلال مسح شامل أجراه (sarat) وتلك الأبحاث تعطي صورة عن مدى بساطة فهم الناس لطبيعة القانون. حيث تفترض أن لكل فرد تصور شخصي لحقائق وبنود القانون.  فالوعي القانوني – كجزء من النسيج الثقافي للمجتمع – هو إجماع بين خصوصية موقف ما وعمومية الفهم لهذا الموقف. وعلى ذلك ففهم القانون ليس ثابتاً بل متغيراً باكتساب الخبرات, وتوضح نتائج الأبحاث أن موقف أي إنسان من القانون يحدد من خلال معرفته وخبراته وتصرفاته, حيث تزداد من خلال الاستفسار وليس من خلال افتراضات وهمية حول حدث ما للسيطرة الثقافية والقانون([7]) فالغرض من القانون ليس فرض قواعد وضوابط وعقاب بل يتعدى ذلك لوضع إطار وشكل قانوني ينظم العلاقات والتفاعلات داخل المجتمع. حيث يمدنا بتصنيف وتحديد لكل ما يدور داخل المجتمع. فالتعبيرات القانونية هي محددات ثقافية للإنسان العادي نفسه وللعاملين بالقانون أيضاً حيث يتمكن الجميع من القيام بعمله بشكل منظم ومن هذا المنظور فقد يوصف القانون بأنه "لغة التخاطب" أي أنه وسيلة للتعبير عن الأقوال والأفعال والعلاقات ويستخدم تعبير التخاطب كما سبق واستخدمه (Foucault) وعلى ذلك فالقانون يرسخ مفاهيم. ويفتت أخرى وليس الحديث عنه سهلاً أو متواتراً. بل إنه معقد حيث يتضمن عقوبات, تسلسل تاريخي, تصنيفات للسلوك, ممارسات, دوافع الفرد والجماعة, مسئولية نظام حكومي....وهكذا وهذا الغموض والتعقيد وتلك التناقضات هي السبب في تضارب التفاسير للقانون فيما بعد عند تطبيقه وتناوله([8]).  ففي المجتمعات الصغيرة المتجانسةhomogeneous نجد أن تناغم السلوك تدعمه حقيقة أن خبره التنشئة الاجتماعية تكون واحدة بالنسبة لكل أفراد المجتمع. فالمعايير الاجتماعية تميل لأن تكون متناغمة بالنسبة لكل فرد من الأفراد وتدعمها بقوة التقاليد. والضبط الاجتماعي في مثل هذا المجتمع يعتمد بصوره أساسية على العقاب الذاتي. حتى بالنسبة للحالات عندما تكون هناك حاجة لجزاءات خارجية فإنها نادراً ما تشتمل على عقاب رسمي. فالمنحرفين يكونون موضع لميكانزمات الضبط الاجتماعي الغير رسمية مثل القيل والقال والسخرية. أما بالنسبة للمجتمعات المعقدة الغير متجانسة heterogeneous مثل الولايات المتحدة نجد أن الضبط الاجتماعي يعتمد بصورة كبيرة على المعايير المشتركة فمعظم الأفراد يتصرفون بطرق مقبولة اجتماعياً وكما هو الحال في المجتمعات البسيطة نجد أن الخوف من الطرد من العائلة واستهجان الأصدقاء والجيران عادة ما يكون ملائماً لكي يجعل المنحرف يراجع نفسه. إلا أن التنوع الكبير في السكان, ونقص الاتصال المباشر بين القطاعات المختلفة في المجتمع وغياب القيم المتشابهة والاتجاهات ومستويات السلوك والصراعات التنافسية بين الجماعات ذات المصالح المختلفة فكل ذلك قد أدى إلى حاجة متزايدة للميكانزمات الرسمية للضبط الاجتماعي ويتسم الضبط الاجتماعي بالخصائص الآتية.  القواعد الظاهرة للسلوك الاستخدام المخطط للجزاءات لكي تدعم القواعد. جهات رسمية محدده لتفسير وتطبيق القواعد وغالباً ما تضع هذه القواعد وفى المجتمعات الحديثة هناك العديد من المناهج للضبط الاجتماعي وهما الجانب الرسمي والغير رسمي ويعتبر القانون أحد أشكال الضبط. ويذهب" رسكوباند Roscoe pound " إلى أن القانون في أحد معانيه هو شكل معين (خاص) للضبط الاجتماعي في المجتمع المنظم سياسياً وأنه تطبيق للضبط الاجتماعي من خلال التطبيق المنظم للقوة في هذا المجتمع([9]). يشير الضبط الاجتماعيsocial control إلى الطريقة التي من خلالها يبقي أعضاء المجتمع على النظامorder في المجتمع ومن خلالها يمكن التنبؤ بسلوك الأفراد. وهناك أشكال عديدة للضبط الاجتماعي ويعد القانون أحد هذه الأشكال. كما تتمثل وسائل الضبط الاجتماعي اللارسمي في وظائف الطرائق الشعبيةFolkways (المعايير الراسخة للممارسات العامة مثل تلك التي تتمثل في أنماط خاصة للزي والاتيكيت Etiquette, والأنماط الخاصة لاستخدام اللغة كما أنها تتمثل في الأعراف mores (المعايير المجتمعية المرتبطة بالشعور العميق بالثواب أو الخطأ والقواعد المحددة للسلوك والتي لا يمكن انتهاكها بسهولة). وتتكون هذه الوسائل الغير رسمية للضبط من تكنيكات Techniques والتي بواسطتها يتمكن الأفراد الذين يعرف كل منهم الآخر على أساس شخصي أن يثنوا على أولئك الذين يزعنون (يستجيبون) لتوقعاتهم كما أنهم يظهرون عدم الرضا بالنسبة لؤلئك الذين لا يستجيبون لتوقعاتهم. ويمكن ملاحظة هذه التكنيكات في سلوكيات معينه مثل السخرية Ridicule , والقيل والقال gonip , والانتقادات criticisms أو التعبير بالرأي.  إن القيل والقال أو الخوف من القيل والقال يعد أحد الوسائل الفعالة التي يستخدمها أعضاء المجتمع لإجبار الأفراد على التوافق مع المعايير. وعلى العكس من وسائل الضبط الاجتماعي الرسمية نجد أن وسائل الضبط الغير رسمية لا تمارس من خلال الميكانزمات الرسمية للجماعة. وأنه لا يوجد هناك أشخاص معينون يجبرون الأفراد على تنفيذ هذه الميكانزمات.  وتميل الميكانزماتMechanism الغير رسمية للضبط الاجتماعي لكي تكون أكثر فاعلية في الجماعات والمجتمعات التي تكون فيها العلاقات هي علاقات الوجه للوجه وتكون العلاقات قوية, وحيث يكون تقسيم العمل بسيط نسبياً فعلى سبيل المثال نجد أن "إميل دوركايم" يرى أنه في المجتمعات البسيطة مثل المجتمعات القروية القبليةThihal –villager أو المدن الصغير نجد أن المعايير الشرعية تكون متوافقة بصورة كبيرة مع المعايير الاجتماعية وذلك بالمقارنة بالمجتمعات الكبيرة والمعقدة. وهناك أدله في التراث السوسيولوجي تؤيد فكرة أن الضبط الاجتماعي غير رسمي يكون أقوى في المجتمعات الأصغر والتي تكون مجتمعات متناغمة Homogeneous وذلك بالمقارنة بالمجتمعات الأكبر التي تكون مجتمعات غير متناغمة Heterogeneous ([10]).  ويعتبر بعض علماء الاجتماع أن دورهم الأساسي يتمثل في وصف وتفسير الظواهر الاجتماعية بصورة موضوعيه. وأنهم يهتمون بفهم الحياة الاجتماعية والعمليات الاجتماعية وأنهم يقومون بأبحاثهم ذات الطبيعة الامبيريقيه. وإنهم يقبلون من الناحية العلمية فقط هذه الأفكار النظرية التي يمكن إثبات حقيقتها عن طريق التجريب ويوجههم في ذلك فكرة "ماكس فيبر”عن علم الاجتماع بأنه العلم الذي يسعى لفهم الفعل الاجتماعي بصورة تأويليه وذلك بهدف شرح أو تفسير السبب في ضوء النتيجة. وأنهم يعتقدون أن اكتشاف القوانين السببية هو الهدف النهائي لعلم الاجتماع ولكن فهم أهداف الناس يعد محورياً. هذا ويعد مفهوم “الرمزيةSymbolism في نظر عدد كبير من المفكرين مهماً للاستعانة به في تحليل السلوك والعلاقات الاجتماعية بحيث كاد المفهوم يرادف مفهوم الثقافةCulture وهناك أيضاً نوع من التطابق بين مفهوم أنساق الرموز systems of symbols وأنساق الثقافة في بعض الكتابات على الأقل فالرموز هي التي تعين طبيعة المجال ومداه ووحداته الأساسية كما ترسم حدود التمايز والتفاوت بين هذه الوحدات المختلفة ثم تربط بين وحدات المجال الواحد بحيث تؤلف كلاً whole متسقاً ومتسانداً, بينما تؤلف الأنساق المختلفة بعد ذلك الثقافة كلها. فالثقافة في نظره أداة فكرية وتصورية لتصنيف مختلف المجالات والميادين القائمة في هذا العالم وتبين الطريقة التي ترتبط بها هذه الميادين بعضها ببعض. وهذا معناه في أخر الأمر أن نسق الثقافة الكلي السائدة في أن مجتمع من المجتمعات يؤلف العالم كما يراه أعضاء ذلك المجتمع, وأنه -أي النسق الثقافي– يتميز بذلك عن مستوى الفعل action ([11])  وإذا كانت الثقافة مجموعة من الرموز والصور الرمزية فإنه يتعين على الباحث الأنثروبولوجي أن يحدد ويعين أنساقها الرمزية, وهذا يقتضي محاولة فهم وجهة نظر الأهالي أنفسهم لتعرف ما يقصدونه أو ما يرمون إليه من أفعالهم وتصرفاتهم ولن يتيسر ذلك بإتباع المناهج وأساليب وطرائق البحث المستخدمة في العلوم الطبيعية والتي تبحث عن القوانين وعن الأمثلة والحالات التي توصل إلى تلك القوانين ومن هنا كان "جيرتز" يرى أن ما يجب أن يهدف إليه الباحث الأنثروبولوجي هو الوصول إلى تفسير تأويلي Interpretive explanation وهو تفسير يتطلب التركيز على معنى العادات والنظم والأفعال والتقاليد بالنسبة للأهالي الذين يمارسون تلك العادات والتقاليد وتصدر عنهم تلك الأفعال ويخضعون لتلك النظم. وليس من شأن التفسير التأويلي أن يبحث عن القوانين وإنما هو يهدف إلى " فك unpacking " العالم الذهني المتصور الذي يعيش فيه الناس. ومن هنا كان يتعين على علماء الأنثروبولوجيا أن يبحثوا عن تفسيرات للثقافة ترد الأفعال إلى معانيها أو تربط الأفعال بتلك المعاني بدلا من محاولة رد السلوك إلى محددات تطورية أو انتشارية أو سوسيوبيولوجية كثيراً ما تنتهي إلى إصدار أحكام مبهمة وغامضة, أو غير واضحة على أقل تقدير([12]).  مما سبق يؤكد أهمية الوعي القانوني مما يتطلب توضيح لهذا المفهوم. 4- الوعي القانوني يمثل الوعي القانوني دوراً مهماً في حياة البشر والمجتمع. فالبشر يتمسكون في حياتهم الاجتماعية بأصول وقواعد سلوك معينة, تظهر تاريخياً وتتغير مع تطور المجتمع. فالوعي القانوني. هو مجموع الآراء والأفكار القانونية السائدة في المجتمع. التي تفصح عن علاقة أعضاء الجماعة بالنظام القانوني النافذ, وعن فهمهم لما يعد مطابقا للقانون أو مخالفاً له. فالوعي القانوني بهذا المعنى هو الجانب الذاتي الموضوعي الذي يعي القانون كما هو موجود في الواقع. والوعي القانوني باعتباره جزءاً من الوعي الاجتماعي العام يصاغ ويتشكل بالتبعية للواقع المادي الاقتصادي للمجتمع, وبقدر ما يكون النظام القانوني معارضاً لمصالح الجماهير العاملة بقدر ما تكون الفجوة بين الوعي القانوني والنظام القانوني والعكس صحيح([13]).  فالقانون كالسياسية نتاج للتقسيم الطبقي للمجتمع وهو أكثر عناصر البنية الفوقية أهمية، ويتصل اتصالاً مباشراً بالوعي السياسي ولكنه يتميز عنه. فالوعي القانوني هو جملة الآراء التي تعكس علاقة البشر بالحق القائم والتصورات التي يملكها البشر حول حقوقهم وواجباتهم، وحول شرعية أو عدم شرعية هذا السلوك أو ذاك، والحق هو إرادة الطبقة المسيطرة المرفوعة إلى قانون، والقوانين تصدرها الدولة، لذا فإن القانون يعتبر إجراء سياسيا([14]). لذا تتطلب الاستفادة من الحماية التي يوفرها القانون للأشخاص وعياً قانونياً من جانب هؤلاء الأفراد، ويتضمن هذا الوعي القانوني إحساس الشخص بأن له حقوقا، وأنه يستطيع تأكيدها عن طريق القانون ومعرفة بكيفية وأسلوب استخدام القانون لتحقيق مصالحة. وفضلاً عن ذلك، فإن الوعي القانوني يشتمل أيضاً على القدرة على العمل الإيجابي. فالشخص الذي يتمتع بالوعي القانوني لا يعرف حقوقه فقط، ولكنه يقدم على اتخاذ الخطوات العملية القانونية عندما يشعر أن من صالحه عمل ذلك([15]).  ويرى "بولانتزاس" أن القانون ليس سوى جزء عضوي من النظام القمعي ومن تنظيم العنف الذي تمارسه كل دولة, فالدولة تصدر القواعد وتعلن القوانين لتصنع حقلاً أولى من الأوامر والنواهي والرقابة ولتخلق مجالاً تطبيقياً للعنف وموضوعاً له ([16])  ولكن هناك تياراً يؤكد أن التشديد على القسر في أعمال القانون هو إساءة فهم تامة لدوره فالناس يطيعون القانون لا لأنهم مرغمون على ذلك بالقوة, بل لأنهم يقبلونه أو على الأقل يذعنون له, وأن هذا القبول وليس تهديد القوة هو الذي يجعل النظام القانوني فعالاً (3). لذا يجب الأخذ في الاعتبار بصفة دائمة العلاقة الوثيقة بين الشكل القانوني وبين مضمونه الاجتماعي والاقتصادي في موقف تاريخي محدد. لهذا فإن نفس القاعدة القانونية ؛ إذ تنطبق في مواقف اجتماعية واقتصادية متباينة, قد تحمل معنى مختلف نسبياً (4).  بيد أن الأمر لا يتعلق فقط بالعلاقة مع القانون. يقول " فاربر" (إذا كان الوعي القانون لا يعني سوى علاقة المواطنين بقوانين الدولة ومتطلباتها الحقوقية, فإنه سيكون من المستحيل تمييزه عن الوعي السياسي. غير أن الوعي القانوني, هو معرفة تنصب على مجال خاص من الحياة الاجتماعية. إنها معرفة لسائر الظواهر القانونية. وبشكل رئيسي لتصورات حقوق المواطنين وواجباتهم, وهذه لا يمكن أن تحصر في حقوق وواجبات سياسية فقط). فعلى سبيل المثال: فان الشعور الأخلاقي بالعدل أو الظلم يعبر عن العلاقة مع النظام الاجتماعي والسياسي القائم ومع القوانين, وفعالية هذه أو تلك من المؤسسات والتنظيمات وسلوك البشر([17]).  وتشير نتائج الدراسات الميدانية في هذا الصدد إلى طبيعة فهم الناس للقانون وطرق تعاملهم معه التي اكتسبوها من خلال تفاعلهم الحياتي اليومي في ظل شعورهم بغياب الديمقراطية لتحقيق قيمة العدل في ظل واقع تسوده الوساطات وجماعات الضغط على اختلافها ويجسدها المثل الشعبى والحكم والأقوال على سبيل المثال (المحاكم معاكم كسبنها خسرانها) ونعرض هنا لعدد من الدراسات الميدانية ففي دراسة للدكتور سمير نعيم أحمد تناولت الوسطاء وعملية الوساطة في حي بولاق بالقاهرة([18]). فقد جاءت اتجاهات عينة البحث من المتنازعين نحو التقاضي ونظام المحكمة على النحو التالي (أنها استهلاك للوقت, مكلفة جداً بالنسبة لنا, مفسدة, يترتب عليها تداعيات, معقده جداً, ليست ملاءمة لأوضاعنا الخاصة, شديدة البيروقراطية, تحتاج لإصلاح, تخلق مشكلات جديدة, لا تتمشى مع القانون الإسلامي, تتحيز للأغنى والأقوى, إن قراراتها ليست مجبرة Enforceable)  وتقدم (اند هلEnid Hill) تفسيراً لوجود مثل هذه الأنساق القانونية اللارسمية في البلدان النامية والبلدان الرأسمالية تتمثل في رغبة بعض الجماعات في التعامل مع مشكلاتها القانونية خارج نطاق القانون الرسمي, كما أن هذه الجماعات تقابل بحاجز يتمثل في زرائعية Instrumentalities الدولـة بالنسبة للعدل, ويرجع السبب في ذلك أساسا أن النسق القانوني يتعامل معهم ويؤثر فيهم على أنه أداه للسيطرة الطبقية([19]). إلا أن عجز استخدام الأساليب لسكنى حي بولاق في الحصول على حقهم بالقانون محكوم أيضاً بعجزهم في تحقيق مستوى اقتصادي أفضل داخل المجتمع وكذلك عدم الاستفادة من مختلف الخدمات العامة (الإسكان, التعليم, الصحة, المياه النقية. الخ) وجميعها تمثل ظروف الحياة الضاغطة, كالفقر, ونقص الخدمات في بولاق. وهناك عدد من الأدلة الإمبيريقية الملائمة التي توضح أن الناس في حي بولاق لا يخلقون ويبقون على نسقهم القانوني الغير رسمي للتعامل مع المشكلات القانونية فحسب ولكن يخلقون ويبقون على أنساق أخرى أيضا للتعامل مع مشكلاتهم الأخرى. فيقيمون نظام اقتصادي خاص بهم (الجمعية) Credit System لافتقارهم إلى طريقة للوصول إلى النظم البنكية الرسمية, ولديهم نظامهم الأمني الخاص بهم ولهم نظمهم التعليمية الخاصة (التدريب على مهنه) ولهم نظامهم الصحي.  وتشير نتائج دراسة ميدانية أخرى أجريت على مجتمع ريفي بمحافظة الشرقية حول "أساليب حل النزاع ودور كبار السن في القرية المصرية" إلى رضاء كافة أطرف النزاع عن حل نزاعاتهم عن طريق المجالس العرفية لما تتمتع به من مصداقية وثقه وحياد وديمقراطية وأن أحكام هذه المجالس لها قوة الأحكام القضائية ولا تقل عنها. إلا أن الدراسة تؤكد على ضرورة تطوير نظام العمل بالمجالس العرفية كآلية لحل المنازعات الريفية ووجوب حضور بعض رجال القضاء الرسمي لهذه الجلسات إذا اقتضى الأمر([20]).  دراسة ميدانية أخرى تناولت "الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية" لدى الشباب من الجنسين المنتمين إلى طبقات مختلفة (الطبقة العاملة– الطبقة البرجوازية الصغيرة– الطبقة البرجوازية المتوسطة) ومناطق مختلفة (ريفية– حضرية– عشوائية) وقد أظهرت أهم النتائج حول طبيعة الوعي الاجتماعي لطبقات العينة الثلاث غياب موقف طبقي واحد محدد لكل طبقة من الطبقات وازدياد الوعي وارتقاءه كلما ارتقى المستوى الاقتصادي الاجتماعي وأن التميع الطبقي الحادث في المجتمع المصري أثر على طبيعة الوعي الطبقي والاجتماعي وأكسبه تميعاً خاصاً به([21]).  دراسة ميدانية ثالثة تناولت "الوعي القانوني لدى اليابانيين والنزاعات الاجتماعية" وقد أخذ هذا الموضوع اهتمام كبير من الباحثين وكان من نتائج الأبحاث التي أجريت حول هذا الموضوع توضح أن اليابانيين يعارضون التقاضي أمام المحاكم ولا يميلون إليه, حيث أنهم يعتقدون أن الحق والواجب كلمات مطلقة المعنى وقد أثارت هذه النتائج نقاشات وجدل كبير لأنهم ينظرون للوعي القانوني بوصفه مجموع الاتجاهات والقيم حول القانون الياباني. وقد جاءت بنتائج غير واضحة ومحدده وذلك لعدم دقة تحديد مفهوم الوعي القانوني, والنزاعات الاجتماعية كما أنها لم تربط بين وعي المبحوثين, ووضعهم الطبقي وعلاقته بالمجتمع الياباني ككل وكذلك دوره في المنظومة الرأسمالية العالمية, وانتهت إلى المطالبة بضرورة تنمية وزيادة الوعي لدى المواطنين([22])  ودراسة أخرى تناولت "الوعي بالمشكلات وكيفية علاجها" واهتمت بشكل خاص بأشكال الوساطة التي تعالج المشكلات والتي وصلت إلى المحاكم والوعي الاجتماعي بها, وقد أجرى البحث في ولاية ماساشوستس في مدينتين (Salem, Combridge) ويهدف إلى أن المدعين يصلون بمشاكلهم للمحاكم على أنها آخر المطاف, وذلك عندما يطلبون العدل, وليس مجرد التصالح وجاءت أهم النتائج تشير إلى أن عمليات الصلح التي تمت ترتبط بنظام المجتمع بعيداً عن القانون والرسميات الخاصة به إلا أن الصلح كان يتم تحت سمع وبصر المحكمة والملاحظ أن التعامل مع الظاهرة والمشكلات ونوعها تعامل آنى وبالتالي جاءت ردود الأفعال وقرار التصالح دون تفسير حيث لم يتضح طبيعة تفكيرهم وسبب وصول مشكلاتهم في الأصل إلى المحاكم فماذا يريد هؤلاء الناس, ولماذا تصل بهم القضية لتلك الدرجة وما هو وعيهم الاجتماعي وفهمهم للقانون([23])  أما عن الدراسة الميدانية التي أجريت في قرية الدراسة فقد توصل الباحث إلى عدد من النتائج فمن خلال تحليل مضمون استجابات حالات الدراسة الميدانية لوحظ أن هناك اتفاقاً أساسياً بين حالات الدراسة حول أهمية ودور القانون ولكن التباين جاء في فهمه وطريقة وأسلوب النظر لتحقيق العدالة فنسبة 70% اقروا بأن اعتذار الآخر له إذا قام بالتعدي على حق من حقوقه والاعتراف بخطأه أمام الجميع مهما كانت الخسائر المادية أو المعنوية تعد أفضل نتيجة حصل عليها داخل المجتمع المحلي من أي شيء آخر يقرره القضاء.  وهذا يتفق والنتائج التي توضح أن اليابانيين يعارضون التقاضي أمام المحاكم ولا يميلون إليه([24]) وجاءت هذه النتائج على النقيض من نتائج بحث أجري عن المجتمع الأمريكي وذهب إلى تفضيل الأمريكان للذهاب بمشكلاتهم إلى المحاكم ([25]).  أما نسبة الـ 30% فترى أن الحصول على الحق عن طريق القانون يمثل حسب قولهم الأدب الشرعي لأن هناك نوعية من الناس لا تجدي معها الأساليب السلمية.  كما أظهرت النتائج أن من لديهم قناعة بأنهم في وضع طبقي متدني فقد انعكس هذا على الصورة الذهنية لديهم حول القانون صحيح أن لديهم فهم ورؤية محدده بأن لهم حقوق أساسية يكفلها لهم القانون إلا أن عجز الأساليب هي التي تقف عقبة كما أنها عملية لا تتم فجأة حيث تتدخل فيها عوامل داخلية ترتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع والبدائل التي يرونها لحياتهم والأفكار العامة التي تعكس الجوانب الثقافية كما ذهب إلى ذلك جيرتز([26]) ومستويات وأنماط السلوك وقيم الحياة لديهم فعلى حد قول إحدى الحالات (أنه مفيش حد يتكلم عليه بشيء ردي أو يعرف عنه حاجة ولو حدثت أي مشادة تسمع البعض يقول ده مش بتاع خناقات ولا مشاكل ده ميعرفش طريق قسم الشرطة منين) يعني هذا أن عدم الذهاب إلى قسم الشرطة يدل على أنه رجل حسن السير. إلا أن الجديد في الأمر أن قبول أي طرف من الأطراف للحل العرفي السائد يرجع في جزء كبير منه إلى طول الوقت الذي تستغرقه المحاكم في نظر القضايا وما يصاحب ذلك من تكاليف اقتصادية مرتفعة ومصاحبات ذلك كما أن النتائج غير مضمونة وتخضع لاعتبارات أخرى بين المحامين....الخ.  وهناك اتجاه عملى يسود بين القرويين في أن المحاكم لا تحل المشكلات بل تبدأها وأن الأفضل التسوية بالتراضي بالنسبة لحل أي مشكلة داخل نطاق القرية عن طريق كبار السن على جميع المستويات وبين طبقات المجتمع. وسلبية بالنسبة للجوء إلى المحاكم والملاحظ أن غالبية الحالات– ماعدا الحالات الكيدية التي يتم فيها ابتداع الكثير من الأساليب للنيل من الخصم– يهدفون إلى تحقيق العدل أو الحصول على حقوقهم – أيا كانت الوسيلة– وأن مشاعرهم سلبية تجاه القانون الرسمي وأجهزته.  عن أهمية القانون فقد جاءت استجابات الحالات مؤكدة أهمية القانون لما له من دور أساسي في تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع ورد المظالم إلى أهلها إلى غير ذلك من وظائف القانون كما فهمه كل مبحوث من خلال تعليمه وخبراته وموقعه في نمط الإنتاج السائد والملاحظ أن هناك تقبل شكلي عن طريق الكلام كي يظهر الشخص نفسه بمظهر مقبول اجتماعياً. وذهبت حالتان إلى أن القانون غير مهم ولكن الأهم هو المعارف والوساطة أو وجود محامي جيد أو الاعتماد على الوضع المادي أو العائلي.  أما عن طاعة القانون لأنه يحوز قبول البشر أم أن القوة تدعمه فقد جاءت استجابات الحالات مؤكدة أنه إذا كان القانون ترجمة لعادات وتقاليد المجتمع ولا يتعارض مع الشرع والأخلاق السائدة فإنه يحوز قبولاً من الناس أما إذا تعارض القانون مع ما سبق ومع مصالح البشر فإنهم يخرجون عليه دون النظر إلى التهديد بالقوة, فاقتناع الناس بالقاعدة القانونية يؤدي إلى احترامهم لها والعمل بها. ويؤكد ذلك دراسة ميدانية أجريت حول ظاهرة تعاطي الحشيش([27]) حيث أبدى الناس عدم اقتناع بالقاعدة القانونية وعدم احترامهم لها لذا لم تنخفض نسبه جرائم المخدرات على الرغم من تشديد العقوبة عليها....فالخوف من العقوبة القانونية يعتبر علامة قليلة الأهمية. وقد فسرت هيئة البحث هذا بأن القانون في واد والمتعاطيين في واد آخر, وخلص إلى وجود فجوة بين التشريع وبين الرأي العام والواقع الاجتماعي, فالمشرع يخطئ إذ يلجأ إلى العقاب دون بذل أي جهود صادقة لدراسة الواقع الذي يؤدي إلى المشكلة ومحاولة تغييره بأساليب اجتماعية (مقبولة) قبل الالتجاء إلى قوة القانون وأوامره وعقوباته القاسية. ودون محاولة جادة لإقناع المجتمع على أسس علمية سليمة بخطورة المشكلة وآثارها الضارة بالمجتمع بأكمله إن المشرع أحياناً في حمايته لمصلحة اجتماعية يتخذ اتجاهاً لا يتجاوب مع ضمير المجتمع, فتحدث فجوه بين المشرع واضع القاعدة القانونية وبين جماهير المكلفين بهذه القاعدة. وبذلك تسود رؤى متباينة في الفهم لدى القرويين.  أما عن التباين في الرؤية إلى القانون وقيمته في الماضي والحاضر فقد أجاب 60% بأن القانون في الماضي كان ينال احترام الجميع والمحافظة على النفس من الوقوع تحت طائلة القانون يدعم ذلك الأسرة الممتدة ودورها في التنشئة من خلال مقولات مثل" وأن هذا عيب في حقي أو الخوف على سمعه العائلة أو الأصول كذا" حسب ما جاء على لسان المبحوثين لذا فكان اللجوء إلى قسم الشرطة في أضيق الحدود أو يكاد يكون منعدم. صحيح أن معرفة الناس بالقانون لم تكن تمثل أهمية ربما لالتزام الناس في ظل علاقات الود والتدين والأخلاق الحسنه والضمير والحلال والحرام واستهجان أفراد المجتمع للخارجين عليه لدرجة أن من يعاقب بالحبس مثلاً أو يأتي بفعل مشين كان لا يستطيع أن يواجه الناس مرة أخرى ويسافر إلى مكان إقامة أخرى يؤكد ذلك ما توصلت إليه دراسة دكتور "حامد عمار"([28])  أما الآن فأصبح القانون هين على النفس ليس هناك تبجيل له بل إذا تكلمت مع أحد ولو أقرب الأقارب وتنصحه بأن هذا خطأ لا يسمع لك ويقول "إيه اللي ماشي صح" يعني هذا أنه واعي ويفهم موقفه وأنه يعترف بخطئه بل ويبرره بأنه ليس وحده وإنما هو سلوك عادي ومقبول بين الناس هذه الأيام.  أما نسبه 40% فقد جاءت آرائهم على عكس ما ذكر بالنسبة للقانون ففي الماضي كان هناك خوف من القانون ورجاله إما لقلة التعليم أو الوعي لذلك كان الرضا بأي حل بعيد عن القانون, أما الآن فأصبح كل شيء بالقانون وزاد إدراك الناس ومعرفتهم به ولا يقبل العذر بالجهل بالقانون. إلا أن جميع الحالات تفضل وتدعم نظره الاحترام داخل القرية إلى كبير العائلة وهو أشبه بالقاضي فجميع أفراد العائلة ترجع إليه في حل مشاكلهم داخل محيط الأسرة والعائلة ومن العيب أننا نقف أمام بعضنا البعض في المحاكم, أما إذا كان الخلاف بين العائلات فيتم اللجوء إلى شخص يكون "مرضي" تقبله العائلتين إلا أنه وفي ظل ثورة المعلومات تغيرت بعض القيم وفقدت التقاليد والأعراف لبعض مكانتها إلا أن الجميع حتى ولو وصل الأمر بهم إلى الشرطة يتم الجلوس إلى مائدة المفاوضات والصلح داخل القرية إلى أن يتم حل الخلاف وتقديم محضر صُلح وينتهي الموضوع وهذا ما تؤكده نتائج الأبحاث السابقة التي عرضنا لها من قبول الوساطات ومحاولة الحل بعيداً عن المحاكم وتفضيل اللجوء إلى التراضي كما ذهب إلى ذلك نتائج بحث الوسطاء وعمليه الوساطة.  نخلص مما سبق إلى أن فهم القرويين للقانون يتباين بتباين المتحقق من هذا الفهم والعائد منه وأن هذا الفهم يتغير من فترة زمنية وأخرى وقد يتم تعديله بتغير المواقف إذا لم يكن يحقق الاستفادة لصاحبه. 1- راجع : أعمال المؤتمر الثاني للمركز الحضاري لعلوم الإنسان بعنوان : الثقافة الشعبية والتنمية , كلية الآداب جامعة المنصورة , 19-21 أكتوبر 1999. والمنشور أعماله مايو 2000 . 1- محمود أمين العالم. أزمة ثقافة أم أزمة حكم ؟! مجلة قضايا فكرية , الكتاب الأول, يوليو , 1985 , ص ص 9- 15 . 2- محمد نور فرحات، المصريون والقانون: رؤية لبعض الأبعاد التاريخية للازمة القانونية المعاصرة في مجلة قضايا فكرية ، مرجع سابق. 1- عبد الحميد حواس , الحكومة في الثقافة الشعبية. دراسة في مجلة قضايا فكرية , مرجع سابق , ص ص160-169 * هناك العديد من الأمثلة في التراث الشعبي المصري من بينها على سبيل المثال: قصة ياسين وبهية. 1- Steve Redhead , unpopular cultures : The birth of Law and popular culture , Manchester university press , New York , U.S.A , 1995,pp.17-31 1- sally Engle Merry , Getting Justice and Getting Even: Legal consciousness among working – class Americans , Chicago and London , U. S.A, 1990 , p.3 2- Ibid , pp. 3-6. 1- sally Engle , op. cit , pp. 8-9 1- Steven Vago , Low and society , prentice Hall , Englewood cliffs , New jersey , U.S.A , 1991 , pp .12-13 . 1- Steven Vago , op. cit , pp .135-137 (1) أحمد أبو زيد , الرموز والرمزية : دراسة في المفهومات , المجلة الاجتماعية القومية , المجلد الثامن والعشرون , العدد الثاني , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية القاهرة , مايو 1991 , ص ص141-143 (1) المرجع السابق..، ص ص 148-149. 2- محمد نور فرحات , الفكر القانوني والواقع الاجتماعي , دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981، ص 291 3- PHENG cheaqh, David Fraser and Judith Grbich, Think through the Body of the Law , New York. 1996, P. 10 . راجع أيضا: - Robert post , Law and the Order of culture , University of California press , U.S.A , 1991 - Austin sarat and Thomas R .kearns , Law in Everyday Life , university Of Michigan press , U.S.A , 1986 (1) سمير نعيم أحمد , علم الاجتماع القانوني , دار المعارف , ط 2 , 1982 , ص 172. (2) نيكولاس بولانتزاس , نظرية الدولة , ترجمة : ميشيل كيلو , دار التنوير , لبنان. 1987 , صـ 72. (3) دنييس لويد , فكرة القانون, تعريب: سليم الصويص. سلسلة عالم المعرفة , الكويت , نوفمبر,1981. ص45. (4) محمد نور فرحات, الفكر القانوني والواقع الاجتماعي, مرجع سابق, ص ص67-68 1- أ.ك أوليدوف, الوعي الاجتماعي , ترجمة ميشيل كيلو، درا بن خالدون، بيروت، ط2، 1982، ص ص 81-85 2- SAMIR Naim , Mediators and the Mediation process in the Boulak District of Cairo , In Disputes and the Law , Edited by : Maureen Cain and Kolman Kulcsar , Akademiai Kiado , Budapest , 1985 , P.51 1- Ibid , p .52 2- عزة أحمد صيام , مشاركة كبار السن في إدارة شئون القرية : مع إشارة خاصة إلى أساليب حل النزاع , في مؤتمر : القرية المصرية : الواقع والمستقبل , 10-12 أبريل 1994 , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية, 1996 1- أشرف فرج أحمد , الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية : لدى عينات من الشباب المصري , رسالة دكتوراه , غير منشورة , كلية الآداب جامعة عين شمس , 1996 2- Miyazawa –s., Taking kawahima seriously : A Review of Japanese Research on Japanese Legal Consciousness and pisputing Behavior, Law – and Society Review , 1987 , pp. 219 –241 1- Sally Engle Merry ,op. cit , pp .15 –19 2- Miyazawa –s., op. cit . 3- Sally Engle Merry ,op. cit . 1- أحمد أبو زيد , الرمز والرمزية, مرجع سابق , ص ص 148-149 1- دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية , بالقاهرة , عن ظاهرة تعاطى الحشيش في الفترة من عام 1958-1962. نقلا عن سمير نعيم أحمد , علم الاجتماع القانوني , مرجع سابق , ص ص 156-159 1- حامد عمار، التنشئة الاجتماعية في قرية سكوا، ترجمة: غريب سيد أحمد وآخرون، دار المعرفة الجامعية، 1989.

الدكتور / مهدي محمد القصاص

مدرس علم الاجتماع 
كلية الآداب  
جامعة المنصورة


1- فكرة البحث

تؤكد ثورات العولمة ونتائجها أهمية التنوع الثقافي في الإبداع والتنافسية على الصعيد الكوكبي, وأن أي ثقافة تحمل في مضامينها توجهات للسلوك, يبرز بعضها ويجدد ويهمش بعضها الآخر حسب لحظات التطور التاريخي وبناء عليه نجد أن لكل إنسان رؤيته الثقافية التي تتجسد في تصوراته وفي سلوكه العملي وهذه الرؤية رغم طابعها الشخصي الذاتي إلا أنه اكتسبها من مجتمعه الذي يعيش فيه ولهذا ففهم ثقافة أي مجتمع- وما يعنينا هنا هو ثقافة القرويين- يعد أحد أهم المقاربات التي تساعد في فهم التباين لصور تعبير الناس عن فهمهم للقانون وطرائق تفكيرهم.

وفي هذا السياق تأتي الدراسة الراهنة التي تحاول أن تقرأ بعض مضامين عناصر الثقافة الشعبية المصرية وانعكاساتها على الوعي لدى القرويين مما يجعلهم يقبلون الثقافة الشعبية والعرف السائد في فترات تاريخية وما قاوموه أو أعادوا إنتاجه ليكون أكثر قدرة على تيسير تفاعلهم مع القانون. وهناك العديد من البحوث في الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع الثقافي ودراسات التراث الشعبي تناولت خصائص الثقافة الشعبية. إلا أن التأكيد على جذورها وما يطرأ عليها من تبديل فهي قليلة وإن اعتمدت على عملية وصف للثقافة ليس إلا.

الثقافة الشعبية دورية محكمة يصدرها المركز الحضاري لعلوم الإنسان والتراث الشعبي بالتعاون مع كلية الآداب - جامعة المنصورة إبريل 2002.

أما كلمة شعبي (بمعنى) الدولة أو الأمة بالمعنى السياسي, الشعب بمعنى المحكوم خلافاً للحاكم والشعب بمعنى المضطهد أو المحروم أو مسميات أخرى كالعامة – العوام والدهماء وغيرها([1]).

إلا أننا نرى أن الثقافة الشعبية هي أسلوب أو طريقة إبداع محلي وإنتاج يجسد الواقع الاجتماعي الاقتصادي بكل ما فيه عبر تاريخه الطويل لهذا المجتمع أو ذاك ويحدد طريقته في التعامل وفق المعطيات القائمة والمتاحة وارتبطت تكنولوجيا بالمجتمعات البسيطة وتخلص إلى أن الثقافة الشعبية هي فن الحياة اليومي.

ومن الواضح أنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه فراغاً ثقافياً لدى أي إنسان أو في أي مجتمع فهناك ملاء ثقافي دائماً أياً كانت قيمة هذا الملاء الثقافي أو مستواه أو دلالته الاجتماعية. فالناس جميعا وبغير استثناء مثقفون وإن لم يمارسوا وظيفة المثقف في المجتمع.

معنى ذلك أن لكل إنسان ثقافته التي تتمثل في رؤيته الفكرية للعالم وسلوكه العملي والاجتماعي والوجداني سواء كان واعياً بهذا أو غير واعي أو ما يسمونه خبره الحياة, لذلك فالناس في القرية حينما يتحدثون بعقلانية شديدة وتفنيد للأمور في حل مشكلة ما يظهراً كأبرع محلل مما يدفع من يسمعه نظراُ لفصاحته بسؤاله " إنته خريج إيه" يقول خريج كلية الحياة يؤكد ذلك المثال الذي ساقه الأستاذ "محمود أمين العالم " يصف فلاح بأنه فصيح وطيب حينما سأله يا سي الأفندي إيه معنى كلمة سلامات ؟ قلت له يا عم جمعه "التحية والأمان" فضحك عمى جمعه وقال ياسي محمود (سلا) ده كان أصله ملك ظالم قوي قوي فالما مات الناس فرحت وقالت لبعضها سلا مات سلا مات.

يقول أ / محمود وهنا وجدت فرصة للحديث وقلت (وهوّه الملك الظالم مات خلاص يا عم جمعه يعني الظلم مات خلاص يا عم جمعه) فرد عم جمعه وقال الظلم مالي البلد. فقلت له يعني سلا لسه ما متش؟ فلو كان سلا اسم ملك ظالم صحيح كان لازم الناس لما تتقابل مع بعضها تقول سلا لسه ما متش، سلا لازم يموت([2]).

ومن هنا فإن هؤلاء البسطاء يتبعون إجراءات قانونية أخرى اكتسبوها من خبرات حياتهم الطويلة دون دراسة لها وهذا الفهم هو الذي يتيح لهم الفرصة في الوصول إلى كبير العائلة لأنهم يشعرون أن كبير العائلة مسئول عنهم. فهذا جزء من بنيته الثقافة بصوره عامة كما هي في الواقع الحياتي المعاش وكما يراها الناس في القرية، يعني هذا أن الوعي متضمن في التطبيق الفعلي للدستور والقانون في الحياة اليومية كجزء أصيل من فعل أي حدث تحكمه الثقافة الاجتماعية بكافة صورها.

ولأن مصر شأنها شأن كثير من أرجاء الوطن العربي, قد رزحت تحت وطأه حكام غزاه أجانب أتوا بجيوشهم يمتصون ثرواتها ويقهرون أبناءها منذ أن حطت جيوش (قمبيز) أرضها حتى جلاء الإنجليز فقد ترسخ في وعي الحكام والمحكومين معا مشروعية غيبة قيمتي "العدل والحرية والمصلحة المجتمعية في تشريعات الحكام" وارتبطت نصوص القانون في مجموعها إلى الحفاظ على أمن الحاكم وهيبته وتأمين وانسياب ثروة البلاد إلى خزائنه([3]).

لذا فإن العادة التاريخية للمصريين في مواجهة القانون الرسمي الظالم أن يصطنعوا لهم قانوناً فعلياً De- facto آخر يطبقونه من وراء ظهور الحكام بمعنى فهم خاص للقانون وهذا هو المخرج الوحيد من وجهة نظرهم.

ولأن القانون هو قانون السلطة الحاكمة الذي يتباين إلى حد كبير مع تصور العرف التقليدي للحقوق والواجبات وما يرتبط بها من قيم ومثل ولعل خير مثال على ذلك الموال القصصي "أدهم الشرقاوى".

موال الأدهم(*) الذي لاقى شيوعا حتى نهاية الخمسينيات وخاصة في منطقتنا "كوم حمادة وإيتاى البارود" والقصة مبنيه على واقعة حقيقة حدثت عام 1921.

غير أن التنويعات المعروفة لرواية الموال الشعبي تجمع على تجاوز للواقعة التاريخية الفعلية لتعيد صياغتها صياغة تجلى فيها رؤية التصور الشعبي للعلاقات الاجتماعية السائدة وخاصة علاقة الجماعة الشعبية بالسلطة الحاكمة وأدواتها التنفيذية.

ويتناول الموال حادثة خروج أدهم الشرقاوي على القانون، نتيجة استشعاره عدم كفاية حكم المؤسسة القانونية الرسمية ولا الجزاء الذي وقعته على قاتل عمه ومن ثم يأخذ هو على عاتقه تنفيذ الحكم الذي تفرضه معايير القيم التقليدية. ثم يتصاعد تمرده ومواجهاته مع السلطة وأدواتها وإظهار عجزها عن أن تطوله إلى أن تجد أن الخيانة هي سبيل الوصول الوحيد إليه. وهذا ليس ثأراً كما يفهمه البعض بدليل أنه وهوه يخُرج أنفاسه الأخيرة قال.

منين أجيب ناس لمعناه الكلام يتلوه...؟!
أمانة يا عيلة الشرقاوى محدّ بعدّيه
لا أخ لي ولا عم, يأخذ التار بعدية
أمانة يا من عشت بعدي ما تأمنشن لصاحب..دنيا غروره وهكذا ([4]).

2- الإجراءات المنهجية

هذه الدراسة استطلاعية تهدف إلى معرفة دور بعض عناصر الثقافة الشعبية في تشكيل الرؤى الخاصة للإنسان القروي نحو طريقة حل قضاياه الحياتية المختلفة وتفرض عليه أشكال متعددة لطريقة فهمه للقانون وعلى هذا تتركز الدارسة في محاولة للإجابة على سؤال أساسي وهو هل تسهم الثقافة الشعبية بدورها في فرض رؤى أو فهم خاص للقانون "إدراكاً وتفسيراً وممارسة" لدى الإنسان في الريف ؟ وما هي مؤشرات ذلك ؟ وهذا يتطلب معرفة إلى أي مدى تتباين رؤى القرويين في فهم القانون وهل تتباين الرؤى بتباين الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للسكان.

ونعرض لذلك ميدانيا من خلال تحليل المضمون لعدد من دراسات الحالة بلغت عشر حالات ممثله لطبقات المجتمع اختيرت بطريقة عمدية تمت دراستهم دراسة متعمقة للتعرف على الأحداث والخبرات التي تشكل نوع من التباين في فهم القانون في قرية مصرية تقع في شمال غرب الدلتا (قرية بيبان – مركز كوم حمادة – محافظة البحيرة)

وفكرة الدراسة تأتي من خلال المشاهدات الواقعية لصور تعبير الناس في القرية عن فهمهم للقانون ومعناه من خلال قناعات خاصة وإدراكهم وطريقة ممارستهم له في المواقف المختلفة.

وإذا كان هدف الدراسة استطلاعي فالسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا افترض الباحث أن الرؤى متباينة نجد أن موضوع البحث لا يأتي من فراغ وإنما وفق مؤشرات ورؤى وملاحظات وحالة المجتمع وحضوري لبعض المجالس العرفية. تؤثر بالطبع على اختيار الباحث لهذا الموضوع أو ذاك كما أن الباحث مولداً ونشأه يعيش في هذا المجتمع.

ولكن السؤال كيف توظف الثقافة الشعبية لتحقيق فهم حقيقي للقانون وطريقة تطبيقه خاصة وأن الدولة بمؤسساتها الرسمية تقر المجالس العرفية ولجان حل المنازعات.

3- الإطار النظري

هناك تأكيد واتجاه متزايد في الولايات المتحدة يهدف إلى إعادة صياغة إطار مفاهيمي جديد يمكن أن يحمل إجابات محتملة عن الشكوك الكثيرة التي أثيرت حول قيمة النظرية القانونية المؤسسة على ما يعرف بالواقعية القانونية Legal Realism وعليه ظهرت العديد من الدراسات الواقعية التي تدور حول ما يعرف بالقانون في سياق التأثير والفعل الثقافي والاجتماعي والتي اهتمت بشكل خاص بنظم وتوضيح خطوط الالتقاء والاتصال بين القانون والثقافة الشعبية Law and popular culture كما ركزت بعض الدراسات الثقافية والسوسيولوجية بشكل خاص على ما يعرف بأسباب وسوابق السلوك الانحرافي أو الجنوح Deviance antecedents وفيه ركز على بعض المؤشرات الأولية للعلاقة بين القانون والثقافة الشعبية والتي يمكن من خلالها تتبع مسارات التشريع لسوسيولوجيا القانون, وعلى الرغم من الندرة في الكتابات في مجال القانون والثقافة الشعبية يمكن أن نشير بشكل خاص إلى "Allan Hunt " الذي يعد أحد الرواد الأول للتنظير في مجال القانون والمجتمع أما كتابة سوسيولوجيا القانون والذي صدر عام 1994 والذي إهتم فيه بشكل خاص بالأسس القانونية والتاريخية للحداثة والثقافة الشعبية مؤكدا على تأثير جماعات المصلحة وما تستند إليه من ثقافة نوعية تنتظم في مجموعة من الأعراف والتقاليد الشعبية التي تؤثر على عملية التشريع القانوني مما أدى إلى ظهور حقل معرفي جديد في علم الاجتماع له رؤاه النظرية وأدواته التحليلية أطُلق عليه "القانون والثقافة الشعبية " ونجد أن كمون القانون في الثقافة الشعبية هو الذي دفع "David Lange " أستاذ القانون بجامعة ديوك Duke university إلى الاعتقاد بأن الألفية الجديدة ستزيح كل أشكال ضوابط السلوك وصياغة المعنى من مكان الصدارة لتجعلها وراء الفرد ([5])

وإذا كان القانون يتألف من حصيلة ضخمة من البنود يفهمها الناس حسب خبراتهم ودرايتهم الشخصية بالقانون – أي أن هناك اختلاف في فهم الناس للقانون – فمثلاً- رجل القانون ودافع الضرائب والغني واللص والمالك لأي عقار يفهم القانون بشكل مختلف عن غيره. ويقصد بالوعي القانوني Legal consciousness كيفية فهم هؤلاء الناس للقانون وطرق تطبيقية. حيث تشير كلمة "الوعي" إلى الشكل الطبيعي والمعتاد الذي يتناول من خلاله الناس القانون متمثلا في سلوكهم وأحاديثهم وإدراكهم للعالم من حولهم. وبناء على ذلك لا تعنى كلمة الوعي هنا مجرد الأفعال المتعمدة والمقصود ولكن العادات والتقاليد السائدة أيضا, ويعرفJean comaroff الوعي بأنه إدراك متضمن في التطبيق الفعلي للدستور والقانون في الحياة اليومية, كجزء أصيل من فعل أي حدث تحكمه الثقافة الاجتماعية بكافة صورها([6]).

وعلى ذلك فالوعي له تعريفات متعددة بتعدد الطرق التي يتحدث بها الناس في تفاعلهم اليومي ويتصرفون من خلالها وفى مضمون كلامهم أو أفعالهم ذاتها.

فكما يعرفه Bourdiew (الوعي متضمن في المعرفة التطبيقية والفعلية التي يتصرف من خلالها الناس) فالوعي القانوني يتم بدءاً من الذهاب للمحكمة وإلى الحديث عن كافة صور وأشكال الحقوق والواجبات. ويتنامى الوعي من خلال الخبرات الفردية, التي يكتسبها الفرد في ممارساته اليومية المعتادة. وعلى ذلك فالوعي يطرأ عليه تعديل من تراكم الخبرات المتقابلة فأي شخص يتجه للمحكمة من أجل قضية ما قد يغير رأيه إذا رأى أن ما يحدث أو ما سيحدث ليس هو المقصود من وراء الذهاب للمحكمة وحينئذ يتغير معنى الوعي لديه. فالناس يتسمون بالقدرة على التغير والتشكل وهذا ينتج عنه تعديل وتغيير لوعيهم وإدراكهم لما يكتسبونه من خبرات. فالوعي القانوني ذاته تواجهه متناقضات كثيرة. فمبدأ أن الكل سواسية أمام القضاء, لا يتم مراعاته عند النظر للمشكلات والقضايا.

وقد تم إجراء العديد من الأبحاث المتعلقة بفهم القانون واتجاهات الناس ومواقفهم منه وذلك من خلال مسح شامل أجراه (sarat) وتلك الأبحاث تعطي صورة عن مدى بساطة فهم الناس لطبيعة القانون. حيث تفترض أن لكل فرد تصور شخصي لحقائق وبنود القانون.

فالوعي القانوني – كجزء من النسيج الثقافي للمجتمع – هو إجماع بين خصوصية موقف ما وعمومية الفهم لهذا الموقف. وعلى ذلك ففهم القانون ليس ثابتاً بل متغيراً باكتساب الخبرات, وتوضح نتائج الأبحاث أن موقف أي إنسان من القانون يحدد من خلال معرفته وخبراته وتصرفاته, حيث تزداد من خلال الاستفسار وليس من خلال افتراضات وهمية حول حدث ما للسيطرة الثقافية والقانون([7])

فالغرض من القانون ليس فرض قواعد وضوابط وعقاب بل يتعدى ذلك لوضع إطار وشكل قانوني ينظم العلاقات والتفاعلات داخل المجتمع. حيث يمدنا بتصنيف وتحديد لكل ما يدور داخل المجتمع. فالتعبيرات القانونية هي محددات ثقافية للإنسان العادي نفسه وللعاملين بالقانون أيضاً حيث يتمكن الجميع من القيام بعمله بشكل منظم ومن هذا المنظور فقد يوصف القانون بأنه "لغة التخاطب" أي أنه وسيلة للتعبير عن الأقوال والأفعال والعلاقات ويستخدم تعبير التخاطب كما سبق واستخدمه (Foucault) وعلى ذلك فالقانون يرسخ مفاهيم. ويفتت أخرى وليس الحديث عنه سهلاً أو متواتراً. بل إنه معقد حيث يتضمن عقوبات, تسلسل تاريخي, تصنيفات للسلوك, ممارسات, دوافع الفرد والجماعة, مسئولية نظام حكومي....وهكذا وهذا الغموض والتعقيد وتلك التناقضات هي السبب في تضارب التفاسير للقانون فيما بعد عند تطبيقه وتناوله([8]).

ففي المجتمعات الصغيرة المتجانسةhomogeneous نجد أن تناغم السلوك تدعمه حقيقة أن خبره التنشئة الاجتماعية تكون واحدة بالنسبة لكل أفراد المجتمع. فالمعايير الاجتماعية تميل لأن تكون متناغمة بالنسبة لكل فرد من الأفراد وتدعمها بقوة التقاليد. والضبط الاجتماعي في مثل هذا المجتمع يعتمد بصوره أساسية على العقاب الذاتي. حتى بالنسبة للحالات عندما تكون هناك حاجة لجزاءات خارجية فإنها نادراً ما تشتمل على عقاب رسمي. فالمنحرفين يكونون موضع لميكانزمات الضبط الاجتماعي الغير رسمية مثل القيل والقال والسخرية.

أما بالنسبة للمجتمعات المعقدة الغير متجانسة heterogeneous مثل الولايات المتحدة نجد أن الضبط الاجتماعي يعتمد بصورة كبيرة على المعايير المشتركة فمعظم الأفراد يتصرفون بطرق مقبولة اجتماعياً وكما هو الحال في المجتمعات البسيطة نجد أن الخوف من الطرد من العائلة واستهجان الأصدقاء والجيران عادة ما يكون ملائماً لكي يجعل المنحرف يراجع نفسه. إلا أن التنوع الكبير في السكان, ونقص الاتصال المباشر بين القطاعات المختلفة في المجتمع وغياب القيم المتشابهة والاتجاهات ومستويات السلوك والصراعات التنافسية بين الجماعات ذات المصالح المختلفة فكل ذلك قد أدى إلى حاجة متزايدة للميكانزمات الرسمية للضبط الاجتماعي ويتسم الضبط الاجتماعي بالخصائص الآتية.

  • القواعد الظاهرة للسلوك
  • الاستخدام المخطط للجزاءات لكي تدعم القواعد.
  • جهات رسمية محدده لتفسير وتطبيق القواعد وغالباً ما تضع هذه القواعد وفى المجتمعات الحديثة هناك العديد من المناهج للضبط الاجتماعي وهما الجانب الرسمي والغير رسمي ويعتبر القانون أحد أشكال الضبط. ويذهب" رسكوباند Roscoe pound " إلى أن القانون في أحد معانيه هو شكل معين (خاص) للضبط الاجتماعي في المجتمع المنظم سياسياً وأنه تطبيق للضبط الاجتماعي من خلال التطبيق المنظم للقوة في هذا المجتمع([9]).
يشير الضبط الاجتماعيsocial control إلى الطريقة التي من خلالها يبقي أعضاء المجتمع على النظامorder في المجتمع ومن خلالها يمكن التنبؤ بسلوك الأفراد. وهناك أشكال عديدة للضبط الاجتماعي ويعد القانون أحد هذه الأشكال.

كما تتمثل وسائل الضبط الاجتماعي اللارسمي في وظائف الطرائق الشعبيةFolkways (المعايير الراسخة للممارسات العامة مثل تلك التي تتمثل في أنماط خاصة للزي والاتيكيت Etiquette, والأنماط الخاصة لاستخدام اللغة كما أنها تتمثل في الأعراف mores (المعايير المجتمعية المرتبطة بالشعور العميق بالثواب أو الخطأ والقواعد المحددة للسلوك والتي لا يمكن انتهاكها بسهولة). وتتكون هذه الوسائل الغير رسمية للضبط من تكنيكات Techniques والتي بواسطتها يتمكن الأفراد الذين يعرف كل منهم الآخر على أساس شخصي أن يثنوا على أولئك الذين يزعنون (يستجيبون) لتوقعاتهم كما أنهم يظهرون عدم الرضا بالنسبة لؤلئك الذين لا يستجيبون لتوقعاتهم. ويمكن ملاحظة هذه التكنيكات في سلوكيات معينه مثل السخرية Ridicule , والقيل والقال gonip , والانتقادات criticisms أو التعبير بالرأي.

إن القيل والقال أو الخوف من القيل والقال يعد أحد الوسائل الفعالة التي يستخدمها أعضاء المجتمع لإجبار الأفراد على التوافق مع المعايير. وعلى العكس من وسائل الضبط الاجتماعي الرسمية نجد أن وسائل الضبط الغير رسمية لا تمارس من خلال الميكانزمات الرسمية للجماعة. وأنه لا يوجد هناك أشخاص معينون يجبرون الأفراد على تنفيذ هذه الميكانزمات.

وتميل الميكانزماتMechanism الغير رسمية للضبط الاجتماعي لكي تكون أكثر فاعلية في الجماعات والمجتمعات التي تكون فيها العلاقات هي علاقات الوجه للوجه وتكون العلاقات قوية, وحيث يكون تقسيم العمل بسيط نسبياً فعلى سبيل المثال نجد أن "إميل دوركايم" يرى أنه في المجتمعات البسيطة مثل المجتمعات القروية القبليةThihal –villager أو المدن الصغير نجد أن المعايير الشرعية تكون متوافقة بصورة كبيرة مع المعايير الاجتماعية وذلك بالمقارنة بالمجتمعات الكبيرة والمعقدة.

وهناك أدله في التراث السوسيولوجي تؤيد فكرة أن الضبط الاجتماعي غير رسمي يكون أقوى في المجتمعات الأصغر والتي تكون مجتمعات متناغمة Homogeneous وذلك بالمقارنة بالمجتمعات الأكبر التي تكون مجتمعات غير متناغمة Heterogeneous ([10]).

ويعتبر بعض علماء الاجتماع أن دورهم الأساسي يتمثل في وصف وتفسير الظواهر الاجتماعية بصورة موضوعيه. وأنهم يهتمون بفهم الحياة الاجتماعية والعمليات الاجتماعية وأنهم يقومون بأبحاثهم ذات الطبيعة الامبيريقيه. وإنهم يقبلون من الناحية العلمية فقط هذه الأفكار النظرية التي يمكن إثبات حقيقتها عن طريق التجريب ويوجههم في ذلك فكرة "ماكس فيبر”عن علم الاجتماع بأنه العلم الذي يسعى لفهم الفعل الاجتماعي بصورة تأويليه وذلك بهدف شرح أو تفسير السبب في ضوء النتيجة. وأنهم يعتقدون أن اكتشاف القوانين السببية هو الهدف النهائي لعلم الاجتماع ولكن فهم أهداف الناس يعد محورياً.

هذا ويعد مفهوم “الرمزيةSymbolism في نظر عدد كبير من المفكرين مهماً للاستعانة به في تحليل السلوك والعلاقات الاجتماعية بحيث كاد المفهوم يرادف مفهوم الثقافةCulture وهناك أيضاً نوع من التطابق بين مفهوم أنساق الرموز systems of symbols وأنساق الثقافة في بعض الكتابات على الأقل فالرموز هي التي تعين طبيعة المجال ومداه ووحداته الأساسية كما ترسم حدود التمايز والتفاوت بين هذه الوحدات المختلفة ثم تربط بين وحدات المجال الواحد بحيث تؤلف كلاً whole متسقاً ومتسانداً, بينما تؤلف الأنساق المختلفة بعد ذلك الثقافة كلها. فالثقافة في نظره أداة فكرية وتصورية لتصنيف مختلف المجالات والميادين القائمة في هذا العالم وتبين الطريقة التي ترتبط بها هذه الميادين بعضها ببعض. وهذا معناه في أخر الأمر أن نسق الثقافة الكلي السائدة في أن مجتمع من المجتمعات يؤلف العالم كما يراه أعضاء ذلك المجتمع, وأنه -أي النسق الثقافي– يتميز بذلك عن مستوى الفعل action ([11])

وإذا كانت الثقافة مجموعة من الرموز والصور الرمزية فإنه يتعين على الباحث الأنثروبولوجي أن يحدد ويعين أنساقها الرمزية, وهذا يقتضي محاولة فهم وجهة نظر الأهالي أنفسهم لتعرف ما يقصدونه أو ما يرمون إليه من أفعالهم وتصرفاتهم ولن يتيسر ذلك بإتباع المناهج وأساليب وطرائق البحث المستخدمة في العلوم الطبيعية والتي تبحث عن القوانين وعن الأمثلة والحالات التي توصل إلى تلك القوانين ومن هنا كان "جيرتز" يرى أن ما يجب أن يهدف إليه الباحث الأنثروبولوجي هو الوصول إلى تفسير تأويلي Interpretive explanation وهو تفسير يتطلب التركيز على معنى العادات والنظم والأفعال والتقاليد بالنسبة للأهالي الذين يمارسون تلك العادات والتقاليد وتصدر عنهم تلك الأفعال ويخضعون لتلك النظم. وليس من شأن التفسير التأويلي أن يبحث عن القوانين وإنما هو يهدف إلى " فك unpacking " العالم الذهني المتصور الذي يعيش فيه الناس. ومن هنا كان يتعين على علماء الأنثروبولوجيا أن يبحثوا عن تفسيرات للثقافة ترد الأفعال إلى معانيها أو تربط الأفعال بتلك المعاني بدلا من محاولة رد السلوك إلى محددات تطورية أو انتشارية أو سوسيوبيولوجية كثيراً ما تنتهي إلى إصدار أحكام مبهمة وغامضة, أو غير واضحة على أقل تقدير([12]).

مما سبق يؤكد أهمية الوعي القانوني مما يتطلب توضيح لهذا المفهوم.

4- الوعي القانوني

يمثل الوعي القانوني دوراً مهماً في حياة البشر والمجتمع. فالبشر يتمسكون في حياتهم الاجتماعية بأصول وقواعد سلوك معينة, تظهر تاريخياً وتتغير مع تطور المجتمع. فالوعي القانوني. هو مجموع الآراء والأفكار القانونية السائدة في المجتمع. التي تفصح عن علاقة أعضاء الجماعة بالنظام القانوني النافذ, وعن فهمهم لما يعد مطابقا للقانون أو مخالفاً له. فالوعي القانوني بهذا المعنى هو الجانب الذاتي الموضوعي الذي يعي القانون كما هو موجود في الواقع. والوعي القانوني باعتباره جزءاً من الوعي الاجتماعي العام يصاغ ويتشكل بالتبعية للواقع المادي الاقتصادي للمجتمع, وبقدر ما يكون النظام القانوني معارضاً لمصالح الجماهير العاملة بقدر ما تكون الفجوة بين الوعي القانوني والنظام القانوني والعكس صحيح([13]).

فالقانون كالسياسية نتاج للتقسيم الطبقي للمجتمع وهو أكثر عناصر البنية الفوقية أهمية، ويتصل اتصالاً مباشراً بالوعي السياسي ولكنه يتميز عنه. فالوعي القانوني هو جملة الآراء التي تعكس علاقة البشر بالحق القائم والتصورات التي يملكها البشر حول حقوقهم وواجباتهم، وحول شرعية أو عدم شرعية هذا السلوك أو ذاك، والحق هو إرادة الطبقة المسيطرة المرفوعة إلى قانون، والقوانين تصدرها الدولة، لذا فإن القانون يعتبر إجراء سياسيا([14]). لذا تتطلب الاستفادة من الحماية التي يوفرها القانون للأشخاص وعياً قانونياً من جانب هؤلاء الأفراد، ويتضمن هذا الوعي القانوني إحساس الشخص بأن له حقوقا، وأنه يستطيع تأكيدها عن طريق القانون ومعرفة بكيفية وأسلوب استخدام القانون لتحقيق مصالحة. وفضلاً عن ذلك، فإن الوعي القانوني يشتمل أيضاً على القدرة على العمل الإيجابي. فالشخص الذي يتمتع بالوعي القانوني لا يعرف حقوقه فقط، ولكنه يقدم على اتخاذ الخطوات العملية القانونية عندما يشعر أن من صالحه عمل ذلك([15]).

ويرى "بولانتزاس" أن القانون ليس سوى جزء عضوي من النظام القمعي ومن تنظيم العنف الذي تمارسه كل دولة, فالدولة تصدر القواعد وتعلن القوانين لتصنع حقلاً أولى من الأوامر والنواهي والرقابة ولتخلق مجالاً تطبيقياً للعنف وموضوعاً له ([16])

ولكن هناك تياراً يؤكد أن التشديد على القسر في أعمال القانون هو إساءة فهم تامة لدوره فالناس يطيعون القانون لا لأنهم مرغمون على ذلك بالقوة, بل لأنهم يقبلونه أو على الأقل يذعنون له, وأن هذا القبول وليس تهديد القوة هو الذي يجعل النظام القانوني فعالاً (3). لذا يجب الأخذ في الاعتبار بصفة دائمة العلاقة الوثيقة بين الشكل القانوني وبين مضمونه الاجتماعي والاقتصادي في موقف تاريخي محدد. لهذا فإن نفس القاعدة القانونية ؛ إذ تنطبق في مواقف اجتماعية واقتصادية متباينة, قد تحمل معنى مختلف نسبياً (4).

بيد أن الأمر لا يتعلق فقط بالعلاقة مع القانون. يقول " فاربر" (إذا كان الوعي القانون لا يعني سوى علاقة المواطنين بقوانين الدولة ومتطلباتها الحقوقية, فإنه سيكون من المستحيل تمييزه عن الوعي السياسي. غير أن الوعي القانوني, هو معرفة تنصب على مجال خاص من الحياة الاجتماعية. إنها معرفة لسائر الظواهر القانونية. وبشكل رئيسي لتصورات حقوق المواطنين وواجباتهم, وهذه لا يمكن أن تحصر في حقوق وواجبات سياسية فقط). فعلى سبيل المثال: فان الشعور الأخلاقي بالعدل أو الظلم يعبر عن العلاقة مع النظام الاجتماعي والسياسي القائم ومع القوانين, وفعالية هذه أو تلك من المؤسسات والتنظيمات وسلوك البشر([17]).

وتشير نتائج الدراسات الميدانية في هذا الصدد إلى طبيعة فهم الناس للقانون وطرق تعاملهم معه التي اكتسبوها من خلال تفاعلهم الحياتي اليومي في ظل شعورهم بغياب الديمقراطية لتحقيق قيمة العدل في ظل واقع تسوده الوساطات وجماعات الضغط على اختلافها ويجسدها المثل الشعبى والحكم والأقوال على سبيل المثال (المحاكم معاكم كسبنها خسرانها) ونعرض هنا لعدد من الدراسات الميدانية ففي دراسة للدكتور سمير نعيم أحمد تناولت الوسطاء وعملية الوساطة في حي بولاق بالقاهرة([18]). فقد جاءت اتجاهات عينة البحث من المتنازعين نحو التقاضي ونظام المحكمة على النحو التالي (أنها استهلاك للوقت, مكلفة جداً بالنسبة لنا, مفسدة, يترتب عليها تداعيات, معقده جداً, ليست ملاءمة لأوضاعنا الخاصة, شديدة البيروقراطية, تحتاج لإصلاح, تخلق مشكلات جديدة, لا تتمشى مع القانون الإسلامي, تتحيز للأغنى والأقوى, إن قراراتها ليست مجبرة Enforceable)

وتقدم (اند هلEnid Hill) تفسيراً لوجود مثل هذه الأنساق القانونية اللارسمية في البلدان النامية والبلدان الرأسمالية تتمثل في رغبة بعض الجماعات في التعامل مع مشكلاتها القانونية خارج نطاق القانون الرسمي, كما أن هذه الجماعات تقابل بحاجز يتمثل في زرائعية Instrumentalities الدولـة بالنسبة للعدل, ويرجع السبب في ذلك أساسا أن النسق القانوني يتعامل معهم ويؤثر فيهم على أنه أداه للسيطرة الطبقية([19]). إلا أن عجز استخدام الأساليب لسكنى حي بولاق في الحصول على حقهم بالقانون محكوم أيضاً بعجزهم في تحقيق مستوى اقتصادي أفضل داخل المجتمع وكذلك عدم الاستفادة من مختلف الخدمات العامة (الإسكان, التعليم, الصحة, المياه النقية. الخ) وجميعها تمثل ظروف الحياة الضاغطة, كالفقر, ونقص الخدمات في بولاق. وهناك عدد من الأدلة الإمبيريقية الملائمة التي توضح أن الناس في حي بولاق لا يخلقون ويبقون على نسقهم القانوني الغير رسمي للتعامل مع المشكلات القانونية فحسب ولكن يخلقون ويبقون على أنساق أخرى أيضا للتعامل مع مشكلاتهم الأخرى. فيقيمون نظام اقتصادي خاص بهم (الجمعية) Credit System لافتقارهم إلى طريقة للوصول إلى النظم البنكية الرسمية, ولديهم نظامهم الأمني الخاص بهم ولهم نظمهم التعليمية الخاصة (التدريب على مهنه) ولهم نظامهم الصحي.

وتشير نتائج دراسة ميدانية أخرى أجريت على مجتمع ريفي بمحافظة الشرقية حول "أساليب حل النزاع ودور كبار السن في القرية المصرية" إلى رضاء كافة أطرف النزاع عن حل نزاعاتهم عن طريق المجالس العرفية لما تتمتع به من مصداقية وثقه وحياد وديمقراطية وأن أحكام هذه المجالس لها قوة الأحكام القضائية ولا تقل عنها. إلا أن الدراسة تؤكد على ضرورة تطوير نظام العمل بالمجالس العرفية كآلية لحل المنازعات الريفية ووجوب حضور بعض رجال القضاء الرسمي لهذه الجلسات إذا اقتضى الأمر([20]).

دراسة ميدانية أخرى تناولت "الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية" لدى الشباب من الجنسين المنتمين إلى طبقات مختلفة (الطبقة العاملة– الطبقة البرجوازية الصغيرة– الطبقة البرجوازية المتوسطة) ومناطق مختلفة (ريفية– حضرية– عشوائية) وقد أظهرت أهم النتائج حول طبيعة الوعي الاجتماعي لطبقات العينة الثلاث غياب موقف طبقي واحد محدد لكل طبقة من الطبقات وازدياد الوعي وارتقاءه كلما ارتقى المستوى الاقتصادي الاجتماعي وأن التميع الطبقي الحادث في المجتمع المصري أثر على طبيعة الوعي الطبقي والاجتماعي وأكسبه تميعاً خاصاً به([21]).

دراسة ميدانية ثالثة تناولت "الوعي القانوني لدى اليابانيين والنزاعات الاجتماعية" وقد أخذ هذا الموضوع اهتمام كبير من الباحثين وكان من نتائج الأبحاث التي أجريت حول هذا الموضوع توضح أن اليابانيين يعارضون التقاضي أمام المحاكم ولا يميلون إليه, حيث أنهم يعتقدون أن الحق والواجب كلمات مطلقة المعنى وقد أثارت هذه النتائج نقاشات وجدل كبير لأنهم ينظرون للوعي القانوني بوصفه مجموع الاتجاهات والقيم حول القانون الياباني. وقد جاءت بنتائج غير واضحة ومحدده وذلك لعدم دقة تحديد مفهوم الوعي القانوني, والنزاعات الاجتماعية كما أنها لم تربط بين وعي المبحوثين, ووضعهم الطبقي وعلاقته بالمجتمع الياباني ككل وكذلك دوره في المنظومة الرأسمالية العالمية, وانتهت إلى المطالبة بضرورة تنمية وزيادة الوعي لدى المواطنين([22])

ودراسة أخرى تناولت "الوعي بالمشكلات وكيفية علاجها" واهتمت بشكل خاص بأشكال الوساطة التي تعالج المشكلات والتي وصلت إلى المحاكم والوعي الاجتماعي بها, وقد أجرى البحث في ولاية ماساشوستس في مدينتين (Salem, Combridge) ويهدف إلى أن المدعين يصلون بمشاكلهم للمحاكم على أنها آخر المطاف, وذلك عندما يطلبون العدل, وليس مجرد التصالح وجاءت أهم النتائج تشير إلى أن عمليات الصلح التي تمت ترتبط بنظام المجتمع بعيداً عن القانون والرسميات الخاصة به إلا أن الصلح كان يتم تحت سمع وبصر المحكمة والملاحظ أن التعامل مع الظاهرة والمشكلات ونوعها تعامل آنى وبالتالي جاءت ردود الأفعال وقرار التصالح دون تفسير حيث لم يتضح طبيعة تفكيرهم وسبب وصول مشكلاتهم في الأصل إلى المحاكم فماذا يريد هؤلاء الناس, ولماذا تصل بهم القضية لتلك الدرجة وما هو وعيهم الاجتماعي وفهمهم للقانون([23])

أما عن الدراسة الميدانية التي أجريت في قرية الدراسة فقد توصل الباحث إلى عدد من النتائج فمن خلال تحليل مضمون استجابات حالات الدراسة الميدانية لوحظ أن هناك اتفاقاً أساسياً بين حالات الدراسة حول أهمية ودور القانون ولكن التباين جاء في فهمه وطريقة وأسلوب النظر لتحقيق العدالة فنسبة 70% اقروا بأن اعتذار الآخر له إذا قام بالتعدي على حق من حقوقه والاعتراف بخطأه أمام الجميع مهما كانت الخسائر المادية أو المعنوية تعد أفضل نتيجة حصل عليها داخل المجتمع المحلي من أي شيء آخر يقرره القضاء.

وهذا يتفق والنتائج التي توضح أن اليابانيين يعارضون التقاضي أمام المحاكم ولا يميلون إليه([24]) وجاءت هذه النتائج على النقيض من نتائج بحث أجري عن المجتمع الأمريكي وذهب إلى تفضيل الأمريكان للذهاب بمشكلاتهم إلى المحاكم ([25]).

أما نسبة الـ 30% فترى أن الحصول على الحق عن طريق القانون يمثل حسب قولهم الأدب الشرعي لأن هناك نوعية من الناس لا تجدي معها الأساليب السلمية.

كما أظهرت النتائج أن من لديهم قناعة بأنهم في وضع طبقي متدني فقد انعكس هذا على الصورة الذهنية لديهم حول القانون صحيح أن لديهم فهم ورؤية محدده بأن لهم حقوق أساسية يكفلها لهم القانون إلا أن عجز الأساليب هي التي تقف عقبة كما أنها عملية لا تتم فجأة حيث تتدخل فيها عوامل داخلية ترتبط بطبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع والبدائل التي يرونها لحياتهم والأفكار العامة التي تعكس الجوانب الثقافية كما ذهب إلى ذلك جيرتز([26]) ومستويات وأنماط السلوك وقيم الحياة لديهم فعلى حد قول إحدى الحالات (أنه مفيش حد يتكلم عليه بشيء ردي أو يعرف عنه حاجة ولو حدثت أي مشادة تسمع البعض يقول ده مش بتاع خناقات ولا مشاكل ده ميعرفش طريق قسم الشرطة منين) يعني هذا أن عدم الذهاب إلى قسم الشرطة يدل على أنه رجل حسن السير. إلا أن الجديد في الأمر أن قبول أي طرف من الأطراف للحل العرفي السائد يرجع في جزء كبير منه إلى طول الوقت الذي تستغرقه المحاكم في نظر القضايا وما يصاحب ذلك من تكاليف اقتصادية مرتفعة ومصاحبات ذلك كما أن النتائج غير مضمونة وتخضع لاعتبارات أخرى بين المحامين....الخ.

وهناك اتجاه عملى يسود بين القرويين في أن المحاكم لا تحل المشكلات بل تبدأها وأن الأفضل التسوية بالتراضي بالنسبة لحل أي مشكلة داخل نطاق القرية عن طريق كبار السن على جميع المستويات وبين طبقات المجتمع. وسلبية بالنسبة للجوء إلى المحاكم والملاحظ أن غالبية الحالات– ماعدا الحالات الكيدية التي يتم فيها ابتداع الكثير من الأساليب للنيل من الخصم– يهدفون إلى تحقيق العدل أو الحصول على حقوقهم – أيا كانت الوسيلة– وأن مشاعرهم سلبية تجاه القانون الرسمي وأجهزته.

عن أهمية القانون فقد جاءت استجابات الحالات مؤكدة أهمية القانون لما له من دور أساسي في تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع ورد المظالم إلى أهلها إلى غير ذلك من وظائف القانون كما فهمه كل مبحوث من خلال تعليمه وخبراته وموقعه في نمط الإنتاج السائد والملاحظ أن هناك تقبل شكلي عن طريق الكلام كي يظهر الشخص نفسه بمظهر مقبول اجتماعياً.

وذهبت حالتان إلى أن القانون غير مهم ولكن الأهم هو المعارف والوساطة أو وجود محامي جيد أو الاعتماد على الوضع المادي أو العائلي.

أما عن طاعة القانون لأنه يحوز قبول البشر أم أن القوة تدعمه فقد جاءت استجابات الحالات مؤكدة أنه إذا كان القانون ترجمة لعادات وتقاليد المجتمع ولا يتعارض مع الشرع والأخلاق السائدة فإنه يحوز قبولاً من الناس أما إذا تعارض القانون مع ما سبق ومع مصالح البشر فإنهم يخرجون عليه دون النظر إلى التهديد بالقوة, فاقتناع الناس بالقاعدة القانونية يؤدي إلى احترامهم لها والعمل بها. ويؤكد ذلك دراسة ميدانية أجريت حول ظاهرة تعاطي الحشيش([27]) حيث أبدى الناس عدم اقتناع بالقاعدة القانونية وعدم احترامهم لها لذا لم تنخفض نسبه جرائم المخدرات على الرغم من تشديد العقوبة عليها....فالخوف من العقوبة القانونية يعتبر علامة قليلة الأهمية. وقد فسرت هيئة البحث هذا بأن القانون في واد والمتعاطيين في واد آخر, وخلص إلى وجود فجوة بين التشريع وبين الرأي العام والواقع الاجتماعي, فالمشرع يخطئ إذ يلجأ إلى العقاب دون بذل أي جهود صادقة لدراسة الواقع الذي يؤدي إلى المشكلة ومحاولة تغييره بأساليب اجتماعية (مقبولة) قبل الالتجاء إلى قوة القانون وأوامره وعقوباته القاسية. ودون محاولة جادة لإقناع المجتمع على أسس علمية سليمة بخطورة المشكلة وآثارها الضارة بالمجتمع بأكمله إن المشرع أحياناً في حمايته لمصلحة اجتماعية يتخذ اتجاهاً لا يتجاوب مع ضمير المجتمع, فتحدث فجوه بين المشرع واضع القاعدة القانونية وبين جماهير المكلفين بهذه القاعدة. وبذلك تسود رؤى متباينة في الفهم لدى القرويين.

أما عن التباين في الرؤية إلى القانون وقيمته في الماضي والحاضر فقد أجاب 60% بأن القانون في الماضي كان ينال احترام الجميع والمحافظة على النفس من الوقوع تحت طائلة القانون يدعم ذلك الأسرة الممتدة ودورها في التنشئة من خلال مقولات مثل" وأن هذا عيب في حقي أو الخوف على سمعه العائلة أو الأصول كذا" حسب ما جاء على لسان المبحوثين لذا فكان اللجوء إلى قسم الشرطة في أضيق الحدود أو يكاد يكون منعدم. صحيح أن معرفة الناس بالقانون لم تكن تمثل أهمية ربما لالتزام الناس في ظل علاقات الود والتدين والأخلاق الحسنه والضمير والحلال والحرام واستهجان أفراد المجتمع للخارجين عليه لدرجة أن من يعاقب بالحبس مثلاً أو يأتي بفعل مشين كان لا يستطيع أن يواجه الناس مرة أخرى ويسافر إلى مكان إقامة أخرى يؤكد ذلك ما توصلت إليه دراسة دكتور "حامد عمار"([28])

أما الآن فأصبح القانون هين على النفس ليس هناك تبجيل له بل إذا تكلمت مع أحد ولو أقرب الأقارب وتنصحه بأن هذا خطأ لا يسمع لك ويقول "إيه اللي ماشي صح" يعني هذا أنه واعي ويفهم موقفه وأنه يعترف بخطئه بل ويبرره بأنه ليس وحده وإنما هو سلوك عادي ومقبول بين الناس هذه الأيام.

أما نسبه 40% فقد جاءت آرائهم على عكس ما ذكر بالنسبة للقانون ففي الماضي كان هناك خوف من القانون ورجاله إما لقلة التعليم أو الوعي لذلك كان الرضا بأي حل بعيد عن القانون, أما الآن فأصبح كل شيء بالقانون وزاد إدراك الناس ومعرفتهم به ولا يقبل العذر بالجهل بالقانون.

إلا أن جميع الحالات تفضل وتدعم نظره الاحترام داخل القرية إلى كبير العائلة وهو أشبه بالقاضي فجميع أفراد العائلة ترجع إليه في حل مشاكلهم داخل محيط الأسرة والعائلة ومن العيب أننا نقف أمام بعضنا البعض في المحاكم, أما إذا كان الخلاف بين العائلات فيتم اللجوء إلى شخص يكون "مرضي" تقبله العائلتين إلا أنه وفي ظل ثورة المعلومات تغيرت بعض القيم وفقدت التقاليد والأعراف لبعض مكانتها إلا أن الجميع حتى ولو وصل الأمر بهم إلى الشرطة يتم الجلوس إلى مائدة المفاوضات والصلح داخل القرية إلى أن يتم حل الخلاف وتقديم محضر صُلح وينتهي الموضوع وهذا ما تؤكده نتائج الأبحاث السابقة التي عرضنا لها من قبول الوساطات ومحاولة الحل بعيداً عن المحاكم وتفضيل اللجوء إلى التراضي كما ذهب إلى ذلك نتائج بحث الوسطاء وعمليه الوساطة.

نخلص مما سبق إلى أن فهم القرويين للقانون يتباين بتباين المتحقق من هذا الفهم والعائد منه وأن هذا الفهم يتغير من فترة زمنية وأخرى وقد يتم تعديله بتغير المواقف إذا لم يكن يحقق الاستفادة لصاحبه.
1- راجع : أعمال المؤتمر الثاني للمركز الحضاري لعلوم الإنسان بعنوان : الثقافة الشعبية والتنمية , كلية الآداب جامعة المنصورة , 19-21 أكتوبر 1999. والمنشور أعماله مايو 2000 .
1- محمود أمين العالم. أزمة ثقافة أم أزمة حكم ؟! مجلة قضايا فكرية , الكتاب الأول, يوليو , 1985 , ص ص 9- 15 .
2- محمد نور فرحات، المصريون والقانون: رؤية لبعض الأبعاد التاريخية للازمة القانونية المعاصرة في مجلة قضايا فكرية ، مرجع سابق.
1- عبد الحميد حواس , الحكومة في الثقافة الشعبية. دراسة في مجلة قضايا فكرية , مرجع سابق , ص ص160-169
* هناك العديد من الأمثلة في التراث الشعبي المصري من بينها على سبيل المثال: قصة ياسين وبهية.
1- Steve Redhead , unpopular cultures : The birth of Law and popular culture , Manchester university press , New York , U.S.A , 1995,pp.17-31
1- sally Engle Merry , Getting Justice and Getting Even: Legal consciousness among working – class Americans , Chicago and London , U. S.A, 1990 , p.3
2- Ibid , pp. 3-6.
1- sally Engle , op. cit , pp. 8-9
1- Steven Vago , Low and society , prentice Hall , Englewood cliffs , New jersey , U.S.A , 1991 , pp .12-13 .
1- Steven Vago , op. cit , pp .135-137
(1) أحمد أبو زيد , الرموز والرمزية : دراسة في المفهومات , المجلة الاجتماعية القومية , المجلد الثامن والعشرون , العدد الثاني , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية القاهرة , مايو 1991 , ص ص141-143
(1) المرجع السابق..، ص ص 148-149.
2- محمد نور فرحات , الفكر القانوني والواقع الاجتماعي , دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981، ص 291
3- PHENG cheaqh, David Fraser and Judith Grbich, Think through the Body of the Law , New York. 1996, P. 10 .
راجع أيضا:
- Robert post , Law and the Order of culture , University of California press , U.S.A , 1991
- Austin sarat and Thomas R .kearns , Law in Everyday Life , university Of Michigan press , U.S.A , 1986
(1) سمير نعيم أحمد , علم الاجتماع القانوني , دار المعارف , ط 2 , 1982 , ص 172.
(2) نيكولاس بولانتزاس , نظرية الدولة , ترجمة : ميشيل كيلو , دار التنوير , لبنان. 1987 , صـ 72.
(3) دنييس لويد , فكرة القانون, تعريب: سليم الصويص. سلسلة عالم المعرفة , الكويت , نوفمبر,1981. ص45.
(4) محمد نور فرحات, الفكر القانوني والواقع الاجتماعي, مرجع سابق, ص ص67-68
1- أ.ك أوليدوف, الوعي الاجتماعي , ترجمة ميشيل كيلو، درا بن خالدون، بيروت، ط2، 1982، ص ص 81-85
2- SAMIR Naim , Mediators and the Mediation process in the Boulak District of Cairo , In Disputes and the Law , Edited by : Maureen Cain and Kolman Kulcsar , Akademiai Kiado , Budapest , 1985 , P.51
1- Ibid , p .52
2- عزة أحمد صيام , مشاركة كبار السن في إدارة شئون القرية : مع إشارة خاصة إلى أساليب حل النزاع , في مؤتمر : القرية المصرية : الواقع والمستقبل , 10-12 أبريل 1994 , المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية, 1996
1- أشرف فرج أحمد , الوعي الاجتماعي والانتماءات الاجتماعية : لدى عينات من الشباب المصري , رسالة دكتوراه , غير منشورة , كلية الآداب جامعة عين شمس , 1996
2- Miyazawa –s., Taking kawahima seriously : A Review of Japanese Research on Japanese Legal Consciousness and pisputing Behavior, Law – and Society Review , 1987 , pp. 219 –241
1- Sally Engle Merry ,op. cit , pp .15 –19
2- Miyazawa –s., op. cit .
3- Sally Engle Merry ,op. cit .
1- أحمد أبو زيد , الرمز والرمزية, مرجع سابق , ص ص 148-149
1- دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية , بالقاهرة , عن ظاهرة تعاطى الحشيش في الفترة من عام 1958-1962. نقلا عن سمير نعيم أحمد , علم الاجتماع القانوني , مرجع سابق , ص ص 156-159
1- حامد عمار، التنشئة الاجتماعية في قرية سكوا، ترجمة: غريب سيد أحمد وآخرون، دار المعرفة الجامعية، 1989.
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-