أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حقوق المراة في ظل العراق الجديد

عاشت المرأة في الشرق عموما وفي العراق خصوصا ولقرون طويلة على الهامش ولم يكن لها دور فعال في ديمومة نبض الحياة واستمراريتها بالرغم من ان الاسلام قد انصفها ودافع عنها وجعلها مشاركة للرجل في اكثر المجالات الا تلك التي لا تستطيع قواها الجسمانية اداءها ولقد تبوأت المراة المكانة العالية في المجتمع الاسلامي عكس نظيرتها في المجتمعات الرومانية التي كانت لا ترتفع عن كونها محظية وجارية .

وابرز مثال على ذلك ماعانته المرأة العراقية من نتائج حربين قاهرتين بإعتبارها المتضرر الأول و الخاسر الأكبر من كل تلك الويلات ، و لأن الرجل طوال عهود التأريخ هو المقرر الوحيد و المسؤول الأول عن إشعال فتيل الحروب، تنال المرأة النصيب الأكبر من الضرر النفسي و المادي و المعنوي و الإنساني و القهر و الألم ، و ترمل أعداد كبيرة من النسوة العراقيات ومعاناتهن من فقد المعيل وعيشهن تحت خط الفقر بالاضافة الى شبح الامية والجهل الذي سيطر عليهن وزاد في معاناتهن .

ارست المواثيق و الإتفاقيات الدولية بعضا من حقوق المراة شأنها شأن الرجل في جميع ميادين الحياة ، و هذه الحقوق حصلت عليها المرأة بكفاحها المضني عبر التأريخ في غالبية البلدان المتطورة في العالم تجاوزت الكثير من المراحل و باتت تمارس هذه الحقوق بشكل فعلي في عموم الميادين دون تميز ميدان عن ميدان ،الا أن المرأة في بلد مثل العراق لم تصل بعد إلى مرحلة نيل الحقوق لكي تتمكن من ممارستها ، إنما لا تزال تراوح في مكانها، وتصارع الصعاب والعراقيل التي تلبس ثوب التقاليد الإجتماعية تارة و التقاليد القبلية تارة اخرى، كل ذلك من أجل سلب أكبر قدر من حقوق المرأة بدل أن تمنحها الحقوق التي تستحقها كإنسانة تعيش إلى جانب الرجل على وجه الأرض منذ الخليقة و تقوم الحياة الإنسانية على أساس وجودها بجانب الرجل ، و تلك الحقوق هي حقوق طبيعية و هي لا تطالب بما هو مبتكر أو تتصارع مع الرجل من أجل الفوز في مباراة الحياة و الوقوف موقف الضد أو فتح جبهة معه دون وجه حق ، و إنما تتصارع مع العقلية الإجتماعية التي تسيطر على النظام الحكومي والتي تسمى بعقلية المجتمع الذكوري.

و رغم كل التطورات الحاصلة في مختلف مجالات الحياة في العراق فإن المرأة ظلت تراوح في مكانها ، فقد شاركت في العملية السياسية لكن بشكل غير منتظم و تبوأت المناصب و المراكز السياسية لكن بشكل مؤقت وكان دورها محدوداً وداخل إطار محدود كصورة فقط و بقيت بعيدة دائماً عن مركز القرار و مُنعت من الإستفادة من طاقاتها و إمكاناتها و مؤهلاتها. و على هذا الأساس يجب أن ينطلق المثقفون اليوم ليلعبوا دورهم التأريخي في تثبيت الحقوق الطبيعية للمرأة بشكل ديمقراطي في الحراك العراقي الدائم ، بما يضمن لها حياة كريمة و محترمة في ظل الدستور الذي يعكس الوجه الحضاري للحكومة العراقية الجديدة . فمن غير الممكن أن نتمكن من الممارسة الحقيقية للديمقراطية في ظل غياب حقوق المرأة ، من غير الممكن أن نمارس الديمقراطية في أي مجال من مجالات الحياة إذا كان نصف المجتمع يعاني من القهر و الظلم و لا يتمتع بكل حقوقه الإنسانية الطبيعية التي يجب أن يتمتع بها ، من غير الممكن ممارسة كل مباديء الديمقراطية و تطبيقها في الواقع على أسس سليمة و حضارية ترقى إلى مصاف الدول المتحضرة و المتقدمة في العالم إن كانت المرأة ما تزال تراوح في دائرة الكفاح ضد التقاليد الإجتماعية البالية التي تحد من حريتها ككائن له دور في داخل مجتمع يرفع شعار الديمقراطية التعددية و الفيدرالية .

وتتحمل المراة نفسها دورا كبيرا في تغييب دورها الانساني في المجتمع وايصال رسالتها ليس فقط في تربية النشئ كما عهد عنها وانما دورها الفاعل في كافة مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية على حد سواء من خلال سكوتها وتغاضيها عن ما يجري بحقها من انتهاكات ومصادرة للحريات والحقوق وهذا سكوت غير مبرر وله الكثير من التفسيرات ، منها عدم كفاءتها للمنصب الذي وصلت إليه و عدم تقدير المهام التي يجب عليها القيام بها على أكمل وجه ، أو جهلها بما هو ملقى على عاتقها من وظائف و مهام و في هذه الحالة تعتبر إستهانة من جانبها بدور ها الحقيقي في تبوا تلك المناصب..

ان الدستور هو بمثابة وثيقة الحياة لأي مجتمع أو دليل ثقة المجتمع بالحكومة التي تدير شؤون البلاد ، فإذا كان هذا الدستور يفتقر إلى الحقوق الحقيقية لنصف المجتمع ، فذلك يعني إنعدام ثقة نصف المجتمع في الحكومة التي يفترض بها تمثيل كل شرائحه و طبقاته، رجاله و نساءه على حد سواء.. إذا فالدستور هو دليل الثقة بين أبناء البلد و الحكومة و هو ميزان الثقة بين الرجل و المرأة الآن ، لذلك كان على المرأة أن تبدأ مشوارها مع صياغة الدستور و تثبيت حقوقها فيه بالشكل الصحيح و بالشكل الذي يليق بمكانتها وثقلها في المجتمع على أساس العدل و المساواة و على أساس أنها النصف الحيوي و الفعال الذي يمتلك القدرة الحقيقية في تحقيق انجازاته المؤثرة في المجتمع و من دونه لا تقوم حكومة عادلة و ديمقراطية ومنها المطالبة بترشيح النسوة الكفوءات وصاحبات التجارب الناجحة في مجال الممارسة السياسية و إبعاد كل من أوتي بها فقط كصورة في إطار أو لتكون مهمتها أن تحضر في الواجهة و أن يكون حضورها مزيفاً لا يرقى إلى مستوى المنصب الذي تشغله ، أو أولئك اللائي أوتي بهن فقط ليكنّ الأداة التي تتم بها الاستفادة من صوتهن.

ان دور الثقافة والمثقفين هودور اساس في ترسيخ حقوق المراة لان المثقف هو الذي يطمح دائما لتحقيق مجتمع تسوده العدالة والمساواة والتطور ولا يتم ذلك الامن خلال تفعيل دور المرأة الكفوءة ومنحها كل المساحة اللازمة وفسح المجال لها لكي تثبت وجودها وليكون تاثيرها واضحا في عملية بناء المجتمع المنشود ..

أما عن المكاسب التي حققها نضال المراة الطويل على مر الحقب فقد اثمر عن نص الدستور العراقي الدائم الجديد لعام 2005 على حق المرأة بالتصويت والترشيح في مجلس النواب على ان تمثل بنسبة25% من مجموع اعضـــاء المجلس البالغ عددهم حاليا325 عضوا وكان هذا النص بمثابة الخطوة الاولــــــــى للاعتراف باهمية المرأة في المجتمع ومساواتها ولو نسبيا بأخيها الرجل لكونها تمثل أكثر مـــــــن نصف المجتمع العراقي الجديد.

وجاء صدور دستور جمهورية العراق الدائم متضمناً عدة مواد تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن العراقي ومنها المرأة، فجاء في الفقرة اولا من المادة (22) منه العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم الحياة الحرة الكريمة. والمادة (29) فقرة (ب) تكفل الدولة حماية الامومة والطفولة والشيخوخة وترعى النشء والشباب، وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم. والمادة (30) اولا تكفل الدولة للفرد والاسرة وبخاصة الطفل والمرأة الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الاساسية للعيش في ظل حياة حرة كريمة، تؤمن لهم الدخل المناسب والسكن الملائم، وفي الفقرة (ثانيا) تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حالة الشيخوخة او المرض او العجز عن العمل او التشرد او اليتم او البطالة.

ان هذه النصوص الدستورية تحتاج الى تفعيل وان تعايش واقع حياة المرأة واضحة، وبرنامج عمل موحد لدعم النساء ورعايتهن. وهذا ماتحاول ان تقوم به منظمات المجتمع المدني في التوعية والتثقيف وحماية المرأة وصيانة حقوقها الان انه مازال سعي تلك المنظمات قاصرا ولا يرتقي الى المهام والاهداف المراد تحقيقها ..وهنا لا بد ان يفهم الجميع ان هناك فرقا بين ما تقوم به المنظمات الحقيقية، وبين تلك الجمعيات الوهمية التي تشكلها احزاب سياسية استغلت معاناة المرأة لإمرار أجندات خاصة بها وهذا يتطلب من المؤسسات الجماهيرية والنقابية والقوى الوطنية الحقيقية لتفعيل نشاطها لضمان حقوق المرأة داخل المجتمع العراقي التي تعيش فيه ، لمساهمتها الفاعلة في البناء وأرساء المجتمع المدني على أسس الديمقراطية في ظل المساواة والعدالة داخل العراق ، وعلى المرأة ان تسعى هي الاخرى لتحقيق تلك الاهداف وعليها أن تكون ذات شخصية قوية ، وتكافح من أجل حريتها وأستقلالها والحفاظ على كرامتها لتحقيق حقوقها المشروعة ، وأن تقف ضد الأستغلال والعادات والتقاليد الأجتماعية المتخلفة حتى تتمكن من التأثيرعلى المجتمع وحتى تكون صوتها مسموعة لكي تؤدي واجبها بالوجه الصحيح ، لأن عملية تغيير هذا الواقع يبقى مصابا بالشلل طالما ان المراة نفسها تظل مكتوفة اليدين امام ما يواجهها من تحديات بالاضافة الى الجهود الكبيرة من قبل المنظمات والهيئات والأتحادات النسائية والرجالية لبناء مجتمع مدني ديمقراطي فيدرالي تستطيع فيه المرأة أن تزاول نشاطاتها السياسية والثقافية والأجتماعية والتعبير عن رأيها بصورة صحيحة من خلاله .
تعليقات